Pope Francis visits Iraq
البابا جال على مناطق عراقية عدة.

تقليديا، كانت زيارات بابا الفاتيكان الكثيرة إلى دول العالم تنقسم إلى نوعين متمايزين: الزيارات التي يقوم بها إلى بلدان لاتشوبها مُشكلات أهلية/سياسية مسيحية الطابع، أو للمسيحيين أدوارٌ فيها، فتأخذ تلك طابعاً ثقافياً دينياً، تتوخى مزيداً من التواصل والحوار بين الجماعات الدينية و"قادة الأديان" وما ينفرز عنهم من مؤسسات وخطابات ومشاريع.

على وجه نظير من ذلك، فإن زيارات البابا إلى البلدان التي تحوي مجتمعات أهلية ومُشكلات أهلية/سياسية مسيحية تأخذ سمة سياسية رئيسية، إلى جانب حيزها الروحي الثقافي. فدولة الفاتيكان، بمكانتها وأدوارها وأذرعها، ترى نفسها دوماً منخرطة ومساهمة وذات رأي في أحوال وحقوق وحضور المسيحيين في الشأن العام والحياة السياسية والاقتصادية في الكثير من البلدان، بالذات المركبة والمختلطة منها من عدد من التشكيلات الأهلية. 

كل تفصيل من زيارة بابا الفاتيكان إلى العراق تقول بأنها تنتمي للنوع الأول من زيارات البابا، على الرغم من استثنائية مكانة وهوية العراق بالنسبة للمسيحيين والديانة المسيحية نفسها، التي انتشرت واستمرت في أرض العراق لعشرين قرن كامل من دون انقطاع، وكانت واحدة من أخصب بلدان الشرق بالثقافة والحضور والفاعلية السياسية المسيحية، لو جاز التعبير. لكن الأحوال الديموغرافية والاقتصادية والأمنية والسياسية لمن بقي من مسيحيي هذا البلد تقول شيئاً آخر تماماً، وعلى غرار باقي مسيحيي المنطقة: المسيحيون خارج أية حسابات ودون وزن نسبي وفاعلية حيوية حقيقية في أي شأن عام من شؤون هذه البلدان، في إمكانية تحديد مسارات حياتهم وهوياتهم العمومية، وطبعا مصائرهم. 

لو تخيلنا زيارة البابا قبل عشرين عاماً فقط، ولو كان العراق بهذا النظام السياسي البرلماني/التحاصصي، لكانت كل تفاصيلها مختلفة تماماً. فـ10 بالمئة من أعضاء البرلمان العراقي، على الأقل، كانوا سيكون من المكون المسيحي، وكانت المجتمعات المسيحية العراقية ذات دور ريادي في المجال الاقتصادي والفاعليات الثقافية والإعلامية، مشاركون في الحكومة العراقية بثلاث وزارات فعلية، وثمة أحياء وبلدات ومناطق جغرافية كثيرة ذات طابع وهوية مسيحية عليا. وقتها، لكانت أحاديث واهتمامات وبرنامج زيارة البابا مختلفة تماماً. 

طبعاً لو كانت قبل قرن كامل، لكانت اختلفت جذرياً. فمسيحيو العراق كانوا وقتها خُمس مجموع السكان، وكانوا يشغلون مساحات واسعة من جغرافيات البلاد، وكان "لواء الليفي" العسكري، الذي كانت قوات الاحتلال البريطاني قد شكلته من الآشوريين/المسيحيين العراقيين في منطقة الموصل، كان يفوق بعدده وعتاده ما يملك الجيش العراقي حديث التشكيل وقتئذ، وفوق ذلك كانت النزعة المسيحية تجاه خلق فيدراليات ومناطق حُكم ذاتي خاصة بهم تشبه نظيرتها القومية الكردية. 

بهذا المعنى، وحسب هذا المسار التاريخي، فأنه لا "مسألة سياسية مسيحية" راهناً، في العراق وباقي بلدان المنطقة، وإن كان ثمة بقايا تجمعات أو سكان مسيحيين في هذه البلدان، فإنهم يشبهون بأدوارهم وفاعليتهم وحضورهم في الشأن العام ما تفعله الجاليات في دول الاغتراب، أكثر مما تشبه المجتمعات والبُنى الأهلية التأسيسية لبلد ما، التي أخذت كلها طابعاً سياسياً، دفعاً عن حقوقها ووجودها، بعد فشل نماذج الدول المدنية الديمقراطية في بلداننا.

اضمحلت المسألة المسيحية سياسياً في بلداننا طوال قرن كامل مضى، بعدما كانت المسألة السياسية الداخلية الأولى في هذه البلدان، حينما زاحمت وطالبت بتفكيك الدولة ذات المرجعية والهوية الإسلامية، منذ عصر التنظيمات العثمانية، في أوائل القرن التاسع عشر، لكن دور المسيحية السياسية ودورتها يبدو أنه أنتهى تماماً. 

حدث ذلك الاضمحلال لأسباب متنوعة ومركبة وتاريخية تقليدية، لكن كان ثمة فاعلين جوهريين أثرا بعمق وتسببا باضمحلالها:

خسر المسيحيون كُل الحروب الداخلية التي خاضوا في بلدان شرق المتوسط. فالحرب العالمية الأولى، التي ترافقت بحروب أهلية داخلية مريعة، خاضتها مجتمعاتنا بروح أهلية ضد بعضها، وكان الصراع المسيحي الإسلامي أبرز مواجهاتها، لكنت المُحصلة كانت هزيمة كاملة للمسيحيين فيها كلها.

