عبد الإله بنكيران رئيس الحكومة المغربية
عبد الإله بنكيران

عند ولوجه مستشفى محمد السادس، في بوسكورة بضاحية الدار البيضاء، وقبل خضوعه لعملية جراحية، حرص الوزير مصطفى الرميد على تحرير استقالته من الحكومة المغربية كوزير مكلف بحقوق الإنسان وبالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني. 

في وقت سابق للاستقالة، شاع خبرٌ بأن الرميد "غاضب" ويقاطع اجتماعات الحكومة والأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، ثم قيل إنه في "عزلة ببيته وحالته النفسية صعبة".

وأرفقت الاستقالة بصورتها الأصلية التي تحمل الترويسة الرسمية لـ"وزارة الرميد" مع توقيعه، وذلك استبعادا لشبهة الأخبار الزائفة على مواقع التواصل الاجتماعي. لكن مقتضيات الدستور المغربي تخول للملك وحده اتخاذ قرار قبول أو رفض استقالة عضو من حكومة جلالته.

سياق متصل

لم تمض ساعات قليلة من نفس اليوم (الجمعة 26 فبراير 2021)، حتى ظهرت استقالة جديدة، هذه المرة صادرة عن إدريس الأزمي، رئيس المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية.  

أثارت استقالة مصطفى الرميد وإدريس الأزمي بلبلة في الوسط السياسي، وخلفت ردود فعل لدى الرأي العام المغربي، بل اعتبرت زلزالا من شأنه زعزعة أركان حزب العدالة والتنمية، القائد للتحالف الحكومي منذ 2012، إثر اندلاع انتفاضات 20 فبراير 2011 المنبثقة من "ثورات الربيع العربي".

وإذا كان الرميد أرجع داعي استقالته إلى وضعه الصحي، فإن الأزمي شرح مبادرته في حوالي ثلاث صفحات، موضحا أن دافعها هو "المسار الذي عليه الحزب".

أما النشر المتزامن للاستقالتين فذهب بفكر الكثيرين إلى اندراجهما في سياق واحد متصل بوضع حزب العدالة والتنمية في المشهد السياسي، وبتحضيراته للانتخابات المزمع إجراؤها في غضون هذا العام. وقرن بعضهم توقيت الاستقالتين بما عبر عنه الأمين العام السابق، عبد الاله بنكيران في "مؤتمر الربيع العربي"، بأن "الربيع العربي" لم ينته، بل إن مخاطره على النظام ما زالت قائمة وجدية، ما علق عليه البعض بأن بنكيران اعتاد إطلاق مثل هذه الصيحات، وهي تهديدات صادره عنه أكثر مما هي تهديدات قلاقل اجتماعية وانتفاضات واردة. ويضيفون: "لا عجب! ألم يكن حدث "الربيع العربي" فأل خير وبركة على بنكيران وجماعته؟!"، فالإسلاميون هم من جنوا ثمار "الربيع العربي" في المغرب، من دون أي جهد أو تعب، وما فعلوه هو أنهم جلسوا تحت شجرة مثمرة وارفة، ولم يكن لهم حتى فضل هز جذعها أو تحريك أغصانها، كما فعلت مريم بنت عمران في الآية القرآنية لما استجابت للأمر الإلهي: "وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا"، رغم أنها كانت تجلس تحت نخلة يابسة، بل إن رياح الانتفاضات الشعبية هي من هزت جذع الشجرة فتساقطت غلتها على رؤوس إخوة بنكيران مناصب حكومية ومهام كبرى حسنت في رمشة عين أحوالهم المادية. ويستكمل معلق آخر "إن إخوان العدالة والتنمية لم يتلقوا أمرا ربانيا، بقدر "استجابتهم لصوت داخلي مكيافيلي".

بالسرعة نفسها التي تم بها إعلان خبر الاستقالة المزدوجة، تم الإخبار بتراجع صاحبيها عنها، لإيقاف غبار الزوبعة التي أثيرت من خلال التعليقات والتحليلات، وأغلبها قراءات مناوئة. وأيضا لوضع حد للاحتقان الداخلي الذي بات يهدد بانقسام حاد بين قيادة وقواعد الحزب الإسلامي.

ولم يفت تأويل الاستقالة بكونها أتت بعد خبر عزم سعد الدين العثماني على ترؤس وفد حكومي مغربي إلى إسرائيل، خصوصا وأن قواعد الإسلاميين لا زالت مصدومة من قرار التطبيع وتوقيع العثماني، ما غيره، على "اتفاق إبراهيم"، التي بادرت الجهات الرسمية بنفي الموافقة عليها، وأن ما حصل هو فقط استئناف للعلاقات وإعادة فتح مكتب الاتصال الاسرائيلي بالرباط، (فتح سنة 1994 بعد اتفاق أوسلو وأغلق سنة 2000)، وهو ما كذبه ديفيد غوفرين الذي نشر فيديو دعائيا وجهه إلى المغاربة، أصر فيه على صفته سفيرا لإسرائيل وليس رئيس مكتب اتصال، وذكر فيه توقيع المغرب لبنود "اتفاق إبراهيم"، شأنه في ذلك شأن الإمارات والبحرين والسودان. 

