يعرف الجميع أن "العقل الجمعي/ الجماهيري" ليس له وجود مُتَعيّن/ ملموس في الواقع، وإنما يُعْرف/ يُسْتَدل عليه، بِمُجْمَل تمظهراته المتعينة التي تنتقل من وقائعيتها كحوادث فردية، غير دالة في تفردها؛ لتشكل ظاهرة عامة، ذات ملامح دالة؛ تكشف ـ بمجمل منطق المسلكيات الفردية الواضحة المتناثرة، أو بمنطق التأويل الناظم لها ـ عن مُحدّدات تنتظم المسلك الجمعي؛ على نحو مطرّد: متسع في المكان ومنسرب في الزمان، بحيث يمكن ـ لاحقا ـ التنبؤ بالخطوط العامة لهذا المسلك على ضوء هذه المحددات.
إننا كثيرا ما نسمع أن طريقة تعاطي مجتمع ما/ شعب ما، مع "أنظمة المرور" المتعلقة بقائدي المركبات أو بالمشاة في علاقتهم معها، هي ما تكشف عن "الوعي الكلي"/ "العقل الجمعي" لهذا المجتمع أو ذاك، في أنظمته كما في أخلاقه، وفي النهاية في وعيه. وما كان هذا الربط ممكنا إلا لأن السلوكيات المتعينة في التعاطي مع أنظمة المرور لها طابع شمولي أو شبه شمولي، كما أنها ذات طابع متكرّر، يتجاوز الاستثنائي العابر والنادر، إضافة إلى كونها تَعبرُ شبكةً مُعقّدة من علاقات التواصل ذات الطابع الحقوقي المتبادل، والذي بدونه يتعذّر على الحياة أن تأخذ طريقها بسلام.
اليوم، تُشَكّل جائحةُ كورونا جملةً من المسلكيات الجماهيرية العامة على امتداد العالم أجمع. على اختلاف المجتمعات وتمايزها، ثمة تشابهات واضحة؛ ينتظمها البعدُ الجماهيري الذي كان قد تحدث عنه المؤرخ والمفكر الفرنسي/ جوستاف لوبون قبل قرن من الزمان. وقد كان لوبون كثيرا ما يؤكد على أن "الظاهرة الجماهيرية" لا تتحدد فقط في كون مجموعة من الناس يحتويهم فضاء واحد في زمن واحد (= التجمهر العيني المباشر)، بل قد تتشكّل "الظاهرة الجماهيرية" عبر وسائل إعلامية تُؤطّر مشاعرَ وعواطفَ أفراد مجتمعين، وقد أشار إلى أن الصحف ـ في زمنه ـ كمثال على الوسائط التي تتكفل بتشكيل هذه الظاهرة، وذلك عندما تُثْير هذه الصحفُ قضيةً ذات طابع حماسي عام، تُلهب بها العواطف الجمعية، وتوحّدها في اتجاه مُحدَّد. وبهذا، يتضاءل دور العقل لصالح العاطفة، و"نادرا ما تكون المصلحة الشخصية محركا قويا لدى الجماهير، هذا في حين أنها تشكل المحرك الكلي تقريبا لدوافع الفرد الواحد"(سيكولوجية الجماهير، جوستاف لوبون، ص79).
لقد أثبتت جائحة كورونا أنها ـ من حيث تمظهرها في المَسْلك الإنساني ـ ظاهرة جماهيرية بامتياز؛ إذ لم يُوحّد البشريةَ موقفٌ من المواقف كما وَحّدها الموقفُ من هذا الوباء. وبالتالي، أثبتت أن الإنسان ـ في محرّكاته الأشد حسما ـ: "حيوان غرائزي/ عاطفي"، على حساب كونه "حيوانا عاقلا". وإذا كان ثمة فوارق بين بعض المجتمعات في هذا الشأن، فهي فوارق نسبية، وضئيلة، وغير مطردة. ولكنها ـ في الوقت ذاته ـ فوارق واضحة، وكبيرة، ومطردة، داخل كل مجتمع، أي فيما يخص أكثرية مقابل أقلية داخل المجتمع الواحد. فالجماهيري في الولايات المتحدة، أو في فرنسا، أو في هولندا، أو في ألمانيا، لا يختلف كثيرا عن الجماهيري في البرازيل، أو في مصر، أو في الجزائر، أو في لبنان، أو في روسيا. بينما ثمة أقلية واعية في كل دولة من هذه الدول، تتشابه مع مثيلاتها في الدول الأخرى، وفي الوقت نفسه، تختلف مع الأكثرية الجماهيرية في موطنها الخاص.
