البابا دعا إلى إسكات صوت السلاح والانصراف إلى بناء السلام
البابا دعا إلى إسكات صوت السلاح والانصراف إلى بناء السلام

زيارة بابا الفاتيكان فرانسيس للعراق ولقائه بالزعماء الدينيين والسياسيين هي دعم قوي من جانب البابا لإشاعة السلام وبعث الأمل في هذا البلد الذي لا يبدو أن هناك حدودا لمعاناته، لكن الزيارة من ناحية أخرى هي أيضا تذكير قوي بمحنة المسيحيين في الشرق والذين يتهددهم خطر الفناء.

خطر الانقراض

وأن يدعو البابا إلى إسكات صوت السلاح والانصراف إلى بناء السلام، وأن يعتبر "العداوة، والتطرف، والعنف ... تلك أشياء لا تنبت في قلب متدين، إنها نواقض التدين"، فذلك جزء من الرسالة التي ما فتئ البابا يرددها، بل ويطبقها في حياته كل يوم.

لكن هل تنبت هذه الكلمات في هذا الشرق الغارق في البؤس والكراهية والتطرف والاقتتال؟ هذا سؤال ليس من العسير الإجابة عليه.

لكن ما نعرفه حقا هو أن الثقافة العربية والإسلامية والمسلحة بالتراث الديني، في جانبها الأعم، هي طاردة لكل مخالف أو مختلف. فعلى مدى قرن من الزمان، تقلصت أعداد المسيحيين واليهود والأيزيديين والبهائيين وغيرهم في هذه الدول على نحو مخيف.

لم يحدث ذلك فقط على أيدي المتطرفين والجماعات الإسلامية الإرهابية، ولكن على أيدي الحكومات والمؤسسات الرسمية والأهلية المختلفة أيضا.

ففي العراق كان عدد المسيحيين يزيد على مليون ونصف المليون مسيحي قبل عشرين عاما فقط، بينما هو اليوم يتراوح بين 200 ألف إلى 300 ألف مسيحي.

وفي سوريا كان عدد المسيحيين في عام 2011 يبلغ مليون ونصف المليون مسيحي، وهم الآن لا يزيدون على 500 ألف.

ونسب الانخفاض هذه يمكن إيجاد ما يوازيها أيضا في بعض البلدان والمناطق العربية والإسلامية الأخرى، بما في ذلك أراضي السلطة الفلسطينية. فبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن نسبة المسيحيين في الأراضي الفلسطينية لا تتجاوز 1 في المئة، بعد أن كانوا يشكلون قبل عام 1948 حوالي 11.2 في المئة.

ولا يختلف الأمر كثيرا في تركيا، فقد كان المسيحيون يشكلون قرابة 20 في المئة من عدد سكانها قبل الحرب العالمية الأولى، واقد انخفضت نسبتهم الآن إلى أقل من واحد في المئة.

تفر بجلدها

والمسألة لا تقتصر على المسيحيين فقط، فقد حدث ذلك أيضا للأقليات الدينية الأخرى، مثل اليهود، الذين إما أجبروا على الهجرة قسريا من الدول العربية والإسلامية إلى إسرائيل بعد إسقاط جنسياتهم وطردهم، وإما هاجر بعضهم من تلقاء نفسه هربا من التمييز وسوء المعاملة وانعدام الأمن والاستقرار.

ومن أصل قرابة 900 ألف يهودي كانوا يعيشون في الدول العربية قبل عام 1948 لم يتبق اليوم سوى بضعة آلاف قليلة منهم.

أما الأيزيديون والذين تعرضوا خلال تاريخهم الطويل إلى العديد من المجازر وعمليات التصفية على يد الحكومات التي تناوبت على حكم مناطقهم في العراق وتركيا وسوريا، فقد واجهوا عملية إبادة حقيقية على أيدي مسلحي تنظيم داعش الإرهابي الذي اجتاح الموصل في عام 2014.

