أزمة مالية واقتصادية خانقة تضرب لبنان.
أزمة مالية واقتصادية خانقة تضرب لبنان.

لا أحد في لبنان يصدق أن ميشال عون، رئيس الجمهورية، هو من يقف وراء الاستعصاء الناجم عن عدم تشكيل الحكومة. الجميع مقتنع أن حزب الله يريد الفراغ، ويربط هذا التشكيل بالمفاوضات بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران. الثمن هائل، فوجود لبنان على المحك، والانهيار صار حقيقة وواقعاً. لكن المفجع أن الحزب غير معني بمصائر الناس في الدولة التي يحكمها من ألفها إلى يائها. بالنسبة إليه مكاسب طهران أهم من مصائر اللبنانيين ومن احتمالات نهاية لبنان. وهذا من حرفياً معنى أن يُرهن بلد لحزب مثل حزب الله.

الغريب في هذه المعادلة أن الحزب لا يستشرف سوى المصلحة الإيرانية. لكن بقاء لبنان من المفترض أن يكون جزءاً من هذه المصلحة طالما أنه بيدها. انهياره سيعني أيضاً فقدان طهران بلداً. وهذه الحقيقة لا يمكن الاستعانة بها للقول إن طهران ليست من يقف خلف الاستعصاء. كلمة واحدة من حزب الله، وتتشكل الحكومة التي يطالب صندوق النقد الدولي بها حتى يباشر محاولات التقاط لبنان من القعر.

نعم كلمة واحدة من حزب الله وتتشكل الحكومة وينتظم نصاب سياسي من الممكن في ظله مباشرة مسار من المحتمل في ظله فعل شيئ. لكن الحزب لا يريد، وليس هذا جزءاً من همومه. المفاوضات تجري على مسار آخر تماماً. تجري هناك بين واشنطن وطهران. لبنان مرتهن بالكامل لهذه المفاوضات. هو ليس بلداً. هو مجرد ورقة بيد النظام الإيراني. هذا ما آل إليه بعد أن صار ميشال عون رئيساً للجمهورية. حزب الله ليس شريكاً في المسؤولية عن الانهيار، إنه المسؤول الوحيد عن هذا الانهيار. الأطراف الأخرى لا تعدو كونها ديكوراً لنفوذ الحزب. سعد الحريري لا شيء، وجبران باسيل ليس أكثر من أداة تنفيذية، ونبيه بري عراب النفوذ، ووليد جنبلاط لا يجيد سوى التذمر.

لكن المدهش هو مستوى انعدام الحساسية. اللصوص يعاينون الناس وهم جياع. رئيس الجمهورية يشاهد الناس يتعاركون على أبواب المتاجر بحثاً عن حليب لأطفالهم من دون أن يرف له جفن. حزب الله لا يعنيه طبعاً هذا المشهد، فهو جزء من حساسية أخرى تماماً. اللبنانيون متروكون لوحوش يحاربون في معركة أخرى. 

وهنا يسعنا أن نسأل العالم، لماذا يقف متفرجاً على هذا المشهد؟! من الأخلاقي أن يبادر وأن ينتشلنا من فم الوحش. الطبقة السياسية انتقلت من كونها فاسدة ومرتهنة إلى مرحلة من التوحش والالتهام. كيس الحليب الذي تعارك عليه الناس في السوبر ماركت هو آخر ما خلفه الوحش للرعية المتهالكة. الشتائم لم تعد تساعد على تحمل الكارثة. الناس جياع ولا شيئ يمكن أن يقال. أي فكرة لا قيمة لها أمام مشهد على هذا القدر من الوضوح وهذه البساطة. أم لأطفال تتعارك مع موظفي السوبر ماركت لتشتري حليباً لأطفالها. كل هذا وميشال عون نائم على كرسي الرئاسة في قصر بعبدا، وجبران باسيل يتحدث عن "حقوق المسيحيين" وحسن نصرالله منتظراً تعليمات طهران وسعد الحريري يريد وزارة الداخلية. هؤلاء جميعهم ليسوا أكثر من دمى بيد المرشد الإيراني، ونحن لا نملك سوى مشاعر الغضب والاحتقار.

خُوِن البطرك الماروني بشارة الراعي لأنه دعا إلى مؤتمر دولي لبحث الكارثة. يريدون لواقعة كيس الحليب على باب السوبر ماركت أن تصير حدثاً عادياً. يريدوننا أن نتعايش مع الجوع. أليس هذا دأب أنظمة الجوع في طهران ودمشق وغيرهما من عواصم هلال الجوع والاستبداد؟ بشارة الراعي خائن لأنه يريد نقل الكارثة من طهران إلى الأمم المتحدة. فهل يعقل أن نكف عن كوننا ورقة بيد الولي الفقيه؟

لكن ثمة من هو موافق على هذه المأساة. فأي تعامل مع السلطة في لبنان يعني قبولاً بأن يكون كل هذا البؤس وهذه الكوابيس أقداراً ولها من هو موافق عليها. من يفاوض طهران على ملفها النووي غير مكترث لسطوها على دول ومجتمعات مجاورة موافق على أدوارها، وموافق على بقاء الطبقة الحاكمة في لبنان، وعلى سطوها على الدولة وعلى الثروات وعلى الهبات والقروض. والقبول هنا يتحول إلى تفويض وبالتالي إلى دعوة للتعايش مع الكوابيس.

ما يمر به لبنان ليس أزمة عابرة، ولا مجرد انهيار لنظام في دولة. المجاعة تقترب، وجبران باسيل مفوض من حزب الله بمنع مقاومتها. لا شيئ آخر يمكن أن يقال، ولا شيء أقل من محكمة دولية موازية يمكن أن تستجيب لحجم الكارثة. لقد فقدوا أدنى شعور بالمسؤولية، وكشفوا عن وجوههم وقالوا للبنانيين ها نحن لصوص صغار وفاسدين وعملاء لكننا نملك تفويضاً بقتلكم، ان لم يكن بانفجار بحجم "انفجار 4 آب"، ففقراً وتجويعاً، وكورونا إلى جانبنا في هذه المهمة.   
 

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.