القرار يعتبر خطوة مهمة ضمن برنامج الحكومة الانتقالية للإصلاح الاقتصادي
القرار يعتبر خطوة مهمة ضمن برنامج الحكومة الانتقالية للإصلاح الاقتصادي

أصدر بنك السودان المركزي في الحادي والعشرين من الشهر الماضي قرارا يقضي بتوحيد سعر صرف الجنيه السوداني مقابل العملات الأخرى، وقال إن القرار يعتبر خطوة مهمة ضمن برنامج الحكومة الانتقالية للإصلاح الاقتصادي وقد أملته ضرورة إزالة التشوهات من الإنتاج والتصدير ومحاربة السوق الموازي وغسيل الأموال والتهريب إلى جانب المساهمة في تحقيق الاستقرار لأسعار السلع.

وكانت الحكومة الانتقالية التي تم تكوينها في أعقاب الثورة الشعبية التي أسقطت نظام حكم جماعة الإخوان المسلمين بقيادة الجنرال المخلوع، عمر البشير، قد ورثت اقتصادا منهكا تمثلت أبرز مؤشراته في ارتفاع الدين الخارجي لأكثر من 56 مليار دولار إلى جانب الارتفاع الكبير في معدل التضخم الذي تجاوز 200 في المئة فضلا عن ارتفاع نسب البطالة والفقر بشكل غير مسبوق، وغير ذلك من المؤشرات.

في إطار سياستها الهادفة لإنجاح قرار توحيد سعر صرف الجنيه، دعت الحكومة كافة المواطنين السودانيين وعلى رأسهم المغتربين بالخارج إلى صرف وتحويل عملاتهم الأجنبية عبر القنوات الرسمية ممثلة في البنوك من أجل زيادة موارد المصرف المركزي من العملات الصعبة ووقف التعامل في السوق الموازي، وقد قوبلت دعوة الحكومة بحماس كبير من مختلف قطاعات الشعب السوداني.

فوجئ السودانيون بفتوى أصدرها رجل الدين، عبد الحي يوسف، يُحرِّم فيها تحويل الأموال عبر البنوك بحجة أن الحكومة الانتقالية غير مؤتمنة، وقال في تبرير فتواه إن "هذه الحكومة رأسها معطوب، على رأسها شيوعيٌ دهريٌ لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، وإلى يوم الناس هذا ما رؤى في مسجد ولا عرف عنه تعظيم لشعائر الله، بل ذهب دون تفويض من أحد فوقع على علمانية الدولة, ذهب إلى كاودا واجتمع مع شيوعي آخر من جنس فكره ووقع معه على علمانية الدولة، فصل الدين عن الدولة، فهذا الرأس المعطوب ما دام هو الذي يسير دفة الأمور فلا صلاح يرجى".

كان عبد الحي يوسف من رجال الدين النافذين في النظام البائد بحكم قربه من الجنرال المخلوع وقد منحته هذه الصفة العديد من الامتيازات في المناصب حيث كان عضوا ورئيسا لمجالس إدارة العديد من المؤسسات والهيئات والمنظمات، كما أغدق عليه النظام الحاكم الأموال، وهو الأمر الذي اعترف به المخلوع في محاكمته حيث ذكر أنه تبرع لمجلس إدارة قناة "طيبة" المملوكة ليوسف بمبلغ 5 مليون دولار، كما اعترف الرجل الثاني في النظام على عثمان طه في تسجيل بثته قناة العربية بأن تسعين جنيها من كل مائة جنيه صُرفت على القناة كانت تأتي من الحركة الإسلامية (الفرع السوداني لجماعة الإخوان المسلمين)!

قامت لجنة إزالة التمكين وتفكيك النظام باسترداد قناة طيبة والأصول التابعة لها لصالح حكومة السودان، كما أصدرت النيابة أمرا بالقبض على يوسف، على خلفية بلاغ لاستلامه المبلغ المذكور من المخلوع مما اضطره للهروب لدولة تركيا بمعية العشرات من رموز النظام الإخواني حيث استأنف بث قناة طيبة واتخذ منها منصة لمهاجمة الحكومة الانتقالية.

ذكر يوسف في تبريره لفتواه أن رئيس الوزراء السوداني، عبد الله حمدوك، وقَّع مع الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة عبد العزيز الحلو ورقة تدعو للعلمانية وفصل الدين عن الدولة، وتناسى أن دستور دولة تركيا التي بث من أراضيها فتواه ينص في مادته الثانية على أن "الجمهورية التركية جمهورية ديمقراطية علمانية اجتماعية، تقوم على سيادة القانون"، كما تناسى أيضا أن رئيس وزراء تركيا، رجب طيب إردوغان، من أكبر المدافعين عن العلمانية وهو القائل إن "العلمانية تعني التسامح مع كافة المعتقدات من قبل الدولة، والدولة تقف من نفس المسافة تجاه كافة الأديان والمعتقدات".

