البابا قال إن السيستاني "متواضع وحكيم"
البابا قال إن السيستاني "متواضع وحكيم"

غالباً ما تلحق عبارات التوقير بالشخصيات بالبارزة من باب اللياقة اللفظية ليس إلا، إن لم يكن في الأمر طمع أو خوف. أما علي السيستاني، سماحة السيد، آية الله العظمى، الإمام المرجع، فإنه أحد قلة يمكن أن يقال بشأنه أنه قد استحقها.

تشتكي أوساط عدة من دعاة الانفتاح من أن السيد السيستاني، رغم مواقفه السياسية المتقدمة، ليس صاحب موقف إصلاحي إزاء التوجهات "الرجعية" الراسخة في الفقاهة الإمامية، بل إن هذا التجاور، بين سياسة لينة وتدّين متصلب، سواء تعمّد السيد الازدواجية هنا أم لم يتعمّد، يبرز كعائق أمام المسعى الإصلاحي، ويشكّل تمكيناً وتمريراً للمواقف المجحفة بحق فئات عدة، ولا سيما النساء. فإعادة فرض الفقه الجعفري كأساس للتشريع ولا سيما في الأحوال الشخصية يشكل تراجعاً مشهوداً في تأطير حقوق المرأة العراقية.

ليست المسألة عرضية ولا هي قابلة للإهمال، ولا بد من حسابها عند تقييم أثر السيستاني وإرثه.

على أن السيستاني، بصمت وتحفظّ، كان صاحب دور هام في إنقاذ العراق من مقتلة أكثر قباحة من التي عاشها.

كان تقييم الجماعة الجهادية التي انتظمت فيما بعد باسم تنظيم "القاعدة في بلاد الرافدين"، وفي مرحلة لاحقة أعلنت نفسها "دولة إسلامية" ثم "خلافة" على مدى الكوكب، أن العراقيين السنة لا يستجيبون بالقدر الكافي لجهود التعبئة المبذولة في أوساطهم، رغم الاعتراض المتنامي في عموم العراق لاستتباب صيغة الاحتلال، في أعقاب إسقاط الولايات المتحدة لنظام صدام حسين عام 2003. والخطة التي شاءت هذه الجماعة السير بها، ضمن منطق "إدارة التوحش" والذي كان قد تشّذب من أدبياتها، هي الالتفاف على هذا الجمهور المستهدف لاستقطابه. أي بدلاً من الجهد الفاشل في جلبه مباشرة من خلال الدعوى والتحفيز، أن يكون العمل على دفعه وإن مكرهاً إلى الانضمام إلى توجهاتها الإقصائية القاتلة، من خلال الإمعان بالأذى وإراقة الدماء في أوساط العراقيين الشيعة، عسى أن تعمد المجموعات المسلحة الناشطة في هذه الأوساط إلى الانتقام من العراقيين السنة، ما يدفع العديد من هؤلاء إلى الاصطفاف مع الجهة القادرة على الاقتصاص من قتلتهم، أي تنظيم "القاعدة" نفسه.

بعض قيادات "القاعدة" المركزية تحفّظ على هذه الخطة. لم تكن هذه القيادات قد استكملت مسارها باتجاه تكفير جمهور الشيعة، وإن شهّرت بعلمائهم بأشنع النعوت، ولا هي كانت مستعدة للتسليم بأنه ثمة مبرر شرعي لاستدعاء قتل المسلمين (السنّة)، أي أن قدراً من التحفظ جاء لاعتبارات أصولية. هذا التحفظ زال في مراحل تالية، من خلال الميل المتصاعد للتوسع بالمفاهيم القائمة، مثل التترس والبيات وقتل مجهول الحال. إلا أن صلب الاعتراض يومئذ كان نابعاً من التشكيك بنجاعة هذا المنحى وجدواه، بل كما يتبين في زمن لاحق، من حاجة لدى قيادة هذا التنظيم للمحافظة على علاقة منتجة مع إيران (وهو ما حدث بالفعل، بغضّ النظر عمّا أصاب العراقيين الشيعة من مقاتل).

"قاعدة" العراق لم تعبأ للتحفظات، واندفعت إلى اقتراف جرائم شنيعة تستهدف أعداد العراقيين الشيعة، في شعائرهم، في أسواقهم، في منازلهم. في عامتهم، وفي قياداتهم. الحصيلة كانت حمامات دم، والمزيد من الأشلاء المنثورة على مساحة العراق الجريح. ما أثار بالفعل المنظمات المسلحة والتي تندرج تحت لواء التشيع، وبعضها لم يكن يتلمس الأعذار ابتداءاً للشروع بالقباحة بحق العراقيين السنة، في إطار رؤية اختزالية تجعل من عموم هؤلاء "صداميين" أو "بعثيين" أو "أتباع يزيد".

