الحبر الأعظم تمكن من تحويل العراق إلى بلد آمن قابل للحياة، ولو مؤقتا.
الحبر الأعظم تمكن من تحويل العراق إلى بلد آمن قابل للحياة، ولو مؤقتا. | Source: VIA REUTERS

أعادت زيارة الحبر الأعظم، البابا فرنسيس، لفت أنظار العالم إلى العراق، زيارة كشفت عن إمكانية حقيقية لفتح صفحة جديدة في تاريخ هذا البلد إذا توافرت الإرادات الداخلية والخارجية وكانت بمستوى وأهمية المرحلة التي يمر بها العراق والمنطقة، مشروطة بقناعة شاملة لدى الجميع بضرورة أن تصمت البنادق وتخفت أصوات الساسة وصراعاتهم، ومراجعة دعاة المشاريع العقائدية لمواقفهم، للمساعدة على خلق بيئة مناسبة لإطلاق حوار وطني شامل، كان رئيس الوزراء، مصطفى الكاظمي، أول من تلقفها ودعا إليها.

دعوة أثارت جدلا سياسيا واجتماعيا، فهناك من تلقفها دون شروط، وهناك أيضا من رفضها بحجة الاحتلال، ليبرر منطقه السياسي وحماية لسلاحه، الذي ترفض جهات مدنية واجتماعية معنية بالحوار أن يكون هذا السلاح على الطاولة.

لكن دعوة الكاظمي نفسها تحتاج أن تُقدّم كمشروع متكامل، يحقق مصالحة وطنية دون استقواء طرف على آخر، قريبة في مضمونها بالسينودوس من أجل لبنان الذي دعا إليه البابا الراحل، يوحنا بولس الثاني، بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية.

في رحلة الرجاء العراقية، تمكن الحبر الأعظم من تحويل العراق إلى بلد آمن قابل للحياة، ولو مؤقتا، بعد عقود من الانقلابات العسكرية وحركات تصحيحية وحروب عبثية واحتلال وصراعات دموية، فقد أعطت الزيارة إشارة إلى ضرورة القيام بمقاربة جديدة للوضع العراقي، تنطلق من خصوصيتين، تعدديته ومكانه.

في النجف، تجلّت خصوصية المكان واستثنائيته، الذي جمع الممثل الروحي للأغلبية الكاثوليكية بالممثل الروحي للأغلبية الشيعية، في لقاء الحبر الأعظم بالمرجع الأعلى، رُسّخت النجف كعاصمة روحية لمريديها، تمثل فضاء للتشيّع الكوني، لا يمكن اختزاله بمشروع عقائدي أو محاصرته بخطاب أقلّوي. فقد قطعت الزيارة الشك باليقين أن النجف هي الحجر الأساس في صناعة عيش مشترك وحوار روحي بعيدا عن أجندات السياسة ومصالح الدول القريبة والبعيدة وأطماعها.

مما لا شك فيه أن ما جمع ما بين النجف والفاتيكان يتخطى حدود العراق، لكنه يقدم نموذجا يمكن أن تتعدى فيه حماية التعددية والاعتراف بالهوية المركبة من أور إلى أربيل، مرورا بسنجار وقره قوش ولاليش، من بيت التوحيد الأول إلى المظلومية التاريخية، عبر بغداد التي كانت بوصلة البابا وقاعدة حركته، التي دخل العراق من بوابتها وغادره منها، فدار السلام التي عانت ولم تزل تعاني صلى لها لتكون بردا وسلاما.

سِر العراق في مكانه، في تكوين الفرد والجماعة وتأثيرهما على هويته الوطنية وعلاقتها بالجغرافيا وشكل الدولة، فالعراق بتكوينه الاجتماعي والجغرافي استثناء، يحظى بمميزات جعلته منذ تشكله الجيوسياسي، قبل مئة عام، عرضة لأزمات داخلية وغزوات خارجية، غزوات لم تتغير أهدافها منذ قرون، فهو إلى الآن محطة أساسية على طريق الحرير، ولا يمكن تجاوزه كممر إلزامي للعابرين من الخليج وإليه.

فبلاد ما بين النهرين أو أرض السواد عانت من أطماع الغزاة الدائمة للأراضي المنبسطة لأنها تدخل ضمن اعتباراتهم الاقتصادية المرتبطة بحركة الإنتاج، باعتبارها أغنى من الهضاب والجبال، وهذا ما جعلها محط أطماع جيرانها سكان الأراضي المرتفعة نتيجة حاجتهم الدائمة للمؤن. وقد دفع العراق المعروف بأرض السواد تاريخيا ثمن أطماع جيرانه، سكان هضاب الأناضول والهضبة الإيرانية، الذين خاضوا عدة حروب من أجل السيطرة عليه مستخدمين ما بحوزتهم من مبررات عقائدية، اجتماعية، دينية وثقافية، كغطاء لصراعهم الاقتصادي والجيوستراتيجي. وما يريده البابا من جواره حوارا ملتزما بالسيادة بعيدا عن الوصاية.

سلطة الفاتيكان الروحية تملك ما يكفي من أدوات ناعمة تدعم تطلعاتها، ولا يمكن مواجهتها باغتيال هنا وصاروخ هناك، وشواهد التاريخ كثيرة وأبرزها ما قاله الديكتاتور السوفياتي، ستالين، عن الفاتيكان " كم دبابة يملك" وفي المحصلة كل الترسانة العسكرية والإستراتيجية للاتحاد السوفييتي لم تستطع الوقوف بوجه تطلعات شعوب أوروبا الشرقية التي دعمها البابا الراحل، يوحنا بولس الثاني.

سنة 1967 كتب المفكر المصري جمال حمدان كتابه الشهير "شخصية مصر، دراسة في عبقرية المكان"، في 2021 كتب البابا فرنسيس للعالم الصفحة الأولى من كتاب "شخصية العراق الجديدة"، تختلف بالكامل عن الصورة النمطية التي تكونت وشكلت انطباعات ظالمة عنه، انطباعات يتحمل مسؤوليتها بشكل كبير من تناوبوا حكمه، ففي 3 أيام أُعيد إحياء إرث العراق الحضاري والناتج الإنساني لعلمائه وباحثيه عن الهوية والتعددية التي يمكن وصفها باستثنائية المكان.

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.