امرأتان تعملان في الدعارة في فرنسا
نساء يقعن ضحايا شبكات الاتجار بالبشر حول العالم.

في المقالة السابقة، استعرضنا الانتشار الكبير للدعارة في بعض الدول الإسلامية بما فيها تركيا وإيران، ورغم أن وضع الدعارة في بعض الدول العربية لا يختلف كثيرا عن هذين البلدين لكن تلك الدول ترفض الاعتراف بهذا الواقع لأنه يكشف عن حقائق غير مريحة لحكوماتها، وأبرزها تقصيرها في حماية النساء والأطفال وتأمين أساسيات الحياة لهم، وفساد المسؤولين بالإضافة إلى غض نظرها عن الاتجار بالجنس لأنه يحقق لها دخلا لا تريد التخلي عنه، ولذلك كلما زاد انتشار الدعارة كلما زاد تجاهلها إعلاميا، واعتبار من يأتي على ذكرها صاحب أهداف خبيثة. 

ففي العراق، تجمع منظمات حقوقية على أن الدعارة قد فاقت كل حد مقبول نتيجة انخفاض مستوى المعيشة ووجود مليون أرملة ومئات آلاف الأيتام الذين ليس لهم معيل وانتشار المخدرات وسيطرة الميليشيات، شرحت إحدى الفتيات لصحيفة عربية في لندن طريقة عمل هذه الشبكات قائلة إن "سمسارة" تتحمل مسؤولية كافة أمور الفتيات العاملات عندها من السكن للأمن للاتفاق مع الزبون ودسّ الأموال في جيوب الشرطة وإخراج من يتم إيقافهن بكفالة، وتحصل مقابل ذلك على 80 في المائة من العائدات، ويساعدها في عملها مسؤولون وضباط كبار يترددون إلى شقتها للاستمتاع. 

كما ينتشر في العراق زواج مؤقت كشف حجمه وطبيعته تقرير للبي.بي.سي، تنكّر فيه مراسل بصفة مغترب وتمكن من مقابلة 10 رجال دين أعلن 8 منهم موافقتهم على إجراء عقد زواج متعة، ونصفهم أكد إمكانية إجراء هذا النوع من الزواج مع فتيات بعمر 12 و13 عاما، وقال أحدهم كن حذرا حتى لا تفقد الفتاة عذريتها لكن بإمكانك ولوجها من الخلف!، وتابع يمكنك الزواج من فتاة لمدة نصف ساعة وعند الانتهاء يمكنك الزواج بأخرى على الفور، ونصحه بعدم إجراء عقد كتابي حتى لا تتم ملاحقته لأي سبب، وقال رجل متزوج للمراسل إن الفتاة بعمر 12 عاما هي "مكافأة" ولكنها مكلفة حيث يتقاضى رجل الدين لوحده بين 500 و800 دولار، وصوّر المراسل سرّا 4 رجال دين ثلاثة منهم قالوا إنه يمكنهم توفير نساء لهذا الغرض، وفي شهادة لإحدى الفتيات قالت إن رجل دين كان هو سمسارها الذي يؤمن لها الرجال كما يوفر لها حقن منع الحمل. 

صورة لإحدى السوريات ضحايا الدعارة في لبنان (المصدر: هيومن رايتس ووتش)
الدعارة المسكوت عنها في الدول الإسلامية
الدعارة، وهي تقديم خدمات جنسية مقابل بدل مادي ظاهرة قديمة وموجودة في مختلف دول العالم بشكل علني أحيانا وسرّي في كثير من الأحيان، ودون الاستغراق في التفاصيل، للدعارة سببين رئيسيين، الفقر الذي يجبر إنسانا ما على بيع جسده حتى يستطيع تأمين أساسيات الحياة، والدعارة بالإكراه

كما زاد انتشار الدعارة في سوريا بشكل كبير في العقد الأخير من القرن الماضي مع تدهور الاقتصاد، وتم افتتاح عشرات المرابع الليلية بحماية مسؤولين حكوميين، بعضها كبير يستوعب أعدادا كبيرة من الراقصات ومئات الزبائن أغلبهم من دول الخليج وترافق ذلك مع انتشار مئات الشقق المخصصة لاستقبال هؤلاء، وتحول الكثير من العاملين في المجال السياحي إلى سماسرة جنس، وانتشرت الخطّابات التي تدور في الأحياء الفقيرة باحثة عن فتيات صغيرات للزواج بخليجيين مقابل عمولة بمئات الدولارات إذا وجدت الفتاة المطلوبة، ثم يعقد رجل دين هذا الزواج على الورق ويقيم "العروسان" في شقة مفروشة لأسابيع حتى يختفي العريس وتبوء بالفشل كل محاولات التواصل معه أو تثبيت عقد الزواج أو السفر خلفه للخليج، وخلال السنوات الأخيرة انهار الوضع الاقتصادي في سوريا حتى أصبح ثمن الخدمات الجنسية أحيانا مجرّد تأمين الطعام، وانتشرت في مخيمات اللجوء جميع أشكال استغلال النساء والأطفال بما فيها الدعارة، ويعبر عن هذا الوضع إطلاق تجار الجنس الأتراك على الطفلات السوريات بعمر 12 حتى 16 عاما اسم "فستق"، في إهانة ليس للطفولة والمرأة فقط بل للإنسانية جمعاء. 