إن التقابل، بين أقلية واعية (وهي ليست كتلة واحدة، ولا ذات طابع استمراري ثابت/ متسق) من جهة، وأكثرية عاطفية فوضوية غرائزية، من جهة أخرى، هو تقابل يكاد يخترق كل المجتمعات/ كل الدول؛ بصرف النظر عن موقعها في تراتبية التقدّم والتخلف. وحيث إن المسلك الجماهيري الأعم، هو المؤثر، وهو الحاسم في نتائجه، وهو ـ وهذا ما يهمّنا هنا ـ الأكثر دلالة على طبيعة العقل الجمعي/ الوعي العام الذي كما فرض نفسه على طبيعة التعاطي الجماهيري مع هذه الجائحة، سيفرض نفسه في كل حدث مشابه، صَغُر هذا الحدث أو كبر، سيفرض نفسه في الحروب، وفي الكوارث الطبيعية، كما في الأوبئة: الطبيعية، أو شبه الطبيعية، أي تلك التي تتشكّل بفعل طبيعة العلاقة بين الإنسان والبيئة، مما ينعكس ـ بشكل مباشر أو غير مباشر ـ على حياة الإنسان على ظهر هذا الكوكب راهنا ومستقبلا.
إن مجمل المسلكيات الجماهيرية التي تفاعلت مع هذا الوباء، ومع ما تبعه/ رافقه من قوانين وتنظيمات وإرشادات، إنما تعكس طبيعة عقل جماهيري ذي طبيعة متعالية على الزمان والمكان، فهو ذات العقل منذ فجر التاريخ، وإلى اليوم، لم ولن يتأثر ـ في العمق ـ بمسارات التقدم، ولا بالمنجزات العلمية، إلا في أضيق نطاق. ولعل أهم ملامح هذا العقل ـ على اختلاف بيئاته ـ ما يلي:
1ـ أنه غير عقلاني/ غير علمي. وحتى إن أظهر نوعا من التصديق العقلاني أو العلمي، أو شيئا من الالتزام بمقتضياتهما، فهو في هذا التصدق والالتزام مباشر وآني، وجماهيري في آن. أي أنه يُصدّق ويلتزم بالمقتضى العقلي/ العلمي فقط؛ إذا ساد التصديق والالتزام على مستوى الفاعلية الجماهيري. ما يعني أنه حتى في تصديقه والتزامه يتحرّك بعقلية القطيع. ولهذا، سرعان من ينقلب تبعا لتقلبات "المزاج الجماهيري"، هذا المزاج الذي إن آمن بالعلم لحظة، فهو يؤمن بالخرافات والمؤامرات التي تنقض منطق العلم من أساسه، ألف مرّة ومرّة، وينقاد لها، لا على اعتبار أنها فضاء فوضوي يتحلل فيه من أعباء الحقيقة وإلزاماتها الضرورية، وإنما على اعتبار ان هذه الخرافات والمؤامرات هي الحقيقة التي ستُزهق ـ في تصوره ـ باطلَ العلم!
2ـ أنه عقل "قطيعي"، يتبع الفردُ فيه القطيعَ، يَتأثّر فيه الفرد بمن حوله وبما حوله؛ مما هو أكثر وأعم، وليس بالحق والحقيقة، ليس بالدراسات العلمية، ولا بالبحوث، ولا بالمصادر الموثوقة، ولا بما تقوله وتؤكده المختبرات المتخصصة، ولا بإجماع ذوي الاختصاص العلمي. وطبعا هذا الملمح مرتبط بالملمح السابق؛ لأنه لا ينقاد ـ "قَطِيعِيّاً" ـ؛ إلا لأنه غير عقلاني/ غير علمي، فالمبدأ العلمي لم يترسّخ في صلب قناعاته، بل هو ـ في أفضل أحواله ـ مبدأ خافت يطفو قليلا على السطح، مجرد قشرة باهتة، يكفي قليل من الهواء/ من الأهواء الجماهيرية كي تزيحها؛ لتظهر من تحتها الهمجية البدائية عارية تماما كيوم ولدتها الطبيعة/ أمّها !
