Pope Francis speaks to reporters during a news conference while in the air aboard the Alitalia papal plane on his flight back…
البابا غادر العراق بعد زيارة استمرت 4 أيام.

وصفت زيارة البابا فرنسيس إلى العراق بأنها تاريخية، لأنها الاولى التي يقوم بها بابا الفاتيكان إلى بلاد الرافدين، حيث للمسيحيين فيها جذورا عميقة وقديمة قدم المسيحية. وربما الأصح القول إن الزيارة تاريخية بالرسائل الرمزية التي بعثتها إلى العراقيين من مسيحيين وغير مسيحيين، وإلى مسيحيي المشرق الذين لعبوا دورا بارزا وعبر القرون في  بناء حضارات هذه المنطقة، ومن بينها الحضارة العربية-الإسلامية يفوق كثيرا حجمهم الديموغرافي.  ولكن الحقيقة المّرة، التي يدركها البابا فرنسيس، ولكنه  لا يقولها علنا، هي أن زيارته تأتي في لحظة أفول المسيحية والمسيحيين في المنطقة التي خرجت منها إلى العالم. المسيحيون في المنطقة الممتدة من وادي النيل إلى بلاد الرافدين يدركون أن افضل أيامهم ليست أمامهم، ولن تكون في أوطانهم الأصلية، بل ربما خارجها إذا اختاروا الهجرة، أو ارغموا عليها، أو اقتلعوا منها كما شهدنا في العراق وسوريا خلال طغيان وظلامية ما سمي "بالدولة الإسلامية" قبل سنوات قليلة.

زيارة البابا فرنسيس جلبت الاهتمام العالمي من جديد إلى العراق، بعد أن انشغل العالم بقضايا أخرى بعد هزيمة "الدولة الإسلامية" كقوة قتالية، وذّكرت العالم مرة أخرى بفداحة الخراب  وفظاعة العنف الذي جلبته هذه القوى الوحشية لمسيحيي العراق في مناطقهم التاريخية في نينوى والموصل وقرقوش، وإلى الإزيديين وغيرهم من الأقليات. أن يصلي البابا فرنسيس في الموصل أمام ركام كنيسة قديمة فهو حدث ينضح بالمفارقات، لأن قدّاسه يأتي بعد 7 سنوات من خطاب المدعو أبو بكر البغدادي في جامع الموصل، والذي أعلن فيه ولادة خلافته الإسلامية، التي ستهزم "روما" والغرب المسيحي. 

دعوة البابا فرنسيس إلى المسيحيين العراقيين في الخارج للعودة إلى وطنهم، هي دعوة نبيلة وصادقة، ولكنها لن تجد من يلبيها. إلى أي وطن يعودون؟ إلى الوطن الذي تعيث فيه خرابا ميليشيات مذهبية يتلاعب فيها النظام الإيراني؟ إلى وطن لا سقف له، لأن الذين نصّبوا أنفسهم أولياء عليه لا يتفقون إلا على نهبه. إلى بيوتهم المدمرة؟ إلى حياة القلق والخوف وانعدام اليقين؟ وهي حياة أكثرية العراقيين، وخصوصا الأقليات عير المسلحة.

دعوة المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني لحفظ أمن وسلامة المسيحيين وصيانة حقوقهم الكاملة وفقا للدستور، هي دعوة نبيلة وصادقة، ولكنها لن تغير أي شيء جوهري في حياة المسيحيين والإزيديين وغيرهم من الفئات المستهدفة في العراق.

"ﻛﺎﻥ ﻳﺎﻣﺎ ﻛﺎﻥ في قديم الزمان وﺳﺎﻟﻒ ﺍﻟﻌﺼﺮ ﻭﺍﻷﻭﺍﻥ"، في مدن ساحرة صنعت حضارات وغيّرت العالم، اسمها بغداد والموصل ودمشق وحلب، وبيروت والقاهرة والإسكندرية فسيفساء إنساني متنوع شكّل فيه المسيحيون ألوانا برّاقة مع غيرهم من الأقليات الدينية والإثنية. المسيحيون بطوائفهم المختلفة، (كما اليهود) لهم جذور عميقة في هذه المدن. الأكراد الذين انتقلوا من وطنهم التاريخي المقسم بين 4 دول حديثة، ليعيشوا في بغداد ودمشق وحتى في بيروت، كانوا أيضا جزءا من هذا الفسيفساء الغني. وفي العصور الحديثة لجأت أقليات أخرى  إلى هذه المدن إما هربا من الظلم والبحث عن الأمن مثل الشركس والأرمن، أو الازدهار الاقتصادي مثل اليونان والطليان.  