لا علاقة للتطبيع بالموضوع

سرعان ما صدر تكذيب من حزب العدالة والتنمية يقول إن استقالة الرميد لم تكن بسبب خلافات حزبية جوهرية، بل هي بسبب غضبه من سوء تواصل رئيس الحكومة معه بخصوص عقد دورة استثنائية للبرلمان. أما بشأن الأزمي، فإن الأمانة العامة أعلنت تمسكها به رئيساً للمجلس الوطني وعضواً بأمانته العامة.

والحقيقة، حسب تصريح سعد الدين العثماني في افتتاح أشغال اللجنة الوطنية للحزب (السبت 27 فبراير 2021)، هي أن "ما أشيع من أن استقالة الرميد مرتبطة بقرار زيارة وفد حكومي بقيادة رئيس الحكومة لدولة الاحتلال مجرد كذب وافتراء". (لاحظوا أنه ما يزال يستعمل أمام أعضاء حزبه لفظ: "دولة الاحتلال"). وأن مصطفى الرميد عبر عن انزعاجه مما رآه تهميشا له، و"نحن ننتظر عودته لمهامه النضالية كما عودنا دائماً". 

وما أن استفاق مصطفى الرميد من البنج وفتح عينيه، حتى تراجع عن استقالته من حكومة العثماني، و"أذهب الباس رب الناس"، أو كما تقول العامة في المغرب: "مْريضنا ما عَنْدُو باسْ". 

في اليوم التالي (الاثنين 1 مارس 2021) عمم الرميد، من سرير مرضه، تدوينة بكون تراجعه عن الاستقالة، لم يحصل كما راج بعد إقناعه من العثماني وقيادة العدالة والتنمية، بل إن الفضل في ذلك يعود "لجلالة الملك حفظه الله"، الذي "أبى ألا أن يتصل مساء يوم تقديم الاستقالة بكلمات أبوية تفوح بالحنان، وعبارات تشجيعية تتقاطر بندى المواساة، فكانت علاجا كافيا، وبلسما شافيا. وقد عبر جلالته عن تمسكه باستمرار وزير دولته في تحمل المسؤولية وأداء الأمانة، فلم يكن أمامي إلا واجب الطاعة وسرعة الاستجابة".

سيناريو انقلابي

رغم تراجع المستقيلَيْن، فإن حجم التعليقات لم يتراجع، هكذا شكك كثيرون في مصداقية ما أقدم عليه الرميد مع الأزمي، بل تم نعت استقالتيهما بـ"المناورة وبالخدعة السياسية، وبالمكر السياسي المفضوح"، و"بلعب الدراري" أي العيال.

واسترجع نشطاء فيسبوك فضيحة عدم استفادة المواطنة "جميلة بشر" من صندوق الضمان الاجتماعي، رغم عملها 18 سنة سكرتيرة بمكتب المحاماة التابع لمصطفى الرميد، وهو ما اكتشفته عائلتها بعد وفاتها سنة 2019، ومشغلها جالس على كرسي وزارة حقوق الإنسان، وقبله وزارة العدل، حينها طالب الرأي العام باستقالته، لكنه لم يفعل.

كما لم تأت الاستقالة بسبب خلاف مع الحكومة التي هو عضو بها، حول "ملفات حقوقية" جرت في عهد توليه وزارة العدل، وبعدها وزارة حقوق الإنسان، حيث استمرت انتهاكات حقوق الإنسان مسجلة انتكاسات وتراجعات كبرى تذكر بعودة "سنوات الرصاص"، من اعتقالات بسبب الرأي، وسجن وتعذيب وتشهير استهدف مواطنين وصحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان. كان الأمر يستحق من الرميد الاستقالة احتجاجا، لكنه لم يفعل. وعكس ذلك، تقمص الرميد دور "محامي الشيطان" لتبييض وجه الحكومة والدولة.

وجاء التطبيع مع إسرائيل، وكان مناسبة سانحة للاستقالة. هو من كان يحب الظهور في التجمعات المؤيدة لتحرير فلسطين، وحول عنقه كوفية فلسطينية، لكنه ابتلع لسانه وصمت.
الأمر ذاته فيما يخص الوزير السابق، إدريس الأزمي، الرجل الثاني في حزب العدالة والتنمية، فقد قام بتكييف قرار استقالته على خلفية ما وصفه بـ"انحراف الحزب عن مبادئه التي نشأ عليها". 

عرف إدريس الأزمي، بدفاعه المستميت عن الريع والاستفادة من تعدد الامتيازات، فهو نائب بمجلس النواب وعمدة لمدينة فاس العريقة. في أكتوبر الماضي، خلف تدخله بإحدى اللجان النيابية موجة عارمة من الاستياء والغضب، وأصبح موضوع سخرية فاشتهر باسم "المستر بيليكي"، وهي لفظة غريبة تعني المجانية، وباسم "الديبْخشي" وحار المفسرون في شرح هذه اللفظة. لفظان كررهما الأزمي مرات مدافعا عن تقاعد البرلمانيين وامتيازاتهم. 