3ـ أنه عقل عاطفي/ غرائزي، نزق بطبيعته، بحيث يطغى على العقلي/ العلمي؛ حتى عندما يُؤمن بها إيمانا راسخا بالعلم على مستوى العقل الواعي. وهذا يختلف عن الملمح الأول، فالأول مستريب بالعقل، مستهين بالعلم، مؤمن بالخرافات. أما هنا، فهو مؤمن بالعلم، واثق به وعلى يقين من جدواه؛ بحكم تجاربه الكثيرة معه. ولكننا نجده ـ وبحكم طغيان العاطفي/ الغرائزي ـ ينقلب على كل الزامات العلم واشتراطاته، خاصة في السياق الذي يجد فيه أن هذا العلم يحول بينه وبين "رغبته"/ "شهوته" التي تقع ـ غالبا ـ في حدود الآني والمباشر والفردي الخاص.
لهذا، نرى ظواهرَ/ مظاهرَ تبدو غير مفهومة بمنطق العقل، ولكنها مفهومة بمنطق العاطفة/ الغريزة البدائية. فمثلا، يلتزم كثيرون بما تقتضيه الإجراءات الوقائية من "تباعد" و "كمامة" في الفضاءات المشتركة. لكن، وبعد دقائق، وبعد تواصل اجتماعي عاطفي، تذوب حواجز الحذر رويدا رويدا، وتبدأ الأجساد المتباعد قبل قليل بالتقارب، وبعد قليل من التواصل الكلامي والبصري، تتسرّب طمأنينة خادعة، فينزع كثيرون "كمّاماتهم"، وبعد دقائق، يتصافحون، وبعد دقائق أخرى؛ ربما عانق بعضهم بعضا؛ كما كان الأمر قبل هذا الوباء تماما!
ما الذي حدث خلال عشر دقائق أو حتى خلال نصف ساعة؟ لماذا كان الحذر سيّد الموقف في الدقيقة الأولى، وكان الاطمئنان التام سيد الموقف في الدقائق الأخيرة؟ علميا/ عقليا؛ لا شيء تغيرّ، الوباء لا زال كما كان برعبه الحقيقي، لا زالت القابلية للعدوى كما كانت، لا أحد اكتسب مناعة حقيقية بين الدقيقة الأولى والدقيقة الأخيرة؛ لِيمنحه حق تغيير سلوكه من الحذر الشديد، إلى الاطمئنان التام.
المتغيّر هنا فقط: وجداني/ غرائزي؛ غير علمي بالضرورة. ما يعني أن الوجدان ـ وليس العقل ـ هو سيّد الموقف الإنساني، هو الأصل، الرغبة الغبية هي أمُّ التحولات المجانية هنا، والعقل ليس ـ في أفضل أحوال الإنسان ـ إلا أداة مصاحبة، تُسْتَعمل قليلا، وعلى نحو مضطرب في الغالب، ثم يُرْمى بها عند أول منعطف وجداني؛ حتى ولو كان منعطفا غامضا ومُرِيبا ومُفَخّخا بأسوأ الاحتمالات.
هنا، في هذا السياق الوجداني، قد يكفي القليل جدا من "الرغبة"؛ ليصل العقل إلى درجة الصفر، إلى الانمحاء التام. هل يُمْكن أن تُصدّق أن أناساً "عقلاء" قد عرّضوا حياتهم لخطر جِدّي؛ في حومة الزحام لشراء كوب من القهوة الجاهزة، أو لشراء وجبة سريعة، أو حتى من أجل جلسة عابرة، ترفيهية/ غير ضرورية، مع صديق أو زميل! بل وآخرون فقدوا حياتهم، أو أفقدوا أحدا من خاصّة أهليهم حياته؛ لمجرد أنهم لم يكتفوا بالتواصل المتباعد، وانقادوا لمشاعر اللحظة والمجاملة؛ فأصرّوا على التقبيل والعناق!
