الاحتجاجات التي بدأت من طرابلس استمرت الثلاثاء وامتدت إلى مدن أخرى في لبنان
احتجاجات مستمرة في لبنان

سأل الصحفي سليم اللوزي، الذي اغتيل في (4 مارس 1980)، سماحة الإمام موسى الصدر عن علاقته بإيران ومدى إرتباطه بها؟ وأجابه: بصراحة ووضوح "...الشيعة في لبنان، لبنانيون عرب قبل كل شيء، والرابط السياسي بينهم وبين أي بلد غير لبنان لا سيما البلاد غير العربية خطر كبير بل خطيئة، وهل نشكو في لبنان من قلة الولاءات حتى نحاول إضافة محور سياسي جديد؟

لم يقدّر بعد حزب الله، وحليفه العوني، حجم ومدى الغضب المتراكم وخصوصا المسيحي، بعد انفجار 4 أغسطس. يتعامل مع المسألة باستخفاف معتقدا أن أدواته التقليدية ستنفع. وهذا ما برهنت عليه الشعارات التي رفعت في تظاهرة 8 أغسطس رافضة لسلاح الحزب وللعهد وسياسييه، الذين علقت لهم المشانق، وتجرأوا على وضع السيد نصرالله بينهم.

في تظاهرات، يوم الثلاثاء الماضي، التي أشعلت لبنان، وربما أريد لها عكس ما حصل، إذ رفع المتظاهرون بوجه الحزب والعهد: خيي انتم تتحركون انطلاقاً من تكليف شرعي اليس كذلك؟ ونحن أيضاً نتحرك مثلكم بتكليف شرعي، البطريرك قال لا تسكتوا!! ألا يحق لنا التصرف مثلكم؟

لا شك أن مواقف البطريرك الراعي فاجأت حزب الله وأربكته، فهو قطع الطريق على الفيدرالية وعلى المؤتمر التأسيسي، وقال: نريد تطبيق الدستور، ولبنان الطائف وطن نهائي للجميع. أعادنا إلى خطاب البطريرك الحويك: نريد دولة ينتسب إليها المسيحي والمسلم كمواطنين. وما غذّى المشهد الذي رأيناه في بكركي، بتاريخ 27 فبراير،  الرد المتسرع للسيد نصرالله باعتباره خطاب الراعي مزحة، مهدداً: أنه إعلان حرب. فواجههم الجمهور ولسان حالهم: أي وضع لن يكون أسوأ مما نحن فيه.

ما يحصل بلغ درجة من الاستهتار السوريالي الذي يفوق الخيال. تحوّل لبنان إلى أدنى درجات السلم بكل مقياس ممكن أو معروف عالميا وعلى جميع الأصعدة.

يتعامل الحزب، بواسطة مقربين منه، مع مطلب الحياد بخفة. يردّ عبر الشيخ صادق النابلسي: الحياد مطروح لتفجير البلد لأنه يعني الحماية والوصاية. بالطبع سيرفض الحياد من يرسل ميليشياته، بأمر من إيران، لتقاتل من سوريا إلى اليمن مرورا بالعراق. وبالطبع سيعلمنا الشيخ قبلان "أن الحياد خيانة والمؤتمر الدولي إذا كان بنسخة "سايكس بيكو" فنحن ضده". وهو سبق ان رفض دولة لبنان الكبير لعام 1920. هذا يؤكد أنهم ضد الكيان اللبناني أصلا إلا إذا كان لخدمتهم. اما استغلال مرجعية "سايكس بيكو"، فتثبت المقولة البعثية إن "لبنان كيان مصطنع". وتعني أنهم مع "هدم الحدود المصطنعة" بين سوريا ولبنان وصولا إلى إيران. 

وبالتالي لا معنى لمزايدة الشيخ النابلسي، على من سمّاهم "بقايا 14":  بكيف يستقيم رفع شعار الحياد مع شعار الحرية والسيادة والاستقلال"؟ هو مجرد لغو ممن يعتدي على السيادة في كل لحظة. ومبادرة البطريرك بمؤتمر دولي برعاية الامم المتحدة هو تحديدا لاستعادة السيادة. 