لا يمكن فهم تاريخ هذه المدن من العصر الوسيط حتى منتصف القرن العشرين، دون فهم دور ومساهمة هذه الأقليات الدينية والإثنية في ازدهار وعطاء هذه المدن. المسيحيون من عرب وكلدان وأشوريين وأرمن ويونان وغيرهم مكانة متميزة في هذا الشأن، وخاصة في القرنين التاسع عشر والعشرين، في مجالات التعليم (وإحياء اللغة العربية) والثقافة والفنون بشكل عام، والعلوم والتجارة والاقتصاد. خلال الفترة التي عرفت بالكوزموبوليتانية تحولت هذه المدن، وخاصة الساحلية منها أي بيروت والإسكندرية إلى أهم المدن المتوسطية ازدهارا وتقدما لأسباب عديدة، أبرزها هو تنوعها الديموغرافي.

خلال صباي في بيروت، كان أحد أصدقائي المقربين يوناني قبرصي، ولأنني كنت أقيم في منطقة محاذية لأحياء أرمنية، تعلمت مفردات أرمنية عديدة من أصدقائي الأرمن. في المدرسة الابتدائية تعرفت على طلاب أكراد لجأوا من العراق. في شوارع بيروت كنا نسمع اللغات العربية والفرنسية والإنكليزية والأرمنية والكردية واليونانية، وكأننا في برج بابل جديد.

الأقليات المسيحية، من عربية وغير عربية (أرمن ويونان)، واليهود في لبنان وسوريا والعراق ومصر، بدأوا مغادرة هذه الدول، وتحديدا مدنها العريقة، بعد وصول العسكر إلى السلطة في انقلابات بعضها دموي، وجميعها متسلطة وقمعية وقومية وشوفينية، وفي أعقاب اضطرابات سياسية وأمنية، ومع بروز التيارات الإسلامية المتشددة. النزاع العربي-الإسرائيلي ساهم بشكل مباشر وغير مباشر بهجرة اليهود، الذين شكلوا في بداية القرن العشرين أكثر من عشرين بالمئة من سكان بغداد. ولعبت إسرائيل والأنظمة العسكرية العربية دورا خبيثا في هذا المجال. سياسات التأميم الانتقامية في دول مثل مصر وسوريا أرغمت ضحاياها وبعضهم ينتمون إلى هذه الأقليات الدينية إلى الهجرة. وهكذا هاجرت الجالية اليونانية المهمة اقتصاديا وثقافيا الإسكندرية والقاهرة، وهاجر معهم الأرمن. عندما احتلت إسرائيل القدس العربية في 1967، كان عدد الفلسطينيين المسيحيين في المدينة حوالي 37 ألفا. اليوم، أصبح عددهم أقل من 10 آلاف نسمة بسبب الضغوط الاقتصادية والسياسية المفروضة عليهم من قبل إسرائيل، وأبرزها أعمال الاستيطان. الوجود المسيحي التاريخي والهام في القدس يقترب من نهايته. 
في السنوات الماضية، تعرضت كنائس المسيحيين في العراق ومصر وسوريا، خلال المراسم الدينية، إلى التفجير من قبل المتطرفين والإرهابيين الإسلاميين. وأساقفة الكنائس في العراق وسوريا تعرضوا للاغتيال أو للخطف والترهيب.  

في العقدين الماضيين، شهد العراق وسوريا حروبا داخلية رهيبة وبطش بشع من السلطات الحاكمة، وغزوات مدمرة من الخارج، وظواهر إرهابية إسلامية تسببت بخسائر بشرية هائلة، وأدت إلى اقتلاع آلاف المسيحيين من قراهم ومناطقهم التاريخية في البلدين وأرغمت مئات الآلاف منهم على الهجرة. قبل الغزو الأميركي للعراق في 2003، كان عدد المسيحيين في العراق يقدر بحوالي مليون ونصف المليون. ولكن الاضطرابات السياسية وأعمال العنف والإرهاب الذي استهدف القادة الروحيين للمسيحيين وازدياد الأحقاد الطائفية مع بروز الحركات الإسلامية الظلامية، انخفض عدد المسيحيين العراقيين إلى أقل من 400 ألف نسمة. لا أحد يعرف بالضبط عدد المسيحيين السوريين الذين هاجروا سوريا أو هربوا منها أو اقتلعوا منها خلال العقد الماضي، ومعظم التقديرات تشير إلى حوالي نصف مليون على الأقل، من بين مليوني مسيحي سوري. ازدادت وتيرة هجرة المسيحيين من لبنان منذ "حرب السنتين" 1975-1976 وبسبب الاضطرابات وأعمال العنف في العقود الماضية، وتفاقم التوترات الطائفية والمذهبية، وأخيرا الأزمات الاقتصادية الخانقة.

زيارة البابا فرنسيس إلى العراق، يجب أن تكون مناسبة لمراجعة ما وصل إليه حال المسيحيين ليس فقط في العراق بل في دول المشرق . ليس من المبالغة القول إن مصر وسوريا والعراق ولبنان لم تتعاف حتى الآن من المضاعفات السلبية السياسية والاقتصادية والثقافية لهجرة أو تهجير المسيحيين (وغيرهم من الأقليات) . وليس من المبالغة القول إن استمرار هجرة أو تهجير المسيحيين، وما تبقى من الأقليات الأخرى، من دول المشرق سيجعلها أكثر فقرا وأكثر قحطا. 

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!