يحدث في الأردن فقط، يدخل الوزراء إلى الحكومات ويخرجون منها وهم لا يعرفون لماذا اختيروا
يحدث في الأردن فقط، يدخل الوزراء إلى الحكومات ويخرجون منها وهم لا يعرفون لماذا اختيروا

لم يعد تشكيل الحكومات أو تعديلها يحظى باهتمام الناس في الأردن، فالقناعات تزايدت في المجتمع أن الحكومات لا تأتي استجابة لرغباتهم، ولا تترك أثرا يخدم المجتمع.

تشكيل الحكومات وتعديلها لا تحكمها مسطرة واضحة، ولا توجد معايير تستند إليها، وهي ليست حاصل مشاورات مع أحزاب سياسية، أو كتل برلمانية، وباختصار يخضع التشكيل أو التعديل لمزاج ورؤية رئيس الحكومة وعلاقاته، ويُنازعه في التفاصيل مرجعتين أساسيتين، هما الديوان الملكي والمخابرات.

يحدث في الأردن فقط، يدخل الوزراء إلى الحكومات ويخرجون منها وهم لا يعرفون لماذا اختيروا ابتداءً، ولما استبعدوا؟، وينطبق هذا الأمر حين يُنقل وزير ليتولى حقيبة وزارية أخرى، قد لا ترتبط باختصاصه ومعرفته.

بعد التعديل الوزاري الأخير الذي أجراه رئيس الحكومة الدكتور بشر الخصاونة، سألت أكثر من وزير تربطني بهم علاقة صداقة، هل أبلغك الرئيس لماذا ستغادر الفريق الحكومي؟، أجابني فورا بالنفي، بل أن وزيرا أكد لي أن رئيس الوزراء امتدح أدائه في الوزارة، وقال له "أنت لم تُقصّر، ولكنها متطلبات التغيير".

إضافة لمزاج رئيس الحكومة في اختيار الوزراء فإن اعتبارات الجغرافيا والديموغرافيا لها وزن أساسي في اختيارهم؛ ولهذا فإن الحكومات تخضع للتعديل لزيادة تمثيل محافظة غابت عن التشكيل الحكومي، أو احتج أبناؤها بأن تمثيلهم ضعيف.

تغيب عن الأردن الحكومات الحزبية أو البرلمانية، وكلما شُكلت حكومة أو عُدلت عاد الجدل مرة أخرى عن غياب الإصلاح السياسي في ظل هذه التشوهات التي تنظم آليات الحكم في البلاد، فالأحزاب وحتى البرلمان آخر من يعلم، وآخر من يجري مشاورتهما أو سؤالهما.

قصة تشكيل الحكومات أو تعديلها المستمر في الأردن أصبح مجالا خصبا للتندر وإطلاق "النكات"، فهناك وزارات استحدثت وألغيت بعد أشهر قليلة، ومسميات لوزراء استحدثت ثم اختفت من القاموس الأردني، ومع ذلك لا مفاجآت أو هلع إذا علمت أن الحكومات التي شُكلت منذ تأسيس إمارة شرق الأردن زادت عن 100 حكومة، وهناك ما يزيد عن 330 وزيرا متقاعدا ينتظرون أن يعودوا وزراء مرة أخرى في ظل سياسة تدوير المناصب.

بصراحة، آليات تشكيل الحكومات وتعديلها في الأردن تحتاج إلى دراسة لمعرفة الأسباب والدوافع؛ فالأمر لم يكن كذلك تاريخيا، فأول حكومة شُكلت في إمارة شرق الأردن برئاسة رشيد طليع كانت من حزب الاستقلال، وسليمان النابلسي شكل الحكومة عام 1956 بقيادة الحزب الاشتراكي الوطني، وحتى في تسعينات القرن المنصرم كان رؤساء الحكومات يضطرون لـ "توزير" النواب من الكتل البرلمانية المختلفة لبناء التوازنات، والقدرة على إدارة دفة الحكم.

أنجز رئيس الحكومة بشر الخصاونة أول تعديل على حكومته، فاستبعد وزراء، وأدخل وزراء جدد، والسمة العامة للحكومة ظلت ثابتة؛ فوزير الخارجية ظل مُمسكا بالسياسة الخارجية، ووزيرا المالية والصحة بقيا لمجابهة الكارثة الصحية والاقتصادية، واللافت كان استقطاب نائب مدير المركز الوطني للأمن والأزمات العسكري مازن الفراية لقيادة وزارة الداخلية، في رسالة يُفهم منها الاستمرار في نهج إدارة التعامل مع جائحة كورونا.

بعد مضي ساعات على حلف الوزراء اليمين الدستوري أمام الملك، تلقت الحكومة طعنة لطخت صورتها حين استقال الوزير معن القطامين احتجاجا على سحب حقيبة الاستثمار منه.