المذابح التي تعرض لها الأرمن واليونان والآشوريين والسريان كانت تعبيراً واضحاً عن تلك الهزائم. لم تتوقف الحروب الداخلية بنهاية الحرب، بل استمرت بوتيرة ومستويات متفاوتة خلال السنوات التي تلتها، ذاق آشوريو الموصل وسيميل وقرقوش الحروب التي شنها قادة الجيش العراقي في ظلال الحُكم الملكي، ومثلهم يونانيو الساحل الشرقي من بحر إيجة وأرمن الأناضول، الذين تم ترحيلهم ونفيهم إلى خارج بلدانهم التاريخية. موارنة لبنان وروم سوريا وفلسطين وأقباط مصر ذاقوا أشياء من ذلك، وإن كانت على شكل شبه حرب أهلية في لبنان عام 1958، أو إلغاء للكوتا المسيحية في سوريا، أو تجاوز لبعض الأعراف الليبرالية، المتمثلة بالحضور المتمايز للأقباط في الحياة السياسية، التي كرسها حزب الوفد من قبل في مصر. 

التغيرات الديموغرافية كانت فاعلاً مكملاً لهزائم الحروب. فلأسباب مركبة للغاية، تتعلق بارتفاع مستويات التعليم في أوساط المجتمعات المسيحية ونوعية النشاطات الاقتصادية التي كانوا يشغلونها وأنماط حيواتهم المدنية، كانت نسبة الزيادة السكانية في المجتمعات المسيحية ما دون رُبع الزيادة السكانية في المجتمعات غير المسيحية في بلداننا. عامل الهجرة أضاف ميزة أخرى لذلك التراجع الديموغرافي. 

انخفضت نسبة مسيحيي المنطقة خلال قرن واحد من قُرابة الربع إلى ما دون الـ5%، بعدما كانوا يشكلون 40% من سكان الإمبراطورية العثمانية، الدولة-الأم لكل بلداننا الحالية. تالياً، فإن تدهور الحضور السياسي والاقتصادي والثقافي للمسيحيين في الحياة العامة لبلداننا كان نتيجة طبيعية لذلك التراجع الديموغرافي والهزائم الحربية. 

قبل قرابة قرنين من الآن، كان السؤال السياسي الكبير في منطقتنا يتعلق بكيفية بناء دولة حديثة، تستطيع أن تضم في جنباتها المسلمين والمسيحيين بأوسع مستوى ممكن من المساواة في الدولة ومؤسساتها ومواثيقها وخيراتها، ليتحول الكيان العثماني، أو ما ورثه وأنبثق عنه فيما بعد من كيانات، من دولة ذات طابق قروسطي/إسلامي إلى كيانات ودول حديثة، مدينة قادرة على استيعاب المسيحيين. 

طُرحت ثلاثة مبادرات "كُبرى" لاجتراح ذلك، لكنها جميعاً كانت بمثابة وباء على الحضور المسيحي في هذه البلدان. 

شكلت التنظيمات العثمانية الإصلاحية (1839-1876) أولى تلك المحاولات، حيث كانت تعلن سعيها لخلق كيان دستوري يتساوى فيه المسيحيون والمسلمون في المواطنة العثمانية. لكن حينما سعى مسيحيو البلقان والأناضول للحصول على تلك الحقوق بشكل فعلي تام، وليس مجرد شكلي كما كانت تحاول أن تطبقه النُخب العثمانية الحاكمة، فإن الدولة العثمانية خاضت حروبا مريعة ضد هؤلاء السكان. فالتنظيمات العثمانية كانت فعلياً إرضاء للدولة الكُبرى المتحالفة معها، وليس لتطور نوعي في وعي النُخبة العثمانية الحاكمة.  

النزعات القومية كانت محاولة ثانية لفعل ذلك، فالقوميون العرب والأتراك و"الاجتماعيون السوريون"، رددوا طويلا أن المسألة المسيحية مختلقة، والوعي والإيديولوجيا القومية قادرة على احتواء ذلك الاختلاف الديني من خلال المساواة القومية. 

لكن التجربة الفعلية للقوميين، أثبتت أن إيديولوجيات القوميين كانت غطاء خطابياً لأفعالهم الحقيقية. فالبعثيون العراقيون قالوا إن مؤسس حزبهم غير دينه المسيحي نحو الإسلام، وفرضوا تغيراً شاملاً على قيادتهم المسيحية، بما في ذلك أسمائهم، كان ميخائيل يوحنا "طارق عزيز" مثالاً كاريكاتورياً عن ذلك. أما الناصرية فلم تُغير حتى قانون بناء الكنائس القروسطي، الذي يُكرس ذمية روحية وسياسية بحق المسيحيين المصريين. وهكذا فعل باقي قوميو المنطقة، من تركيا إلى لبنان، مروراً بسوريا. 

التجربة الثالثة تمثلت بالطروحات الديمقراطية، التي ادعت أن تدهور أحوال مسيحي المنطقة متعلق بشكل رئيسي بنوعية أنظمة الحُكم الشمولية التي تسيطر على بلدان منطقتنا. لكن تجارب الديمقراطية في واحدة أو أخرى من بلدان منطقتنا أثبتت بأن العمليات الديمقراطية كانت فقط لإيصال وتكريس سُلطة الأغلبية الأهلية، من دون أي التزام بمعايير وشروط اللعبة الديمقراطية، وعلى رأسها حماية حقوق الأقليات. 

اليوم، ثمة احتفاء كبير بغياب الصراع المسيحي/الإسلامي في منطقتنا، لكنه احتفاء يشبه الفرح بصيد السمك بعد جفاف البُحيرة.   

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.