ثم ما معنى رفضهم للمؤتمر الدولي الذي يطالب به البطريرك لدعم استقلال لبنان ووثيقة الإتفاق الوطني، التي انقلبوا عليها وعلى الدستور اللبناني، ورفض تنفيذ قرارات الشرعية الدولية خصوصا 1559،1680 و 1701، بينما هم يعيشون في كنف هذا التدويل وفي رعاية القرار 1701؟

هل خرج لبنان يوما، في كل مرة تعرّض فيها لأزمة وطريق مسدود، إلا عن طريق التدخل الدولي؟ منذ إنشائه إلى مؤتمر الطائف إلى تفاهم أبريل عام 1996 إلى وقف الأعمال العدائية عام 2006 وصدور القرار 1701 الشهير الذي ناشد رئيس الجمهورية، في الصيف الماضي، باسم حزب الله، الأمم المتحدة لتطبيقه، مروراً بمؤتمر الدوحة!! 

كل ذلك ليس تدويلاً!! لكن مطالبة الأمم المتحدة التدخل لإنقاذ لبنان من دوامة الانهيار، هو تدويل وخيانة. لم يستوعب بعد حزب الله أن أوراق التين سقطت جميعها بالنسبة للبنانيين منذ انفجار 4 أغسطس المشؤوم. لا يريد أن يصدّق أن الشعارات التي أطلقت في بكركي وفي التظاهرات التالية: "إيران برا، وحزب الله إرهابي"، هي لسان حال معظم اللبنانيين؛ فيتوهم ان اساليبه التقليدية في التهديد والتخوين ستنفعه. لم يعرف أنه بعد أن أوصل، مع حلفائه، اللبنانيين إلى درجة التعارك على علبة حليب للأطفال! تجعل تهديداته أخف وطأة مما ينتظرهم من كوابيس.

نعم الشعب اللبناني في خطر ويحتاج لحماية صحته وحياته ومعيشته وماضيه ومستقبله من سلطة عدوة تحكمه. أصبح لبنان مساحة يعيش فيها اللبناني كما في البراري. دولة سائبة بلا حدود ولا مؤسسات. في ظل سلطة خزنت مواد ممنوعة متفجرة في المرفأ وبين السكان في قلب العاصمة. ومن تجرأ واشار الى خطرها، إما رميت تحذيراته في الادراج، وإما سجن وإما قتل. وهي تماطل منذ 7 أشهر في التحقيق لتمييعه. حتى أن السيد نصرالله أعلن انتهاء التحقيق والتزمت السلطة بعرقلة التحقيق. قرروا شراء الناس بتعويضهم بحفنة ليرات بلا قيمة. 

التفجيرات المماثلة لا تزال تهدد حياة اللبنانيين. فالفيديوهات والأنباء تشير إلى مناطق بعينها تخزن فيها الأسلحة ومصانع الصواريخ المعرضة للانفجار، كما حصل في عين قانا، في قلب بيروت وبين السكان. ولا تعليق. بعد جولة الصحافيين إثر فيديو نتنياهو ليقوموا، سرّبت صوراً لأكياس أمونيوم نسبت لبجاني الذي اغتيل قرب بيته؛ هذا ولم تتجرأ زوجته، التي تخاف على حياتها الآن، على دحض ما يشاع في أن لا علاقة له بالمرفا وليس مصوراً أصلاً. سوى بعد اغتيال لقمان سليم. 

ورد اسم لقمان سليم على لائحة سميت "شيعة السفارة" لهدر دمهم كخونة، ومن ثم قتل!! وألحقت باثنتين جديدتين. فهل فكرت نياباتنا العامة أو نقابة المحامين أو أي جهاز قضائي أو أمني على مساءلة الجهة التي صدّرت هذه اللائحة وما تلاها مع أسماء جديدة؟ هل وجدوا المسدس الذي قتله بدل ملاحقة اسرته وشيطنتها بمسلسل الهاتف؟

وبعد كل ذلك يخوّنون مبادرة البطريرك الانقاذية؛ لأنهم ويخافون من إشارته للسلاح غير الشرعي ومن مطالبته بالسلام بصيغة القمة العربية في بيروت عام 2002.