ويقدّم المغرب أوضح مثال على تجارة الجنس خاصة للأطفال، أكّده تحقيق مصور لإحدى محطات التلفزيون الإيطالي تنقّل خلاله الصحفي بين وسطاء ووسيطات في دعارة الأطفال، يقوم فيها بالغون بتأمين متعة السياح المنحرفين مقابل المال، ووصل التحقيق إلى وجود 50 ألف طفل وطفلة يمارسون الدعارة بين الدار البيضاء ومراكش، وأصدرت مؤسسة سيل الفرنسية تقريرها السنوي عن الدعارة قالت فيه إن دعارة الأطفال تنتشر في المغرب والسلطات تتغاضى عن الموضوع وترفض الاعتراف بالأمر من أجل "سمعة" البلد الدولية، خصوصا كأحد مقاصد السياحة الجنسية. 

وفي مصر، ومنذ عقود طويلة يتم اكتشاف شبكات دعارة كل بضعة أيام بما يدل على الانتشار الواسع لهذه التجارة، ويعمل في بعض هذه الشبكات مسؤولون حكوميون وضباط شرطة ومحامون، تقوم هذه الشبكات باستقطاب الفتيات أصحاب الوضع المالي الصعب ليتم عرضهن على الزبائن خاصة الخليجيين، ليختاروا من بينهن من يروق لهم ثم يقوم المحامون بإبرام عقود زواج عرفي في نسخة واحدة يحتفظ فيها الرجل، وتنتقل الفتاة من علاقة إلى أخرى مباشرة دون انتظار العدة، وهناك "عرائس الصيف"، وهو زواج عرفي يتم فيها إغراء الأهل بالمال لتزويج بناتهم لخليجيين مقابل عشرات آلاف الجنيهات وينتهي هذا "الزواج" مع آخر الصيف برحيل العريس. 

هذه مجرّد أمثلة بسيطة من بعض الدول العربية هدفها التأكيد على الحجم الكبير للدعارة، لأن الخطوة الأولى في معالجة أي مشكلة هي الاعتراف بوجودها، ثم البحث عن أسبابها وأول هذه الأسباب أن الحكومات العربية لا تقوم بواجبها في تأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة لأطفالها ونسائها بما يحميهم من الاستغلال الجنسي، بل تتركهم بين خيار الموت جوعا أو الانزلاق في هذا الطريق، كما أن الحكومات لا تريد الاعتراف بدور أجهزتها التي ينخرها الفساد في تسهيل عمل شبكات الاتجار بالجنس، كما تقوم الحكومات العربية بالتغاضي عن الجرائم التي يرتكبها رجال من الدول الغنية بحق أطفال ونساء البلد، وإذا كشفت جريمة قام بها أحد رعايا الدول الثريّة تكتفي الحكومة العربية بتسفير الرجل المعتدي إلى بلده، لأن محاكمته قد تهدد السياحة الجنسية وما تجلبه من دخل.

في المقابل، يحاول الإسلاميون إرجاع انتشار الدعارة إلى التغريب والدعوة إلى تحرّر المرأة والاختلاط ورفع سن زواج المرأة حتى 18 عاما، ولكن واقع الدعارة في تركيا المحكومة من حزب إسلامي منذ عقدين، وفي الجمهورية الإسلامية الإيرانية يؤكد عدم صحة هذه الادعاءات، بل إن بعض رجال الدين المسلمين هم شركاء في تجارة الجنس من خلال إبرامهم عقود الزواج العرفي وزواج المتعة للتغطية على علاقات ليست في جوهرها سوى دعارة، وعبّرت عن ذلك الصحفية نوال المجافي في صحيفة الأوبزرفر البريطانية، حين قالت إن رجال الدين يتآمرون مع عملائهم الذكور لاستغلال النساء. 

وبدل إلقاء مسؤولية الدعارة على الغرب كما يريد الإسلاميون، ربما من الأفضل الاستفادة منه، فقد قررت السويد عام 1999 التصدي للدعارة من خلال تجريم وفضح الزبائن فقط، لأنها اعتبرت أنه لا يمكن حل هذه المشكلة دون مكافحة الطلب على الجنس، وفعلا انخفض عدد المومسات في شوارع ستوكهولم بنسبة كبيرة بعد عدة سنوات من تطبيق هذا القرار، ولا تكتفي السويد بعدم معاقبة النساء بل تعمل على مساعدتهن، بما يعاكس تماما ما تقوم به الدول العربية التي تعتبر المرأة هي المذنبة ولذلك يتم سجنها وفضحها، رغم أن نسبة كبيرة من ضحايا الاتجار بالجنس في الدول العربية هم من القصّر والأغلبية الساحقة من النساء لم تختر هذه المهنة برضاها، بل تعتبر أغلب الدول العربية أن الرجل وهو الطرف الثاني في علاقة الدعارة مجرد شاهد على الواقعة تؤخذ أقواله ويذهب إلى بيته وكأنه ضحية، مع أن وجوده مع ما يقدمه من مغريات مالية هو سبب وجود ظاهرة الإتجار بالجنس من الأساس. 

ولا يكفي هذا، بل أن المجتمع يغلق الباب أمام الفتاة أو المرأة ضحية الاتجار بالجنس، حيث تلاحقها الوصمة طوال حياتها وتمنعها من بداية جديدة، كما تقوم السلطات بإغلاق مجالات العمل أمامها فلا يبقى لها سوى الاستمرار في هذا الدرب، فقد اتفقت الحكومات مع الإسلاميين على تحميل النساء مسؤولية انتشار الدعارة لأنها الحلقة الأضعف ولأنها أفضل الطرق للتهرّب من مسؤوليتهما عن انتشار الدعارة في البلدان العربية.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!