الملك الأردني عبدالله الثاني مع عمه الأمير حسن بن طلال
"نحن أمام مقال لأمير أردني لا يملك صفة رسمية، لكنه أيضا ذو ثقل معنوي بتاريخ خبرات لا يمكن إغفاله"

مثل غيري، قرأت مقال الأمير حسن الأخير في يديعوت أحرونوت، بافتراض يسبق القراءة أني سأتعب قليلا كما هي العادة في أي قراءة او استماع للأمير الشغوف بالتعقيدات اللغوية والاصطلاحية، والأمير مثقف موسوعي فعلا، لكنه يفترض أن من يقابله يجب أن يكون على معرفة بالذي لا يقال بين السطور أو الجمل التي يسبكها الأمير بعناية شديدة، بل شديدة أكثر من المطلوب والعادي. 

في أولى الترجمات العربية المنشورة في المواقع الإلكترونية، كان الضياع الحقيقي في المعاني المقصودة أولا، ثم في تيه الدلالات التي بدأت بما يشبه التقديم للمقال "الأميري" كتبته الصحفية الإسرائيلية المخضرمة "سمدار بيري"، وهو ما جعلني أتساءل عن تقليد غير مسبوق بكتابة "مقدمة مع تعليق" لمقال رأي يكتبه أمير أردني في صحيفة إسرائيلية. 

سمدار بيري التي سألتها عن تفاصيل عديدة، لم تفدني إلا بمعلومة جديدة واحدة قالتها باقتضاب موجز جدا وحاسم جدا بأن نتانياهو لم يلتفت إلى مقال الأمير حسن (!). 

أحد مقربي الأمير السابقين (وهم كثر في حياته السابقة كولي عهد الملك الراحل حسين) أكد لي ما ذهبت إليه بيري في تقديمها للمقال الأميري، بأن الأمير لم يكن ليكتبه ويدفعه للنشر دون تفاهم مع مكتب ابن أخيه - الملك الأردني، عبدالله الثاني، لكن وفي نفس الوقت فإن أهمية المقال السياسية تكاد تكون معدومة كمؤثر حقيقي، نظرا لأن الأمير لا يحمل أي صفة رسمية على الإطلاق، إلا لقبه الملكي الذي لا يعكس أي وظيفة "رسمية" أردنية. 

لكن ما يضع على المقال أثقال وزن إضافي، هو تلك التحركات الأردنية "السرية " أو "المعلنة بخجل وحذر" نحو إسرائيل، مثل لقاءات الملك الأردني نفسه مع خصم نتانياهو السياسي ووزير الدفاع، بيني غانتس، ولقاءات الجسر "على حافة الضفة الشرقية للنهر" بين وزير الخارجية، أيمن الصفدي، ونظيره، غابي أشكنازي، وربما بعض اللقاءات "الأمنية" التي لم يؤكدها أي مصدر رسمي، وكلها - مع المقال الأميري- تأتي قبل أسابيع من الانتخابات الإسرائيلية المبكرة في أبريل، وتسبق أيضا أول زيارة للملك الأردني إلى البيت الأبيض وقد سكنه جو بايدن وطاقم إدارته.

وهي زيارة يجهز لها الملك الأردني كل ما يمكن تجهيزه من دبلوماسية وملفات تدعم "راحته النفسية" مع الإدارة الجديدة في واشنطن وشعور بإعادة الاعتبار بعد "جفاء" موسم كامل من "الأخ الأكبر" في عهد ترامب. 

كل ما سبق ذكره تواجهه حقيقة أن مركز صناعة القرار الأردني يتحاشى "ويحب الإعلان عن ذلك بشدة" أي تماس مباشر مع "صانع القرار السياسي" الإسرائيلي رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو، والالتفاف حوله للقاء خصومه من أهل بيته الحكومي "الهش". 

إذا، نحن أمام مقال لأمير أردني لا يملك صفة رسمية، لكنه أيضا ذو ثقل معنوي بتاريخ خبرات لا يمكن إغفاله، تلك الخبرات التي تجعله لا يكتب المقال بدون التنسيق مع الملك وطاقمه. 

هذا الاستنتاج يضعنا أمام قراءة للمقال لا تخلو من عمليات فك شيفرة للسرد التاريخي ودلالات ذلك السرد، خصوصا أن الأمير من مدرسة شقيقه الراحل الملك حسين، مدرسة الإشارات والدلالات والترميز للمعنى. 

وهو ما جعلني أضع أسئلة تولدت من نفس السرد في المقال، وكان أول الأسئلة بعد قراءة ما كتبه الأمير حسن بن طلال: هل يمكن اعتبار مقال الأمير بداية تفكير نوعي وجديد في أزمة السلام العربي - الإسرائيلي؟ وهل هذا النوع من التفكير على لسان الأمير "أو بقلمه"، هو انعكاس لتفكير "عمان" بصوت غير مرتفع؟ 

الأمير في مقاله، أشار إلى مؤتمر القاهرة عام 1921، والمؤتمر في الحقيقة والوقائع التاريخية كان فعلا الولادة الأولى لفكرة "الدولة" في جغرافيا شرق نهر الأردن، أو ما كان يسمى أراضي عبر الأردن. والمؤتمر حضره وزير المستعمرات البريطاني وقتها، ونستون تشرشل، والذي استغل فترة أسبوعي المؤتمر في كتابة مخطوطة تاريخ الحرب العالمية الأولى وممارسة هواية الرسم الزيتي، في ازدراء حقيقي يعكس "الغطرسة الإنكليزية"  لكل المؤتمر بل وصرح بذلك في تصريح شهير له بأنه اجتماع "الأربعين حرامي"! 

