ترامب - الحزب الجمهوري
"هذا الأمر على قدر كبير من الخطورة، ليس فقط للحزب، بل للولايات المتحدة وما يتعداها"

لا مفاجأة في خطاب الرئيس السابق، دونالد ترامب، والذي ألقاه في مؤتمر العمل السياسي المحافظ "سيباك" السنوي يوم الأحد الماضي. تمسّكٌ بمقولة "السرقة الكبيرة" والتي تزعم بأن التزوير في الانتخابات الماضية قد حرم ترامب من عهدة ثانية، تشهيرٌ واستهداف للعدد القليل من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ من الجمهوريين الذين صوتوا لاتهام ترامب أو إدانته لمسؤوليته عن إثارة أعمال الشغب يوم السادس من يناير الماضي، طعنٌ واستهزاء بأداء الرئيس الحالي، جو بايدن، ووعد ووعيد بإنزال الهزائم الانتخابية به، وقدر كبير من الإطراء على الذات والتبجح بالانجازات، الصادق منه والموهوم.

ولكن خطاب ترامب، وطقوس الولاء والطاعة والخضوع للرجل، والتي شهدها المؤتمر، تكشف بوضوح أن الحزب الجمهوري لم يتجاوز مرحلة ترامب بتاتاً، وأن التبدل بطبيعته وهويته من الصيغة الجمهورية إلى الصيغة الشعبوية لم يكن عرضياً. وهذا الأمر على قدر كبير من الخطورة، ليس فقط للحزب، بل للولايات المتحدة وما يتعداها.

ما يشهده الحزب الجمهوري هو تبدّل نوعي في طبيعة خطابه السياسي وهويته المعنوية. للتأكيد، الحزب الديمقراطي يعاني بدوره من حالة مشابهة عند هوامشه. واقتصار الحال على الهوامش كان واقع الحزب الجمهوري إلى أمس قريب.

بل يمكن القول أن تفشي الخطاب القطعي العدائي عند الهوامش كان جزءاً أصيلاً من التركيبة الفكرية بالنسبة للحزبين، مع انحسار في النبرة عند التدرج من أقصى اليمين إلى الوسط، بالنسبة للجمهوريين، ومن أقصى اليسار إلى الوسط بالنسبة للديمقراطيين. الحصيلة كانت التقاء الخطاب المعتدل من كلا الحزبين مع نظيره من الحزب الآخر لتشكيل إطار فكري مشترك يحضن الاختلاف ويجعل منه مادة للحوار الوطني.

المسألة اليوم هي أن الحزب الجمهوري يكاد أن يتخلى عن أدبياته الوسطية وأن يعتمد لغة التجزئة والملامة والطعن، والتي تلازم الرئيس السابق.

يبدو أن ترامب قد نجح بالفعل بإحكام قبضته على الحزب الجمهوري. ثمة معارضة بالتأكيد من بعض أعضاء مجلسي النواب والشيوخ في الكونغرس، ولكن هذه المعارضة آفلة إلى حد الغياب بالمقارنة مع الولاء الذي يشهره غالب الجمهوريين، والذي يعكس بدوره حجم التأييد الشعبي الواسع النطاق.

غير أن السير باتجاه هذه القطيعة مع الوسط ليست نتيجة رئاسة ترامب، بل هي سابقة لها بعقود، ويمكن استشفاف بوادرها في مواقف، نيوت غينغرش، الذي استعاد مجلس النواب للجمهوريين من كلينتون، عام ١٩٩٤، وفي تيار "حفلة الشاي" أو "حزب الشاي" على مدى العقدين التاليين.

هي الشعبوية التي تستعيض عن الحوار الديمقراطي الجمهوري برفض الآخر وشيطنته والتشهير به وإدانته، ليمسي العدو لا الخصم، ولتقاس أقواله وأفعاله على أنها شر وأذى بسوء نوايا، لا أنها مواقف حسنة النية يراد بها الخير وإن كانت على خطأ.

اليوم، الشعبوية لا تقتصر على السياسيين، بل الواقع أنه لا يخلو أن يلجأ كل سياسي عند اشتداد الضغط عليه إلى بعض الشعبوية. ولكن حين تترسخ الشعبوية، ومعها الأساليب الاعتذارية والسجالية، في عمق الخطاب الفكري، فإن الأزمة تصبح واقعاً مقلقاً.