أما العلمانيين الذين جرح شعورهم "تدخل البطريرك كرجل دين بالسياسة"، فيا سادة، هذا ما يحصل عندما تفشل الطبقة السياسية بالقيام بواجبها، يقوم رجال الدين بما عجزوا عنه. ثم لماذا تغضون الطرف عن تعليمات وتهديدات السيد نصرالله، أليس رجل دين؟ 

أيها "العلمانيون"، لقد جعلتم من العلمانية ديناً متعصباً. 

العلماني شخص ليس لديه أي تحفظ ضد أي معتقد كان. حرية المعتقد حق مقدس. سواء كان إيمانيا دينيا أو إلحادا، عقائديا حزبيا أو أيديولوجيا، يؤمن بالله أو بالصدفة... ومن المستغرب أن يرفض مؤمنا بنظريات فرويد أو ماركس أو نيتشة أو داروين للمتدين إيمانه بالله، كما لا أجد أن الايمان بـ"الطبيعة الأم" يختلف في شيء عن الإيمان بخالق. في الحالتين لن نعرف السبب ولا ماذا يوجد قبل البيغ بانغ، لذا لا فرق بين المعتقدات مهما كانت: دين إبراهيمي أو أي من أديان آسيا من بوذية وكونفوشية وغيرها، حتى الغنوصية. 

ما هو غير مقبول أن يجبرني هذا الآخر على الإيمان بمعتقداته أو اتباعها، سواء بالقوة والسلاح أو بالحيلة أو بالرشوة. أما فيما يتعلق بخطاب البطريرك الراعي التاريخي، فأؤيده لأنه يعبر عن موقفي كمواطنة لبنانية همها إنقاذ لبنان أولا قبل أي شيء آخر. 

ولا يوجد حتى الآن طريقا آخر لبلوغ ذلك. 

ففي زمننا الحالي يا سادة لا وجود لكم خارج هوية وجنسية لبلد معين. إن اي شخص من دون وطن وجنسية هذا الوطن يعني أنه غير موجود، غير موجود على أي سجل معترف به دوليا ولا يملك اي حق، مطلق حق، لا يتطبب ولا يتعلم ولا يسافر ولا يعمل. اللهم إلا عبداً في زريبة أحدهم. الراعي عبر عن موقف فئة وازنة من اللبنانيين ومن جميع الطوائف والمناطق والانتماءات ... هو موقف وليس قانونا يلزمك بطاعته وليس دينا يقتلك إذا ارتددت عنه، وليس تهديدا يرفع إصبعه ليخيفك به أو يرفقه بـ"سنقتلكم" عندما نخالفه. 

إنه موقف ورأي ولكل شخص حرية قبوله أو رفضه، لكن أن يرفض لأن صاحبه رجل دين ولا يحق له التدخل في السياسة! فهذا موقف مجحف وغير مقبول. لرجل الدين الحق بإبداء رأي سياسي، ما لا يحق له إجباري على طاعته. إن ما نطالب به فصل الدين عن الدولة، وليس منع رجال الدين من اتخاذ مواقف غير ملزمة لأحد إلا باختياره الحر. 

من الملاحظ أن بعض المعترضين باسم العلمانية أو الشيوعية يقبلون من يلوح لهم بلاءاته وهو مدجج بالسلاح الديني المقدس ولا يجرؤ على الاعتراض، مع أنه يلزم الدولة جميعها ويلزمهم شخصياً بخياراته ويجبرهم على الخضوع لسلاح ممول من دولة أجنبية تتبجح باحتلالها لبنان.

يمكنك أن تكون ضد موقف البطريرك، لكن كن ضده بالسياسة وبشجاعة ولا تتلطى خلف معتقدك الذي لا أرى أنه يختلف عن الإيمان الديني الذي ترفضه.

هل يمكن لعلماني موضوعي وعاقل أن يرفض كلام وموقف البطريرك الذي يطالب بتطبيق الدستور اللبناني الذي يحفظ حق مواطنيه بحرية المعتقد؟ أي أن يكون مسلما أو مسيحيا، ملحدا أو علمانيا أو بهائيا أو يهوديا أو بوذيا؟ 

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!