وفعليا، استأجر تشرشل "حسب الوثائق البريطانية" خدمات الأمير عبدالله بن الحسين لتهدئة الأوضاع في جغرافيا شرق النهر لمدة 6 أشهر، وانتهت إلى تثبيت الأمير على إمارة شرق الأردن التي تحولت إلى مملكة عام 1946، وضمت إليها الضفة الغربية "جزءا لا يتجزأ من سيادتها" حسب دستور عام 1952. 

الأمير اختصر كل التفاصيل في سطرين من مقاله مشيرا إلى مئوية الدولة "الصغيرة" حسب وصفه، منوها إلى سرد تاريخي أوسع من المملكة الهاشمية وأعمق بآلاف السنين حتى وصل السومريين والحثيين والبابليين. وهي إشارة قد يمكن قراءتها كمواجه تاريخي لدولة إسرائيل "قامت عام 1948" لكن يصر مؤسسوها والحركة الصهيونية التي أقامتها على الرجوع لتاريخ توراتي مشابه لما ذكره الأمير عمره آلاف السنوات كذلك!  

لكن، وعلى مستوى سياسي عن تلميحات الأمير إلى مؤتمر القاهرة مثلا وتأسيس الدولة الأردنية، هل هي إشارة إلى مرونة تشكيل الكيانات في الشرق الأوسط من جديد؟ 

هل نحن أمام "تفكير أردني بصوت غير مرتفع" يتعلق بتغييرات سيادية وجغرافية وابتكار حلول نهائية متوازنة للنزاع الممتد من ضفتي النهر حتى تخوم المتوسط؟ 

إشارة الأمير لأزمات شرق المتوسط، هل هي دلالات مرتبطة بجوهر نزاعات شرق المتوسط وهو ذاته الشرق "الأوسط"؟ 

هل الانعطافات التاريخية على محادثات فيصل - وايزمان كدلالة على القبول العربي للمكون اليهودي وقتها، ثم الإشارة إلى مشروع "إيبان" ومقاربة البينلوكس الثلاثي، تضعنا أمام حزمة فرص تاريخية جديدة في المنطقة؟  

(على سيرة الفرص، فإن الدبلوماسي الإسرائيلي، أبا إيبان، نفسه قال ذات مرة إن العرب لا يفوتون فرصة لتفويت فرصة). 

مشروع البينولوكس الذي صار الحديث فيه، بصوت مرتفع، مسموعا عند بعض الأوساط الفلسطينية الأكاديمية والنخبوية في أوروبا وأميركا، ألم يكن مشروعا فكر فيه الأردن عام 1997، وتحديدا كان يتم إعداده في مكتب الأمير حسن نفسه حين كان وليا للعهد والرجل الثاني بعد الملك في الدولة الأردنية؟ 

ألا يمكن أن تكون تلك التساؤلات منطقية على الأقل "وهي مشروعة في عالم يتغير بزحزحات قارية" أمام واقع انتهاء مشروع أوسلو بالفشل واليأس النهائي بل وسقوط كل مشتقات أوسلو فعليا؟ 

هل انتهت صلاحية اتفاقية السيدين سايكس وبيكو فعليا؟ هل نحن أمام رسم خرائط جديد لكن هذه المرة سيشارك فيه كل الأطراف؟  

هل هناك "رؤية جديدة" تتبلور لشرق متوسط قيد الإعداد بديلا عن شرق أوسط انتهت صلاحيته؟ 

والسؤال الأخير، الذي يجد نفسه خارج كل العمق في الأسئلة السابقة: 

هل كان مقال الأمير يسير في ذات السياق "الأردني" ضد مشروع نتانياهو، أو بالأحرى ضد المشروع الإسرائيلي الراهن الذي يقوده نتانياهو واليمين لإنهاء الوجود الفلسطيني؟  

المقال نشرته "يديعوت أحرونوت"، وهي الجريدة الإسرائيلية الأقدم من دولة إسرائيل نفسها، والتي سيطر على خط تحريرها لزمن طويل "تيار العمال" واليساريين وانتهت اليوم إلى جريدة تمثل تيارات الوسط في إسرائيل. 

هذا مقال لا يقدم أجوبة بقدر ما يعيد صياغة الأسئلة التي يفترضها مقال الأمير حسن، وهي ذات الأسئلة التي تخلقها التحركات السياسية الصامتة والحذرة والتي توحي بإعادة " تموضع" لكل الأطراف في الشرق الأوسط، انتظارا لسلام "شامل وعادل للأجيال القادمة"، انتظار يشبه في عبثيته انتظار غودو! 

فهل يفعلها "غودو الشرق الأوسط" ويأتي أخيرا؟ 

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.