ما اعترض المسعى القاتل المتوشح بالثأر هو كلام افتاء ورأي ومبدأ صادر عن هذا المرجع الأول والأبرز، السيد علي السيستاني، محرماً أن يكون الرد على القتل الحرام بالقتل الحرام.

"لا نطالبه بأن يفتي بوجوب قتل النواصب أو حتى جوازه. ليته فقط يصمت عن الموضوع، ولا يجعله حراماً". كلام منقول حرفياً أو يكاد من منتسبين إلى الفصائل "الشيعية" المتحفزة للانتقام، إذ تشهد المجازر الغادرة في بيئتها. ولكن السيد السيستاني لم يصمت، بل طالب وأصرّ. رغم الألم، رغم الأذى، رغم الوجع. البريء لا يُقتل لشفاء الغليل لمقتل البريء.

لا يمكن تبين أعداد الناس الذين أنقذهم موقف السيستاني. رجل وقور ضعيف البنية في غرفة متواضعة في النجف، لجم بفعل رأيه أفعال قتل على مدى العراق. عشرات الآلاف بالتأكيد. ربما مئات الآلاف.

على أن نظرية التوحش القاعدية كانت أقوى من رجل الخير هذا. إذ هي أدركت أن الرموز أغلى من الناس. السيد السيستاني كان قادراً بشق النفس على الوقوف بوجه من أراد الإمعان بقتل العراقيين السنة، من الفصائل الشيعية، يوم كان المعتدى عليه لحماً ودماً. أما عندما نجح تنظيم القاعدة بتدمير الحجر في سامراء، فإنه أطاح أيضاً بفتوى السيستاني وقدرته على منع القتل، فالتهمت الفصائل، بعد طول "حرمان"، ما كانت قد أُلزمت عصمته من النفس البشرية.

يريد البعض أن يرى في تحريم السيستاني للقتل الثأري حساب مصلحة وحسب. الأكثرية العددية في العراق شيعية، والنظام السياسي القائم على حكم الأكثرية هو تلقائياً لمصلحة "الشيعة". فالمحافظة على هذا النظام ومنع انهياره ليس من باب الالتزام بالقيم العالمية، بل لضمان الصالح الشيعي. ليس في هذه الشبهة انتقاص من موقف السيستاني، بل هي، إن تجاوزت الوهم، دليل انسجام المنظومة المبدئية التي يدعو إليها هذا المرجع، في عمقها الأكثر خطورة، أي العمق السياسي، مع القيم العالمية.

نعم، ثمة إشكالية بأن تكون نسبة غير ضئيلة من العراقيين الشيعة تصوّت في الانتخابات النيابية وفي الاستفتاءات الدستورية ليس من دافع الحس الوطني، بل بناءاً على "تكليف شرعي" من الإمام المرجع.

ولكن الواقع هو أن التدمير الممنهج للحس الوطني في مرحلة الطغيان، ثم التفريط بمفهوم المواطنة ضمن نظام المحاصصة والنهب في العراق الجديد، قد دفع الوعي السياسي الوطني باتجاه الضمور، لمصلحة الهويات الفئوية والطائفية، وإن كان الجيل الجديد يبدي تحدياً جاداً لهذا الواقع. في المقابل على أي حال، فإن التزام السيد السيستاني بالقيم المتماهية مع القيم العالمية، مهما كان مصدرها المبدئي، هو تأسيس لتحوّل على المجتمع العراقي أن يحققه ذاتياً، لا أن يمسك بيده مسؤول فوقي لتحقيقه، باتجاه سيادة المواطن ضمن الإطار الدستوري الجامع.

ومن هنا تتجلى القيمة في كلام السيستاني مع البابا خلال زيارته الأخيرة. السيستاني لم ينظّر، ولم يتحدث لا عن ولاية ولا عن وصاية للدين وشخصياته إزاء النظم السياسية. بل أفاد عن قناعة بأنه للمرجعيات الدينية دوراً أخلاقياً وحسب لحث الدول على تحقيق العدل. وهو، إذ أكد اهتمامه بأن "يعيش المواطنون المسيحيون كسائر العراقيين في أمن وسلام وبكامل حقوقهم الدستورية"، فأنه لم يضعهم تحت أية مظلة مختلفة عن غيرهم، بل الدستور الوطني هو المرجعية العليا، التي تنص على الحقوق وتشير إلى سبل صونها.

وإذا كان سياسيون عراقيون كثر، شيعة بالتأكيد ولكن من مختلف أطياف العراق، يحجّون لدار السيستاني تعزيزاً لموقعهم السياسي، فإن علي السيستاني، المرجع الإمام، يستمد شرعيته الدينية من تراث فكري وأصولي ضارب في عمق التاريخ، فيما علي السيستاني، المواطن العراقي، يرى ويصرّح بأن الشرعية الوطنية ملاذها ومرجعها هو الدستور.

السيد السيستاني، إماماً ومواطناً، دام ظلّه، بصدق.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!