حيث قتل مسلحو التنظيم حوالي 5 آلاف رجل إيزيدي، وخطفوا واستعبدوا 7 آلاف امرأة، بحسب تقديرات الأمم المتحدة. ومن أصل نصف مليون إيزيدي في العراق هاجر أكثر من مئة ألف جراء هذه الحملة، فيما يشعر الباقون بصعوبة العيش بين المسلمين، وهم يتطلعون إلى الهجرة متى سنحت لهم الظروف.

والواقع أنه لا توجد أقلية غير إسلامية في الشرق لا تعاني، بصورة أو بأخرى، إما من الاستهداف المباشر كالقتل وإما عبر سلسلة طويلة ومعقدة من التضييقات والقيود والروادع.

وفي حين تزداد أعداد المسلمين في الدول الأوروبية والولايات المتحدة، فإن الأقليات الدينية في المشرق تفر بجلدها، تاركة مواطنها التاريخية والأصلية.

معاناة من نوع آخر

بالطبع سيصح القول بأن العرب والمسلمين هم أيضا يعانون من الحروب والاضطهاد والتمييز في بلدانهم إما على أسس طائفية أو فكرية أو اقتصادية أو اجتماعية.. إلخ.

ولكن هذه المعاناة تختلف عن معاناة أتباع الأديان الأخرى. فالأولى هي معاناة ظرفية ومرتبطة بأوضاع سياسية واقتصادية معينة، وبالتالي يمكن أن تتغير مع الوقت، نظريا على الأقل.

أما المعاناة الثانية فهي مؤبدة. إذ هي مرتبطة بكونهم غير مسلمين، وليس لخطأ ما ارتكبوه. جريمتهم الوحيدة هي اعتناقهم دينا آخر غير الإسلام!

وقد جرى تأسيس معظم الدول العربية الحديثة التي نشأت بعد مرحلة الاستعمار، كي تعكس الطابع الإسلامي، بما في ذلك دين الدولة، الأمر الذي ترك أتباع الديانات الأخرى يشعرون بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية. وكان ذلك بمثابة إغلاق بوابة الأمل والمستقبل في وجوههم.

فالقوانين والتشريعات المختلفة، وأنظمة التعليم، والنظام الإداري وأسس الثقافة بنيت جميعها وفق المعتقدات الإسلامية وعلى أساس أن السكان هم من المسلمين فقط.

كما فسر المسلمون تراثهم الديني على النحو الذي يحط من قدر وشأن أتباع باقي الأديان ومعاملتهم معاملة أدنى، وفي أحيان ليست قليلة كان الخطاب السائد يشير بصورة مباشرة إلى المسيحيين واليهود وغيرهم بوصفهم كفرة ومشركين أو محرفين.

وفي ظل غياب الدولة المدنية والعلمانية وسيادة قيم المواطنة وحقوق الإنسان، فإن أوضاع الأقليات الدينية ومصائرها ظلت رهينة للتقلبات السياسية وأمزجة الحكام وأهوائهم، فلا عجب أن يظل هاجسهم هو الفرار والبحث عن ملاذ آمن ومستقر.. لتخسر بذلك هذه البلدان أقواما فريدة، نشأت على هذه الأرض وعاشت منذ آلاف السنين.

جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي
جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي

يصادف يوم الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسمّاها عملية عسكرية خاصة، كان إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها، كييف، ومدنها الكبرى وإسقاط حكومتها وتنصيب أخرى موالية لموسكو ونزع سلاح الجيش الأوكراني واعتقال المئات، وربما الآلاف، من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم.

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل، أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير.

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو وهما فنلندا والسويد والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا.

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعياتها.

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية "إن المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أمانا" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي سوف تظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة.

ولذلك لم تكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب.

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك بوتين أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى.

في حين قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول إن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي، وفي الوقت ذاته فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي سوف تنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.