إجراءات كورونا - السعودية
"هذه الأمثلة توضح بجلاء أن ليس هناك خطراً على الإسلام من معتنقي الفكر الإلحادي ولكن الخطر الحقيقي يأتي ممَّن يتلبسون رداء الدين"

استمعتُ قبل عدة أيام إلى حوار في هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) مع الشاب الموريتاني، يحى ولد المصطفى ولد اللخو، الذي أعلن عن إلحاده وتركه الدين الإسلامي مما جعله عرضة للتهديد بالقتل في بلده وهو الأمر الذي دفعه لطلب اللجوء السياسي في ألمانيا . 

ظاهرة الإلحاد ليست بالشيء الجديد على الحضارة الإسلامية فقد لازمتها في عصور ازدهارها وكذلك في فترات الانحطاط، ولم تكن تصطدم بالمجتمع والسُّلطة عندما كان يسود مناخ الحرية الفكرية و الإنفتاح والتعدد. 

فعندما كانت تلك الحضارة في أوج تألقها تصدَّر مشهدها الفكري والعلمي والأدبي رموز بارزة من أمثال الطبيب المعجزة، أبوبكر الرازي، الذي كان يعلن إلحاده دون ترميز ومواربة، وكذلك الداهية الكبير "ابن الراوندي" الذي كرَّس عمره لدحض ما أسماه "مخاريق الأنبياء"، وكتب ما يفوق التسعين مصنفاً أسماها بمسميات الأحجار الكريمة مثل اللؤلوة والمرجانة والزمردة، ومع ذلك لم تتم محاكمته ولم تصادر كتبه، وغير هؤلاء كثير من العلماء و الشعراء والأدباء. 

وفي عصرنا الحديث جاهر كثير من المفكرين والأدباء بإلحادهم، ومنهم الشاعر العراقي، جميل صدقي الزهاوي، وفي مصر الأربعينيات من القرن العشرين، نشر الدكتور، إسماعيل أدهم، كتابه "لماذا أنا ملحد؟" ومع ذلك لم يتعرض للقتل والتنكيل والمصادرة، بل قام مفكر آخر هو عبد الرحمن العيسوي، بالرد عليه بكتاب "لماذا أنا مسلم؟". 

هذه الأمثلة توضح بجلاء أن ليس هناك خطراً على الإسلام من معتنقي الفكر الإلحادي ولكن الخطر الحقيقي يأتي ممَّن يتلبسون رداء الدين ويتخذونه مطية لتحقيق مآربهم الدنيوية الفاسدة، فالناظر في أسباب تنامي ظاهرة الإلحاد في الآونة الاخيرة يجد أنها في الغالب الأعم ليست نتاجاً لدوافع فكرية محضة، بل ردة فعل على نوع الخطاب والممارسة الإسلامية السائدة. 

فالخطاب الإسلامي السائد لا يتناسب مع طبيعة المعارف والتحديات العصرية، فهو خطاب خارج التاريخ، ينشد كل الحلول لمشاكل الحاضر والمستقبل في الماضي، وهو خطاب قطعي متعصب، لا يقبل بالآخر المختلف ويجافي القضايا الجوهرية في الدين ومقاصده الكبرى وفي مقدمتها قضية "الحرية" ويكتفي بالشكليات المظهرية في طرائق الكلام والملبس وأداء الشعائر.  

ليس هذا فحسب، بل إن القائمين على أمر الخطاب الديني، من أئمة ودعاة ووعَّاظ، يمثلون أكبر كارثة على الإسلام، فهم يقولون ما لا يفعلون، يُساندون الحكام المستبدين ويبرعون في إصدار الفتاوى الانصرافية. وهم كذلك معزولون عن أحوال العصر الذي نعيش فيه وقلَّما تجد منهم من يجيد التحدث بلغة أجنبية واحدة كي يواكب التطورات المتسارعة في العلوم والتقنية والاتصال. 

ازدادت أعداد الملحدين بصورة ملحوظة في ظل حكم جماعة الإخوان المسلمين للسودان، الذي استمر 30 عاما وسقط في أبريل 2019 بثورة شعبية عارمة، حيث أعلن مدير المجلس الأعلى للدعوة بولاية الخرطوم، جابر عويشة، في أكتوبر 2018، عن نتائج دراسة علمية حول الالحاد أجراها مركز الاستشراق الدولي في 11 جامعة بولاية الخرطوم رصدت 1200 حالة إلحاد وسط الشباب والطلاب الذين تبلغ أعمارهم بين 16 إلى 32 عاما.

