الرئيس التشادي الرئيس إدريس ديبي
"أعمى حب السلطة بصيرة ديبي فلم يتعلم من الكوارث التي جرها الحكام"

استكمالا لما طرحت في الجزء الأول من أن الرئيس، إدريس ديبي، يطوع الديمقراطية من أجل تحقيق مصالحه الشخصية وأن قرار ترشيح نفسه لخوض الانتخابات القادمة يعكس أنانيته وسيجر البلاد إلى الدخول في دوامة العنف ويعيد مسلسل الحروب الأهلية خاصة إن أصر على تمرير مخطط التوريث في آخر أيامه أو في حال سعي أحد أبنائه إلى الاستيلاء على الحكم بالقوة بعد مماته.

الرئيس التشادي إدريس ديبي
مخاطر استمرار ديبي في حكم تشاد لفترة رئاسية سادسة
بعد إعلان الحزب الحاكم في تشاد قرار ترشيح الرئيس إدريس ديبي إتنو لخوض الانتخابات الرئاسية المقررة في شهر أبريل المقبل، والتي بات في حكم المؤكد أن يفوز فيها بفترة رئاسية سادسة، أطلقت العنان لمخيلتي لاستقراء تداعيات ذلك القرار على الوضع السياسي في البلاد على المدى القريب والبعيد. 

ومن القرارات الخاطئة التي اتخذها ديبي والتي تبين حرصه على مصالحه الشخصية على حساب الشعب والوطن قرار وضع قوات الجيش التشادي في واجهة الحرب على الحركات المتطرفة في القارة الأفريقية، الذي أكسبه شعبية كبيرة لدى الحكومات الأميركية والأوروبية المتعاقبة التي تتعامل بجدية مع التهديدات المتكررة للتنظيمات الإرهابية وتعتبر أمر القضاء عليها هدفا استراتيجيا يصب في صميم مهامها في حماية أمنها القومي ومصالحها حول العالم. 

إن قرار توريط الجيش التشادي في الحرب على الجماعات المتطرفة قرار قصير النظر، لأنه لا يستند إلى مبادئ فلسفية ولا على تقارير استخباراتية أو سياسات استراتيجية لحماية الأمن القومي التشادي، فالجماعات المتطرفة التي أؤمن بضرورة محاربها عسكريا وفكريا، لم تعلن الحرب على تشاد ولم تشكل تهديدا مباشرا على الأمن القومي، والأرجح أن ديبي أراد به استدرار الدعم المادي الغربي وتسويق نفسه كحليف استراتيجي يعمل على تحقيق المصالح الغربية وإن تعارضت مع المصالح القومية.

ولولا سيطرة ديبي وحزبه على الجهاز التشريعي في البلاد لما تمكن من تمرير مثل هذا القرار الكارثي على دولة لا تمتلك الإمكانيات الأمنية والاستخباراتية اللازمة التي تمكنها من مراقبة المتطرفين وتوجيه ضربات استباقية إليهم قبل تنفيذ عملياتهم الإرهابية وهو أمر أرهق حتى أعتى أجهزة الاستخبارات في العالم على الرغم من امتلاكها قدرات هائلة كالولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا.    

قد يبرر البعض قرار ديبي بالقول إن من الضروري محاربة الجماعات الإرهابية وهذا صحيح ولكن الحل العسكري وحدة لن يقضي على الإرهاب، وأن الجهد الأكبر يجب أن يتركز على محاربة الفكر الإرهابي والتصدي للعوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي توفر البيئة المناسبة لانتشار الفكر المتشدد وتدفع الشباب إلى الانضمام إلى تلك الجماعات. وسؤالي لمن يبررون قرار ديبي، ما هي السياسات والبرامج التي قدمها ديبي لمنع انتشار الفكر المتطرف في تشاد؟ 

لقد أعمى حب السلطة بصيرة ديبي فلم يتعلم من الكوارث التي جرها الحكام الذين تمسكوا بالحكم في بلدان كسوريا وليبيا وغيرها على شعوبهم ليتيحوا بذلك المجال للجماعات الإرهابية لزعزعة الاستقرار، وما كان لهم ليجرؤوا على ذلك لو أن أولئك الحكام أرسوا دعائم التدوال السلمي للسلطة واهتموا بترسيخ مبدأ الفصل بين السلطات وأتاحوا المجال للمعارضين للعمل من أجل تحقيق التوازن وللقضاة بأن يكونوا مستقلين وللإعلاميين والحقوقيين ومنظمات المجتمع المدني بالعمل في مناخ حر.

إن من المؤسف القول إن إصرار ديبي على التمسك بالحكم وسيطرته المطلقة على كل الأجهزة في البلاد وفشله في توفير سبل العيش الكريم للمواطنين وانتشار الفقر وتفشي الفساد وتركز الثروة والنفوذ في فئات محدودة من الشعب كلها عوامل تصب في صالح انتشار فكر الجماعات المتشددة وتبرر لجوءها إلى حمل السلاح في وجه الأنظمة الفاشلة بحجة انسداد كل الأفق والخيارات السلمية للتغيير. 

ومن المؤسف أيضا القول إن تشاد ستدفع من دماء أبنائها، عاجلا أم آجلا، ثمن توريط ديبي لجيشها في مواجهات مباشرة مع جماعات مسلحة ليس لبعضها وجود على الأراضي التشادية كجماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" الموالية لتنظيم القاعدة، والتي تنشط في مالي والمناطق الحدودية مع دولة بوركينا فاسو فقد كان من الأولى تركيز عمليات الجيش التشادي ضد عناصر تنظيم الدولة المتواجدين في منطقة حوض بحيرة تشاد بدلا من إرسالهم إلى مالي. 

كان من الأولى على ديبي أن يركز سياساته على توفير سبل العيش الكريم للمواطنين والاهتمام بالمجال الصحي والتعليمي والاقتصادي ومحاربة الفساد والعمل على ترسيخ دعائم التجربة الديمقراطية في البلاد من خلال منح الشباب فرصة ممارسة العمل السياسي وتشديد الرقابة ضد الفساد المالي والسياسي ومحاسبة الفاسدين ودعم الشفافية ومنح وسائل الإعلام هامشا كبيرا من الحرية للعب دور أكبر في كشف التجاوزات وتنوير المواطنين حتى يتسنى لهم اختيار ممثليهم عن وعي ودراية. 

إن ديبي الغارق في ملذات السلطة والذي لا يستمع إلا إلى أهازيج المطبلين ربط مصير البلاد بمصيره بفضل أنانيته وسياساته الفاشلة وقرارته اللامسؤولة ويبدو أنه عازم على قيادتها نحو الهاوية في أواخر أيامه وبدلا من يختم حياته بزرع بذرة التداول السلمي للسلطة هاهو يتشبث بها حتى الرمق الأخير ولسان حاله يقول: أنا ومن بعدي الطوفان.  

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.