ما يحدث في مصر لا يبقى في مصر وهذا سبب متابعة شعوب المنطقة باهتمام لكل ما يحدث في هذا البلد، ففي بدايات القرن العشرين ولد حسن البنّا الذي أسّس عام 1928 حزب الإخوان المسلمين الذي قال أن الحاكمية لله، وله وحده حق التشريع لا يشاركه فيه أحد من البشر أو الهيئات، كما قال أن قوام الإسلام مصحف يهدي وسيف ينصر تحت شعار وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، ليشرح طريقة تعامل هذه الجماعة مع من يختلف معها، وخلال أشهر قليلة لم يعد هذا التنظيم شأنا مصريا داخليا وهو موجود الآن في عشرات الدول، وفي عام 1952 وصل إلى الحكم في مصر تحت شعارات قومية قائد عسكري هو جمال عبد الناصر وانطلقت إذاعة صوت العرب لتنقل لكامل الشرق الأوسط سياساته وخطاباته وكذلك خلال بضع سنوات لم يعد عبد الناصر ظاهرة مصرية، ففي سوريا على سبيل المثال كانت نسبة من يتابع خطاباته أكبر من نسبة متابعينه في مصر نفسها لأنه كان حسب نزار قباني آخر الأنبياء.
وخلال العقد الأخير تم التأكيد على أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا هي مجال سياسي وثقافي واجتماعي واحد عندما انتقل الربيع العربي من بلد إلى آخر بنفس السرعة التي كان ينتقل فيها من مدينة إلى أخرى ضمن البلد الواحد، فعندما قال شاب مصري في ميدان التحرير على إحدى الفضائيات أن عمره ثلاثين عاما ولم يعرف سوى رئيس واحد هو حسني مبارك وهتفت الجموع خلفه الشعب يريد إسقاط النظام، أدركنا في سوريا أنه لا مفر من وصول الاحتجاجات إلى دمشق، واليوم تعتبر هذه المنطقة ساحة صراع واحدة بين من يطمح لبناء دولة مدنية ديمقراطية ومن يريد إقامة حكم الشريعة ودولة دينية ومن يعمل على الإبقاء على أنظمة الحكم الفردية.
وبما أن القوانين في الكثير من الدول العربية تستقي أحكامها من المشرّع المصري فمن الطبيعي أن تشعر شعوب الشرق بالقلق من مظاهر الردّة الثقافية والاجتماعية وانتشار مظاهر التشدد في مصر خلال السنوات الماضية، والتي كان آخر مظاهرها مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد الذي اعتمد على فقه الإمام أبي حنيفة المتوفى قبل أكثر من 1250 سنة والذي يستند على قوامة الرجل على المرأة والذي لم يكن ليطرح على النقاش العام لولا مراجعة الأزهر له.
وعلّقت عليه المحامية نهاد أبو القمصان رئيسة المركز المصري لحقوق المرأة "إن مشروع القانون الجديد يلغي الشخصية القانونية للمرأة ولا يرى فيها سوى مكنة تفريخ أطفال، حيث لا تستطيع عقد قرانها مهما بلغت من السن أو المكانة العلمية أو السياسية، وتحتاج إلى ولي ذكر ولو أصغر منها لعقد زواجها، كما لا يعترف بحق المرأة في إختيار زوجها إذ يحق لأي ذكر فسخ العقد "لعدم التكافؤ"، كما يحق لهذا الذكر منعها من السفر، كذلك لم ينظم الطلاق ويجعله أمام القاضي لحسم الحقوق المترتبة عليه، بما يمثل تراجعا عن قانون الأحوال الشخصية الصادر في مصر نفسها قبل قرن من اليوم والذي قدم قراءات دينية متعددة أتاحت للمشرّع اختيار ما يتماشى منها مع العصر وإحترام النساء، كما أن القانون الحالي يعتبر متخلفا عن مسودة قانون الأحوال الشخصية السعودي الذي يعتبر أكثر إنصافا للمرأة والأسرة، وكذلك يتخلف عن قانون الأحوال المغربي".
ومع كل ذلك فقد رأى الإسلاميون في هذا المشروع تضييقا على حق الرجل في تعدّد الزوجات لأنه اشترط موافقة الزوجة الأولى على الزواج الثاني، وهذا حسب رأيهم "مخالف لإجماع فقهاء المسلمين لأن الأحوال الشخصية شأن إسلامي لا يتعدّل إرضاءا أو تقليدا للغرب"، وهذا يوضح أن الكثير من رجال الدين في مصر هم أبناء موجة التشدد الديني التي ترى أن سبب المطالبة بإعادة النظر في تفسير النصوص الدينية هو ضغوط الغرب وليس حقوق المرأة المسلمة المشروعة في المساواة، ولكن التساؤل الآخر هو لماذا يرى الأزهر أنه صاحب سلطة تشريعية في القرن الواحد والعشرين وكيف ولماذا ازداد نفوذه إلى هذا الحد خلال السنوات الأخيرة.