كان بإمكان الوزير- نجم السوشال ميديا - أن يستقيل قبل أداء اليمين، لكن الخروج بهذه الطريقة يُعيده إلى المشهد بطريقة "أفلام الأكشن" كـ "بطل" يرفض التهميش، متهما رئيس الحكومة بالانقلاب عليه، ويؤكد في رسالة استقالته أنه لا يبحث عن المناصب بل يبحث عن فرصة للتغيير.

في كل الأحوال تفاصيل استقالة الوزير القطامين لن تجد أذانا صاغية، وسوقا رائجا عند الجمهور الذي كان يُتابع فيديوهاته النارية الناقدة للحكومة قبل أن يُصبح وزيرا، وكثيرة هي الأصوات التي ستُذكره أنه ركب قطار الحكومة، والقفز منه لن يُلمع صورته ويجعله مُنقذا.

في تفاصيل مشهد التعديل الوزاري، قرأ المتابعون أن الرئيس حرص على تمثيل أفضل لما يُسمى المكون الفلسطيني، وراعى أكثر وجود وزراء ممثلين للمحافظات بعد أن تعرضت الحكومة -عند تشكيلها- للاتهام بالمناطقية، وقبل يوم من الاحتفال باليوم العالمي للمرأة اقتصر مشاركة النساء في الحكومة على وزيرتين، الطاقة والصناعة والتجارة، واستبعدت وزيرة التطوير المؤسسي، في وقت لا تتوقف فيه الماكينة الحكومية من الحديث عن التمكين السياسي للمرأة.

بات مُسلّما به في أدبيات الحكومات أن التعديل الوزاري يُطيل عمر الحكومة وأمدها، ويُشعرها بالاسترخاء أكثر، ويُتيح للرئيس أن يُحكم قبضته على تفاصيل العمل أكثر، وهذا ما بدا واضحا حين قرر الرئيس "إقالة" وزيري العدل والداخلية بعد اتهامهما بمخالفة أوامر الدفاع وحضور مأدبة عشاء زاد الحضور فيها عن العدد المسموح به، وهو ما اعتبر خطوة للتمهيد للتعديل، وفسره أيضا نشطاء على السوشال ميديا بمحاولة تلميع صورة الحكومة وشراء للشعبية، وتقليص لنفوذ وزراء في السلطة، وتحجيم لطموحاتهم السياسية.

انتهى التعديل الوزاري، ولكن الأزمات التي تواجه الحكومة تكبر وتزداد؛ فالوضع الصحي يزداد تعقيدا وسوءا بعد ارتفاع عدد الإصابات بفيروس كورونا، وتصاعد المطالبات بفرض حظر شامل لفترات طويلة للسيطرة على المنحنى الوبائي، وهذا يعني حُكما تعميق الأزمة الاقتصادية، والحكومة مطالبة بإيجاد حلول تخلق توازنا بين سلامة أرواح الناس وصحتهم، وإدارة عجل الاقتصاد، وهي المعضلة التي لم تجد حلا لها حتى الآن.

بالتوازي مع المشهدين الصحي والاقتصادي تبدو المراوحة في عملية الإصلاح السياسي، فالعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني أوعز للحكومة بالاهتمام بهذا الملف، وإعطاء الأولوية لتعديل قانوني الانتخاب والأحزاب، وكان من المتوقع تعزيز ودعم الفريق السياسي في الحكومة، غير أن التعديل لم يحمل بصمات سياسية تُعطي زخما وقوة لمراجعة السياسات والممارسات التي تبني الديمقراطية وتصون حقوق الإنسان.

مع التعديل الوزاري يتداول الناس حوارا في برنامج نبض البلد الذي يُبث على قناة رؤيا، يقول فيه النائب السابق الدكتور محمد القطاطشة للمحاور محمد الخالدي عن آليات تشكيل الحكومات "واحد يرفع صوته بجيبوه ويرضوه، أو واحد برمي حجار على الشرطة بجيبوه، واحد ماشي في الشارع بدور على جيرانه وبجيب ولاد الخالات"، في تصريح واتهام إلى أن الحكومات تستقطب المعارض وتحتويه وتُغلق فمه، كما أنها فرصة لتنفيع الأقارب والأصدقاء ما دامت مسطرة اختيار الوزراء غائبة.
لا يُعرف إن كان رئيس الوزراء في تعديله الأخير قبل أيام هو صاحب الرأي الأول والأخير في اختيار فريقه الوزاري دونما تدخلات من المرجعتين "الديوان والمخابرات"، وبالاستناد إلى رسالة الملك الأخيرة لمدير المخابرات التي تطالبهم بالاهتمام بالعمل الأمني والاستخباري المحترف، والتوقف عن التدخل بعمل المؤسسات العامة.

التعديل الوزاري يتحمل وزره الرئيس وحده، مثلما تتحمل الحكومات تاريخيا كل الأخطاء والخطايا، وترحيلها واستبدالها كانت دائما سياسة لاحتواء الغضب والأزمات، وحماية العرش والنظام.

السؤال بعد مئوية الدولة الأردنية، هل يمكن أن تبقى آليات الحكم تُدار بهذه الطريقة والتي يُستحضر فيها كل شيء إلا السياسة؟!

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.