ليس هذا فحسب بل أن المادة 24 من الدستور التركي تنص على أنه "لا يُسمح لأحد باستغلال الدين أو المشاعر الدينية أو المقدَّسات، أو إساءة استخدام أي من ذلك بأي طريقة كانت، بغرض مصلحة أو نفوذ شخصي أو سياسي، أو بغرض إقامة النظام الأساسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي أو القانوني للدولة على معتقدات دينية، ولو جزئيا".

لا شك أن عبد الحي يوسف وبقية رموز الإخوان المتواجدون بتركيا يمتلكون حسابات بنكية شخصية وأخرى لمؤسسات أعمالهم، ومن بينها قناة طيبة، حيث يتلقون تحويلات مالية خارجية عبر تلك البنوك، فهل يتعاملون مع السوق الموازي أم يستبدلونها في البنوك التي يقود حكومتها "رأس معطوب" هو رئيس الوزراء إردوغان الذي يمتدح العلمانية وفصل الدين عن الدولة؟

إن ادعاء يوسف بأن رئيس الوزراء السوداني "شيوعي لا يؤمن بالله واليوم الآخر", ينبئ عن جهل عميق وتسطيح شديد، إذ أن الحزب الشيوعي يُعتبر المعارض الأكبر للإصلاحات الاقتصادية التي طبقتها الحكومة بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، فكيف إذا يكون رئيس الوزراء شيوعيا وفي ذات الوقت يتبنى تطبيق سياسة السوق الاقتصادي الحر؟ 

أما تكفير يوسف لرئيس الوزراء بناء على ادعاء ظني بأنه لا يرتاد المساجد فيعكس طبيعة المدرسة التي ينتمي إليها والتي لا تتورع عن إهدار دماء الناس بناء على فتاوى واهية، فحتى إذا ثبت بالدليل القاطع عدم ذهاب رئيس الوزراء للمساجد فلا يعتبر ذلك سببا لتكفيره، فقد اختلف أصحاب المذاهب الفقهية الأربعة حول هذا الأمر، حيث رأى المالكية والشافعية أن الذهاب للمسجد فرض كفاية بينما اعتبرها الأحناف سنة مؤكدة، أما الحنابلة فقد اعتبروها فرض عين، وفي جميع الأحوال لا يحق لأحد تكفير مسلم لعدم صلاته في المسجد.

الأمر المهم في هذا الخصوص هو أن يوسف يعلم جيدا أن التحويلات المالية للمغتربين عبر البنوك الرسمية لا يستفيد منها رئيس الوزراء في شخصه بل تساهم في رفع المعاناة عن كاهل المواطن البسيط وتنمي موارد الدولة من العملات الصعبة وأن البديل الوحيد لهذا الأمر هو السوق الموازي الذي ظل يتحكم في سعر الصرف، وبالتالي فإن هذه الفتوى تمثل حربا مباشرة على الاقتصاد الوطني وتشجيعا للسوق السوداء.

كان حريٌ بعبد الحي يوسف الذي يُبدي حرصا كاذبا على أن لا تذهب أموال المغتربين لحكومة ذات "رأس معطوب" أن يستوثق من مصادر ملايين الدولارات التي منحها له الجنرال المخلوع، فعندما سئل في مقابلة خاصة مع "الجزيرة نت": هل كنت تعلم أن الأموال التي تبرع بها الرئيس المعزول لمؤسساتكم الدعوية مصدرها السعودية، وأنها حولت بطريقة خاصة من ولي العهد محمد بن سلمان؟ أجاب بالقول: "ليس لدي دخل بمصدر هذه الأموال".

إن أبسط قواعد الشفافية في المعاملات المالية للمؤسسات والهيئات تتطلب التحقق من مصادر الأموال والتبرعات التي تستلمها، وإذا تعذر ذلك في حينه وتم اكتشافه في مرحلة لاحقة فمن الأجدر إرجاع تلك الأموال وهو الأمر الذي لم يفعله يوسف حتى الآن.

من المؤكد أن فتوى عبد الحي يوسف التي فندناها أعلاه لا تخرج عن إطار المتاجرة بالدين من أجل خدمة أهداف سياسية تتمثل في هذا الخصوص بمحاربة حكومة الفترة الانتقالية التي جاءت في أعقاب ثورة شعبية أطاحت بأسوأ حكم استبدادي شهده السودان في العصر الحديث، وقد تضررت جراء ذلك مصالح أفراد ومؤسسات وجماعات كثيرة ولغت في فساد النظام واستفادت من منحه وعطاياه.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.