فحسب القانون 103 لعام 1961 كان "الجامع الأزهر" يتبع لرئاسة الجمهورية المصرية وكان اختيار شيخ الأزهر يتم من بين هيئة مجمع البحوث الإسلامية ويعين بقرار من رئيس الجمهورية، ولكن في عام 2012 أصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي حكم بعد سقوط مبارك تعديلا على القانون 103، جعل الأزهر هيئة مستقلة ذات شخصية اعتبارية وجعله المرجع النهائي في كل ما يتعلق بأمور الاجتهادات الفقهية والفكرية الحديثة، وجعل مرتبة شيخ الأزهر قانونيا مساوية لرئيس مجلس الوزراء، ثم تم تعزيز ذلك في المادة السابعة من الدستور المصري عام 2014 التي أكدت على إستقلالية الأزهر وجعله المرجع الوحيد في الشؤون الإسلامية وجعلت شيخ الأزهر غير قابل للعزل ووسعت من صلاحياته كحاكم فرد للأزهر، ويمكن النظر إلى هذه الخطوات كمكافأة لقيادة الأزهر لوقوفها ضد حكم الأخوان المسلمين رغم أن الكثير من طلاب الأزهر وخريجيه الذين تربّوا على مناهجه كانوا سياسيا في صفّ الأخوان.
كما أن أحد أسباب القوة التي يشعر بها رجال الأزهر هو تحكّمهم بنسبة كبيرة من عملية التعليم في مصر، فهناك سنويا 200 ألف طفل يتم قبولهم في رياض الأطفال التابعة للمعاهد الأزهرية، كما تم قبول 237500 تلميذ في الصف الأول الابتدائي عام 2020، من إجمالي أكثر من مليون طفل في مدارس الأزهر للمرحلة الابتدائية، بالإضافة إلى نصف مليون في المرحلة الإعدادية، و400 ألف في التعليم الثانوي، موزعين على 66 ألف مدرسة ومعهد أزهري، وتتضمن مناهج التعليم الأزهري بالإضافة إلى مناهج وزارة التربية مواد دينية مثل التوحيد والفقه والحديث والتفسير، ويتم تشجيع الطلاب في هذه المدارس على إرتداء العمامة والجبة والكاكولا تحت اسم الزي الأزهري الذي طالب بعضهم بتقنينه واحترامه مثل زي الجيش والشرطة.
وفوق ذلك هناك التعليم الجامعي الأزهري الذي يشمل بالإضافة إلى الكليات الدينية كليات للطب البشري وطب الأسنان والصيدلة والهندسة والعلوم والإعلام والهندسة الزراعية والتجارة يدرس فيها 450 ألف طالب، وهنا يثير التساؤل حول ما هي مبررات قيام مركز ديني بتعليم كل هذه الملايين ولماذا يقوم الأزهر بتدريس الاختصاصات العلمية، وهل يقوم مثلا بتدريس نظرية التطوّر أم يراها تتعارض مع الدين، خصوصا أن شيخ الأزهر الحالي قال في لقاء على التلفزيون المصري أن نظرية التطور مضطربة ولم يثبتها أي دليل علمي ويجب نفي تلك النظرية حال الارتكان إلى الدين لأنها ضد المنطق والعقل.
ولم يكتف الأزهر بذلك بل يصرّ على إدخال نصوص إسلامية ضمن مناهج التعليم الحكومية في كتب اللغة العربية والتاريخ وعلم الاجتماع لتحويل مناهج التعليم المصرية إلى مناهج إسلامية في تجاهل لملايين الأقباط الذين أصبحوا غرباء في وطنهم مما قد يدفعهم للهجرة حتى تصبح مصر من لون واحد مثل أفغانستان كما يريد الإسلاميون.
وهذا أدى إلى طرح موضوع هوية الدولة المصرية الحالية للنقاش وهل هي دولة مدنية أم دولة دينية، ورغم أن هذا التساؤل يبدو غريبا في القرن الواحد والعشرين ولكن وضع مصر الحالي غير بعيد عن الدولة الدينية، فالإسلام هو دين الدولة والشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع حسب المادة الثانية من الدستور المصري، وربما كان هذا في الماضي مجرّد شعار تستخدمه المؤسسة العسكرية لإرضاء المزاج الشعبي، ولكنه أصبح واقعا اليوم ربما نتيجة صفقة بين المؤسسة العسكرية والمؤسسة الدينية يبدو فيها الأزهر وكأنه الرابح لأنها جعلته أقوى من كافة مؤسسات الدولة المصرية كما جعلت مصر تحت تأثير فكر الإخوان المسلمين رغم وجود قادة هذا الحزب بالسجن.

