الدول الأسرع في توفير وإعطاء اللقاح هي التي تنخفض فيها أعداد الوفيات
الدول الأسرع في توفير وإعطاء اللقاح هي التي تنخفض فيها أعداد الوفيات

في سوريا وصل فيروس كورونا سدة الحكم وأصاب بشار الأسد وعقيلته أسماء، وفي الأردن وصلت الوفيات المسجلة الى 60 يوم الأربعاء و61 في إيران، فيما الجائحة تتفشى من لبنان إلى اليمن إلى تونس وما من برامج توعية جماعية لتسريع اللقاح.

منذ ظهور فيروس كورونا العام الفائت، بدت المصيبة مصيبتين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. إذ بين الإنكار ونظريات المؤامرة والتهكم واستكمال الرحلات إلى الصين، خسرت دول مثل إيران أكثر من 60 ألف مواطن فيما دول أخرى حورت بعدد الوفيات، وبعضها لم يستثمر في توفير ما يكفي من الفحوص المخبرية. 

المصيبة في العالم العربي وإيران هي منذ بدايتها مصيبتين مع كورونا بسبب عدم وجود البنية التحتية للتعاطي مع أي وباء صحي في معظم هذه الدول، وبسبب النظرة الدنيوية لحقوق كبار السن وقلة الاكتراث خصوصا في دول تعاني من نزاعات داخلية، بحياة مواطنيها. فهل يمكن تصور أن يعطي الأسد مثلا أولوية لصحة المواطنين نفسهم الذين رماهم بالبراميل المتفجرة أو خنقهم بغاز السارين؟ لا بل فإن إصابته وعقيلته بالفيروس توحي عن تفاقم الوباء في سوريا وتحديدا بين ما يسمى "النخبة" في العاصمة دمشق.

في إحصاء لمنظمة الصحة العالمية في فبراير تبين أن هناك ما يقارب الأكثرية مترددة في أخذ اللقاح في لبنان والأردن وسوريا واليمن، فيما تنخفض هذه النسبة في الإمارات العربية المتحدة وقطر والسعودية والمغرب. في الأردن فقط 47 في المئة أبدوا استعدادا لتلقي اللقاح، مقارنة مع 75 في المئة في الامارات.

فلا عجب إذا بالنظر الى عدد الوفيات أن نلحظ وفاة 60 شخص في الأردن من كورونا يوم الاربعاء مقارنة بـ 8 في الامارات في اليوم نفسه. وفي لبنان وفاة 46 شخصا مقابل 10 في المغرب و6 في السعودية أيضا يوم الاربعاء وحيث التردد أقل في أخذ اللقاح.

اليوم الدول الأسرع في توفير وإعطاء اللقاح هي التي تنخفض فيها أعداد الوفيات. في المنطقة، هذه الدول هي إسرائيل ثم الإمارات ثم البحرين ثم المغرب، فيما ترزح مصر وإيران في قعر اللائحة بحسب إحصاءات نيويورك تايمز.

عدم توفر اللقاح له أسباب عدة بينها التوزيع الدولي، العقوبات فيما يتعلق بإيران، والتردد الاجتماعي وعدم التوعية العلمية في بعض هذه الدول.

علميا، أي لقاح اليوم هو أفضل من دونه، سواء كان الأميركي - الألماني فايزر، أو الأميركي مودرنا أو جونسون وجونسون، أو البريطاني أسترازانيكا، أو الصيني سينوفاك أو الروسي سبوتنيك. بعضها مثل فايزر ومودرنا هما أكثر فعالية من الآخر في التعاطي مع سلالات كورونا من جنوب أفريقيا والبرازيل وبريطانيا، وبعضها تم اختباره على عدد أكبر من الأشخاص إنما جميعها تضمن حدا من الوقاية. أي أن عدم تلقي أي لقاح هو أسوأ بكثير من تلقي اي من هذه اللقاحات، وخصوصا أن عدد الوفيات عالميا فاق الـ 2.6 مليون شخص من المرض.

التردد وعدم تلقي لقاح كورونا يقتل، وهو وباء اجتماعي حجمه اليوم في دول عربية بخطورة حجم المرض. المناعة العامة تفترض تلقيح ما بين 60 و70 في المئة من السكان، وفي دول مثل لبنان والأردن وسوريا سيستغرق هذا الهدف سنوات إذا استمرت نسب التلقيح في هذه الوتيرة. كما أن ظهور سلالات جديدة من المرض ستعرض هذه الدول أكثر من غيرها إلى أوبئة جديدة، وكابوس صحي لن توقفه نظريات المؤامرة ورفض الحقائق العلمية.
 

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.