الكاتب والمخرج الوثائقي، دينيش دسوزا، من المفكرين المحافظين الذين يجسدون هذا المنحى. هو هندي الأصل، جاء الولايات المتحدة طالباً جامعياً قبل عقود، ثم استقر فيها وأصبح أحد أبرز المدافعين عن التوجهات المحافظة.

يتميز دسوزا بفصاحة خطابية مشهودة وبذكاء واضح وحاد. لا مكان للتعبئة العاطفية في كلامه، ولا محاولات فجّة لإثارة المشاعر والتلاعب بالجمهور. ما يصدر عنه هو الخطاب الموضوعي المتزن في أسلوبه ونبرته، والمصرّ في توجهه إلى مخاطبة العقل.

في المقابل، فإن دسوزا قد لقي معاملة أقل ما يقال فيها إنها مشبوهة. فهو قد سُجن في عهد الرئيس الأسبق، باراك أوباما، بعد أن أدين بمخالفة مالية في تجاوزه حدود المساهمة للحملة الانتخابية لأحد أصدقائه من الجمهوريين. والواقع أنه قلّ أن يتعرض من يرتكب مخالفة من هذا النوع لعقوبة بهذه الصرامة، إذ عادة ما يقتصر الجزاء على الغرامة المالية.

فرغم ظاهر التقيّد بنص القانون، لا يمكن تجنب التساؤل عمّا إذا كان للحكم خلفية سياسية، وإن ضمنية. على أي حال، دي سوزا هو أحد الذين استفادوا من قرارات العفو الرئاسية والتي أصدرها ترامب.

اجتهد دسوزا في وثائقياته وكتبه تذكير المشاهدين والقراء أن الحزب "الجمهوري"، حزب أبراهام لنكولن، هو الذي "حرّر العبيد" في القرن التاسع عشر، فيما الحزب الخصم، أي الحزب "الديمقراطي" كان هو المسؤول عن استمرار الاستعباد في الولايات الجنوبية ثم عن المسعى الانفصالي، وأنه من رحم الحزب الديمقراطي ولدت جماعة "كو كلاكس كلان" المعادية لـ "السود"، شنقت منهم من شنقته، وأرهبت الكثيرين ودفعت بهم إلى الرحيل.

"الديمقراطيون" في هذا الخطاب السجالي المحافظ، هم الذين اعتمدوا الفصل العرقي في الولايات الجنوبية، وهم الذين قاوموا حملة الحقوق المدنية، وهم اليوم من يبقي المواطنين "السود" في عبودية جديدة، هي عبودية التبعية الاقتصادية لبرامج الرعاية الحكومية، بغية ضمان صوتهم الانتخابي.

يمكن جمع دسوزا مع رهط من الشخصيات غير المتوقعة، هو لبشرته السمراء، آخرين لعرقهم "الأسود" أو لدينهم اليهودي، من المروجين لهذه المقولة، بما يؤيّد الطرح المحافظ والجمهوري، وينفي تهمة "العنصرية" عن وجوهه السياسية.

على أن في هذا التصوير للديمقراطيين من دسوزا وصحبه الكثير من التجني والنفاق وصولاً إلى الكذب.

ليس أن سياسات الرعاية الاجتماعية، والتي تكاد أن تقترب من الوصاية، التي يستفيد منها المواطنون "السود" بنسبة تزيد عن غيرهم، والتي دعا إليها الديمقراطيون ووضعوها موضع التطبيق، ناجحة تمام النجاح، أو حتى، بالنسبة للبعض منها، ناجحة حتى بالقدر المتواضع. بل العديد منها فاشل، ولا بد بالتأكيد من مراجعة التأثير السلبي لهذه البرامج، بشكلها المعتمد، على أوجه عديدة من حياة المواطنين "السود" ومجتمعاتهم.

غير أنه شتّان بين وصف برنامج بالفشل والإشارة إلى مواطن الخلل والعلة في تصميمه وتطبيقه، وبين اعتبار هذا البرنامج مشروعاً متعمداً لاستعباد جديد. وهذا الزعم هو ما يواظب عليه دسوزا. "الديمقراطيون" من وجهة نظره، على ما يبدو، لا يخطئون البتة، بل كل النتائج السلبية لبرامجهم، والتي يذكرها مدلساً دون الإشارة إلى أي وجه إيجابي، هي جزء من مسعى مقصود لجعل المواطن الأسود رهينة للحزب الديمقراطي.