كما كشفت، نوال مصطفى، عضو أمانة التزكية بحزب الإخوان المسلمين، أو حزب المؤتمر الوطني الحاكم حينها، عن وجود ظاهرة الالحاد وسط أبناء قيادات الصف الأول للإسلاميين والتنفيذيين. 

في مقال بعنوان "إسلاميون ملحدون"، قال الكاتب، محمد وداعة، إن أحد الشباب الملحدين حدثه بأن (والده القيادي الاسلامي غير متدين، و لا يصلي الصلوات في مواقيتها، ويعاملهم كأنهم موظفين لديه، وأنه أهمل والدتهم بعد زواجه الثالث، و لا يعدل بين زوجاته وأبنائه وبناته). 

أجرت صحيفة "الوفد" المصرية حوارا مع الشخص المسؤول عن إدارة موقع "ملحد وأفتخر" الإلكتروني واسمه عادل المصري، و قد كان منتمياً لجماعة "التبليغ والدعوة" الإسلامية قبل أن يصبح ملحداً، وسألته السؤال التالي: "كملحد هل ترى أن هناك رجال دين يساعدون في نشر الإلحاد؟"

فأجاب قائلاً : "طبعاً. أبو إسلام مثلا أكبر مكسب للملحدين وأنا شخصياً، على سبيل المثال، كان الشيخ أبو إسحاق الحويني، أول من أشعل في عقلي شرارة الإلحاد، خاصة عندما تحدَّث عن القردة الزانية وإرضاع الكبير وبول البعير وأعتقد أن نفس الأثر يحدثه كهنة التيار السلفي، مثل محمد حسان وحسين يعقوب وعبدالله بدر وغيرهم. القائمة طويلة".

ثم سُئل : "حتى الشيخ محمد حسان؟"، فأجاب بالقول :"أنا شفت (رأيت) صورة لمحمد حسان وهو يركب سيارة "همر" ولكنه يطالب الناس بالتقشف وعدم البذخ والتصدق، إنهم يعيشون في قصور ويركبون أفخم السيارات ثم يبكون على الفقراء".  

من ناحية أخرى، لا شك أنه مثلما تخلت فئة من الناس عن الدين بسبب تخلف الخطاب الإسلامي السائد، فإنه توجد فئة أخرى من الملحدين الذين تركوا الإسلام لأسباب وقناعات فكرية وفلسفية.  

في دراسة أجراها معهد "بيو فوروم للدين والحياة العامة" الأميركي، شملت 230 دولة ومنطقة جغرافية بالعالم واستمرت لعامين وصدرت نتائجها عام 2012، اتضح أن عدد الملحدين في العالم يبلغ مليار شخص، والمسيحيين 2.2 مليار شخص، والمسلمين 1.6 مليار شخص. 

أوضحت نتائج نفس الدراسة أن عدد المسلمين يزداد بنسبة 2.9 في المئة سنوياً، وهي نسبة تفوق الزيادة السنوية لسكان العالم والتي تبلغ 2.3 في المئة، مما يعني أن الإسلام ليس في خطر وأن أعداد المسلمين في تزايد مستمر. 

هذه النتائج تبين بشكل قاطع استحالة القضاء على الإلحاد في العالم، وأنه لا بد من قبول هذه الحقيقة كواقع لا يمكن تجاوزه، وهي فوق هذا وذاك تؤكد المشيئة الإلهية في الخلق كما أقرها القرآن وهو يخاطب الرسول: (ولو شاء ربُّك لآمن مَنْ في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكرهُ الناس حتى يكونوا مؤمنين). 

الأصل في أمر الردة عن الدين هو أن الإسلام لا يعاقب من يخرج عنه في الدنيا، بل يترك حسابه لرب العالمين يوم الموقف العظيم، و يستبدله بمن هو أفضل منه: (يا أيها الذين آمنوا من يرتدُّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم). 

قد منح الإسلام  البشر حرية الإيمان أو الكفر به، على أن يتحملوا نتائج خيارهم في الآخرة وليس في الدنيا: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا). 

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.