ويتردد أن رئيس الحكومة السابق، عبد الإله بنكيران، هو من صنع نجم الأزمي، بعد أن كان مغمورا قبل 2011. وفي آخر مؤتمر للعدالة والتنمية، أيد الأزمي إعادة انتخاب بنكيران والتمديد له في ولاية ثالثة، لذلك لا يستبعد مراقبون أن الأزمي يؤدي هنا دور "كومبارس" في سيناريو انقلابي يتزعمه بنكيران، المتطلع لتصدر المشهد من جديد بعد أن ذهب إلى التقاعد براتب سمين (9 آلاف دولار شهريا) مع امتيازات أخرى.

السقوط من مبنى شاهق

يذهب الكثيرون إلى أن الاستقالتيْن تدخلان في نطاق التمهيد للانتخابات التي على الأبواب. فحكومة العثماني لم يتبق لها إلا بضعة أشهر لإتمام ولايتها الحالية، والخروج بالاستقالات يمثل الورقة الأخيرة في يد الحزب الإسلامي لإسقاط مشاريع القوانين الانتخابية، التي ستضع حدا لهيمنة حزب العدالة والتنمية في الانتخابات المقبلة، حسبما يتردد في أوساط سياسية. 

كما يتخوف الإسلاميون من تصويت عقابي ضدهم بعد أن استهلكت شعاراتهم لجذب الناخبين، إذ اتضح أن الإسلاميين لم يكونوا أوفياء لوعودهم في محاربة الفساد والظلم والاستبداد، بل إنهم ليسوا أنقياء طهرانيين مؤمنين كما قدموا أنفسهم، بل إنهم مدوا أياديهم لاستغلال المال العام، وانتشرت فضائحهم الجنسية، وتعرت كفاءتهم المنعدمة. وأن كلمة "لا" ليست من قاموس لغتهم أمام ما يسمى بحكومة "الظل".

يرد العثماني على الاتهامات بالقول: "نحن لا نفكر في الانتخابات المقبلة، لكننا سنستعد لها". وفي بث فيسبوكي، خاطب شبيبة حزبه بجهة فاس– مكناس: "هناك أطراف هاجسها خطر الولاية الثالثة لحزب العدالة والتنمية"، متهما جهات غير معرفة باستهداف حزبه من خلال حملات تبخيس وتشويه وإساءة.
والواضح أن الانتخابات المنتظرة هي ما يؤرق اليوم قادة العدالة والتنمية، فهم يدركون جيدا أن المخزن ضاق ذرعا بهم، وأن الملك رفض التجديد لبنكيران بعد تصدر حزبهم انتخابات 2016، ولم ينفع تنطع بنكيران وصموده لأشهر، إذ انتهى بعدها إلى تسليم القيادة في الحكومة والحزب لسعد الدين العثماني. وأن مآل الاشتراكيين، من سبقوهم في قيادة الحكومة، بانتظارهم. بالديمقراطية من دون "الخروج عن منهجيتها"، و"القصر" كما هو معلوم، يرفض أن ينافسه أي حزب أو ينازعه في شرعيته.

لكن ما العمل؟ والحنين لا يفارق بنكيران، الذي أصبح يقدم نفسه كرقم لا يمكن تجاوزه، بارك التطبيع وتدخل لحل نزاعات حزبية داخلية، واعتقد أنه مرجع ومؤسسة لذاتها، يمكن له فرض حساباته على الدولة. وبعد تراجع الرميد والأزمي، خرج بنكيران ليأخذ بزمام الأمر، فهدد بالاستقالة من قيادة العدالة والتنمية إذا ما صادق نواب حزبه على مشروع تقنين استعمالات القنب الهندي، لكن رجع الصدى لهذا التهديد كان هو كلمات الأزمي في ختام نص استقالته المرفوضة: "هل مازلنا نحن هم نحن فعلا؟".

إحدى ناشطات الحركة النسائية غردت ساخرة من بنكيران: "لعله استهلك جرعة زائدة من القنب الهندي فزاد تأثيرها من أوهامه وغربته عن الواقع".

أما يساري من "حركة 20 فبراير" (رفض تسميته)، فقال: "إن تهديد بنكيران، يشبه استغاثة ساقط من مبنى شاهق، خصوصا أن منظمة الصحة العالمية تصنف حالات السقوط في الرتبة الثانية لأهمّ أسباب الوفيات الناجمة عن الإصابات غير المتعمّدة".

هي نهاية غير متعمدة لحزب خرج من رحم السلطة وتغوَّل. تأكيد إضافي أن "إسلاميي القصر" لم يعودوا هم أنفسهم...! 

ويتناهى صوت من خلف الكواليس: اللعبة انتهت. Game Over.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!