غير أن النفاق الجلي في كلام دسوزا هو هذه المقولة التي أصبحت رائجة بأن "الجمهوريين" هم الذين "حرّروا العبيد"، وأن "الديمقراطيين" هم الذين دافعوا عن العبودية وما تلاها من قبائح.

هذا كلام منافق، لأنه صادق في ظاهره، كاذب متعمد في باطنه. نعم، النخب "البيضاء"، ومعها عموم مجتمعاتها، في الجنوب حيث كان الاستعباد، كانوا في صفتهم الحزبية من "الديمقراطيين"، فيما كان أبراهام لنكولن، ابن ولاية إيلينوي الشمالية، "جمهورياً". على أن هذه صفات سياسية انتخابية، والأحزاب هنا واجهة للقوى التي تتشكل منها، وليست موجهة أو صاهرة لها.

فحين انتظمت فئات وقوى أخرى، عرقية واقتصادية ومناطقية، ضمن الائتلاف الانتخابي للحزب الديمقراطي، في ستينيات القرن الماضي، عمدت النخب "البيضاء" ومعها جمهور المقترعين، إلى الانتقال بالتصويت لصالح الحزب "الجمهوري"، والذي كان قد تراجع في أوساطه منذ أجيال همّ الاستعباد والاسترقاق. ومع نجاح حملة الحقوق المدنية في الستينيات، كان الحزبان قد استبدلا قاعدتيهما.

أي ما كان بالأمس من الديمقراطيين في الجنوب، الأوساط "البيضاء" المحافظة، والمعادية صراحة يومئذ للتحرر "الأسود"، أصبح جمهوري الولاء، فيما انتشر الانتساب للحزب الديمقراطي في الشمال حيث ترتفع أعداد "السود" وغيرهم من الأقليات نسبياً، من تشبّث بالعبودية وأطلق حركات اضطهاد "السود" ليس الحزب الديمقراطي ولا الحزب الجمهوري، بل العديدون ضمن الأوساط البيضاء في الولايات الجنوبية.

انتسابهم السياسي، والذي كان عرضاً للحزب الديمقراطي ثم للحزب الجمهوري، لم يكن الدافع، ولا رابطا مباشرا بينه وبين سلوكهم التمييزي.

هي حقائق لا تخفى البتة عن دسوزا، بثقافته الواسعة واطلاعه الأكيد، واختياره تجاهلها نفاق بواح. بل يتجاوز دسوزا في وثائقياته الحاجز المبهم بين النفاق والكذب حين يطرح الشبهة الواهية، ثم يبني عليها وكأنها حقيقة ثابتة، ليمسي بالتالي أوباما شيوعياً حاقداً على الولايات المتحدة يسعى إلى تدميرها، ولتصوّر هيلاري كلينتون على أنها أداة طيعة لخدمة أغراض ومصالح خارجية.

كل هذا لا يبرر بأي حال أن يكون دسوزا قد استفرد لعقاب خارج إطار التساوي أمام القانون، كما يجوز بالفعل الارتياب. وفي حين أن ترامب قد أفرط باستعمال صلاحية إصداره للعفو في حالات عدة، فاستفاد منها أصدقاؤه وكل من أظهر له مطلق الولاء، فإن منحه العفو لدسوزا بالتأكيد في مكانه. بل الواجب أن يجري التحقيق بظروف سجنه.

ولكن بغضّ النظر عن هذه المسألة، فإذا كان دسوزا وغيره من المفكرين المحافظين، وهو القادر فكرياً على المواجهة والمحاججة، ممعناً وحسب بما يحاكي الشعبوية من أساليب ملتوية، فإنه لا سبيل إلى موازنة لا دونالد ترامب ولا من سوف يأتي بعده للاستفادة من الشحن والتعبئة والتحشيد في صفوف الجمهوريين والمحافظين.

ربما في ذلك بعض الكسب الآني للحزب الجمهوري، ولكنه تفريط مخجل بسجل هذا الحزب وإمكانياته، وبالمسؤولية التاريخية أمام الولايات المتحدة بجيلها الصاعد وأجيالها القادمة. الشعبوية والجمهورية لا تجتمعان.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!