على الرغم من التدفق اللامحدود للخبر في زمننا الإلكتروني المعاصر وتيسّر الحصول عليه، مازالت بعض المحطات التلفزيونية العالمية تحرص على استمرار جولتها اليومية في عالم الصحافة عبر الفقرة الصباحية المخصصة لأبرز مقتطفات الصحف. وهي فقرة لوحظ أنها ذات جاذبية خاصة لدى المشاهد ومتابعة باهتمام، بخاصة حين تترافق بتعليقات لمّاحة لبعض هذه الأخبار المنتقاة.
من زاوية مشابهة، يمكن قراءة فيلم أخبار العالم News of the World للمخرج بول غرينغراس. بحيث يمكن تصنيفه من الأفلام ذات الجاذبية الصحافية الخاصة لأسباب من أبرزها، تضمين الفيلم رسالة حنين لزمن الصحف الورقية التي ابتلعتها الأزمات المالية مؤخراً، أو أخضعتها لشروط العصر وحولتها إلى الكترونية.
حيث يستعرض الفيلم في متنه أسماء لصحف أميركية محلية وفيدرالية أميركية وُثّقَ وجودها نهايات القرن الثامن عشر مثل هاربر وهيوستن تلغراف ودالاس هيرالد والتايمز. وسيبدو مرورها الدرامي الرشيق أشبه بتحية لها، ورسالة تقدير وعرفان لرواد عالم الصحافة، والدور الذي لعبته صحفهم في نشر الوعي السياسي والأفكار التنويرية عقب الحرب الأهلية.
فضلاً عن الشخصية المؤثرة التي لعبها النجم العالمي توم هانكز أو كابتن كيد، وهو الذي فقد مهنته المحببة في طباعة الصحف جراء الحرب، وكيف حول شغفه هذا إلى مسار آخر ذي تأثير عميق، وذلك بتجوله بين جغرافيا بعض ولايات الوسط والجنوب الأميركي التي فقد أفرادها الوقت للقراءة، ومازال معظمهم منغمس أو فاقد للبوصلة الإنسانية جراء هذه الحرب العبثية ونتائجها.
وسيؤدي بحرفية دور قارىء لمختارات خاصة من هذه الصحف، مراعياً في كل قراءة شرط المكان وطبيعة الجمهور، وعاكساً مشاعره المتعلقة بطبيعة الخبر في أداء مسرحي، بدا أشبه بحكواتي لايقدم نفسه كقارىء محايد يطلع جمهوره على مايحدث في العالم من تغيرات حيوية فقط، بل يبدو متورطاً في هذه المختارات ومتبنياً لنوعية اختياراته الهادفة والقادرة على فعل التغيير بين الجمهور.
أخبار العالم المقتبس عن رواية للكاتبة الأميركية بوليت جيليز 2016 وتحمل الاسم ذاته، أحدث أفلام الموسم التي تستقطب منذ أكثر من شهرين إقبالاً ملفتاً من المشاهدين. وهو عمل سينمائي ينتمي في طبيعته إلى أفلام الويسترن التي يحنّ إليها المشاهد من حين إلى آخر. لكنه هنا لايقدم النمط التقليدي لأفلام الويسترن بضجيج حوافر خيولها وزوابع أتربتها وأبطالها الخارقين وحسناواتها الجميلات.
بل يحيك فيلماً مفعماً بالمشاعر الانسانية، بسيطاً في ظاهره وعميقاً في جوهره، يحكي قصة مؤثرة عن رجل الأخبار الذي يعثر خلال تجواله على فتاة صغيرة ضائعة ويتورط إنسانياً في مهمة إيصالها إلى ذويها.
وهي رحلة شاقة وغنية في تفاصيلها وذات شقين، يرتبط أولهما بالكابتن المتورط في الحرب والمشارك في قتل الأبرياء، وسعيه للنفاذ إلى أعماقه في رحلة تطهّر إنقاذية. والأخرى رحلة الوطن الخاسر والمصائر المهزومة جراء الحروب، حيث ستُستَعرض أجواء الفوضى الأمنية والقانونية، والعصابات التي تهيمن على مناطق نفوذها، واستمرار أعمال العنف المتبادل بين البيض والملونين من السود والمكسيكيين وقبيلة كيوا، أحد أبرز القبائل الهندية الأميركية الأصيلة.
ومثل أي عمل درامي يستحضر قصة من الماضي ليخبرنا عبرة ما أو درساً مستفاداً يمكن البناء عليه في الحاضر، يمكن قراءة أخبار العالم كعمل يتوجه إلى مجتمعه وكل العالم المعاصر المتخم بالحروب والنزاعات العرقية.
حيث يستعرض من خلال أخبار صحف عصره المنتقاة بعناية التغيرات الحيوية الكبرى التي يجلبها الاستقرار المنشود، والبحث في الهويات المتنازعة في زمن الحروب الأهلية، ودروس الابادة العرقية والعنصرية والتهديد المستمر بالفناء والزوال لبعضها، ومصير الضحايا الأبرياء الذين يدفعون ثمن هذه النزاعات وفي مقدمهم الأطفال، والسلام الذي لايتحقق إلا بسيادة قانون عادل يراعي تنوع جميع الهويات ومفهوم العيش المشترك فيما بينها.
أضف إلى ماتقدم، أن جميع هذه الأفكار الكبيرة، لم تقدم كشعارات فجة أو استعراض مباشر، بل حملتها بسلاسة حوارات درامية عميقة، وتضمنتها بين السطور الصحف التي انتقى منها رجل الأخبار، لتنسجا معاً فيلماً مشبعاً بالرسائل الانسانية، والروح الأدبية السينمائية الغنية، وكثير من المتعة.