4ـ أنه عقل ذو نَفَسٍ قصير. فالذاكرة الجماهيرية قصيرة المدى جدا، حتى إن أشدّ الأخطار وأطولها أمدا تستطيع الذاكرة الجمعية/ العقل الجمعي أن تتخطاها بعد فترة قصيرة جدا من الأمان الحقيقي أو الوهمي.
نعم، يُؤكّد كثيرون على التزامهم بالاشتراطات الصحية، ويزداد هذا التأكيد عندما يرون بعض الضحايا بأم أعينهم، ولكن سرعان ينسون ويتناسون، وتبدأ الذاكرة المخادعة ـ بوعي أو بلا وعي ـ في استحضار مُقوّمات الاطمئنان ولو كانت مقوّمات نادرة أو باهتة، بل حتى ولو كانت كاذبة ومخادعة. وفي المقابل، يجري تغييب مُقوّمات الحذر حتى ولو كانت الجهات العلمية المسؤولة تُؤكّدها بإلحاح مستمر. ثم، وفي حال النسيان/ التناسي، تكفي واقعة/ كارثة يراها أحدهم بعينيه مباشرة؛ ليعود لحذره الشديد وهو في حالة رعب تام، ثم لا يلبث إلا قليلا ريثما يعود من جديد لحالة الاطمئنان الكاذب.
هذه الفوضى العبثية المتأرجحة بين اطمئنان وخوف/ حذر، في تبادل مستمر، يستحيل أن ينتظمها نسق عقلي/ علمي، كما يستحيل أن يُفسّرها العقل أو العلم، بينما ينتظمها ويفسرها نسق وجداني له طابع التشتت والتقلب والانجذاب إلى المرئي المباشر في آنيته. المباشر، والآني، المرصود في مدى الحواس، يحكم وعي الجماهيري ومن هو في حكم الجماهيري، ويفرض عليه سلوكا محددا. ولكن يكفي أن يغيب هذا المباشر والآني عن مدى الإدراك الحسي؛ لينقلب إلى الاتجاه المضاد.
5ـ أثبتت القوانين الإلزامية/ الإكراهية جدواها، وأن الهيئات العلمية المسؤولة هي المنوط بها تقرير هذه القوانين، ولا يجوز التعويل ولا الاستماع إلى الرغبات الجماهيرية التي هي "أنانية"؛ بقدر ما هي "آنية"؛ إذ لا ترى أبعد من رغبتها الفردية، كما لا ترى أبعد من لحظتها الآنية.
وبما أن الوباء بطبيعته مُتعدٍّ في أشد صور التعدي اقتحاما لحدود الأفراد وأشد صوره ضررا؛ فإن العقل الجماهيري المنفلت من عقاله قادر على إحداث كوارث كبرى؛ فيما لو كان متاحا له أن يُقرّر ـ بغوغائيته ـ حدود المسلكيات العامة، أو حتى يؤثر في تقريرها. وهذا ما رأيناه في كثير من دول العالم، حتى المُتقّدم/ المتحضر منه، إذ خرجت الجماهير ـ بينما الوباء في عنفوانه ـ في تظاهرات كبرى، تعترض فيها على قوانين الحجر الوقائية، وكأن كل فرد من هؤلاء ـ وهو في حال غيبوبته وسط التجمهر الصاخب ـ لا يرى إلا ذاته، وحيث هو في لحظته/ آنيته لا يشعر بالآلام التي يُحْدثها الوباء لضحاياه وللمعنيين بهم، فهو لا يرى الوباء أصلا.
أخيرا، ليست معاينة هذا العقل الجماهيري في غوغائيته، وعبثيته، وفوضويته في تعاطيه المسلكي مع هذا الوباء (التي تصل به حدّ الكفر بالعلم، والإيمان بالخرافة، والاستعداد التام للمجازفة بحياة الملايين من أجل رغبة عابرة)، إلا معاينة له فيما سوى ذلك؛ حتى فيما هو خارج سياق الكوارث والأوبة والأزمات الكبرى. ففهم كيفية اشتغال هذا العقل/ هذه الفوضى، يمنحنا القدرة على التعامل معه/ معها على النحو الصحيح.

