ملك المغرب محمد السادس
ملك المغرب محمد السادس

بات حزب "البيجيدي" (مختصر الأحرف الأولى بالفرنسية لاسم حزب العدالة والتنمية المغربي) الخاسر الأكبر في الاستحقاقات المنتظرة قبل إجرائها هذا العام. بعد خسارته المدوية في التصويت البرلماني على تعديل القوانين الجديدة التي ستجرى الانتخابات وفق بنودها. بل إن البعض ذهب إلى القول بأن حكومة سعد الدين العثماني فقدت أغلبيتها بعد تصويت الأغلبية التي يقودها على "التعديل"، ما يستوجب تفعيل الفصل الدستوري (103)، المتعلق بمنح الثقة للحكومة أو حجبها عنها.

بعد أن حملته رياح ثورات الربيع العربي، التي هبت على المغرب، إلى كراسي السلطة الحكومية، إثر تبوئه الرتبة الأولى ضمن الأحزاب المتنافسة في انتخابات 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2011. يشهد "البيجيدي" اليوم نكوصا ملحوظا وتدنيا شعبيا واسعا لسمعته، مع انتقادات حادة تستهدف أداء ممثليه في المؤسسات المنتخبة ووزرائه في الحكومة. لذلك تشير التوقعات إلى تراجع حزب العدالة والتنمية بسبب فشل أدائه السياسي، وبما سينتج عن حسابات القاسم الانتخابي، خلال الانتخابات البرلمانية والمحلية والجهوية المرتقبة خلال أشهر.


قلق البلاط من شعبية الإسلاميين 

كانت انتخابات 2011، التي أعقبت انتفاضات 20 فبراير/ شباط، سجلت فوزا لافتا لحزب العدالة والتنمية في المغرب. نجاحٌ حظي باهتمام إعلامي دولي كبير، لما مثله صعود حزب يستند إلى مرجعية إسلامية، بتوليه تسيير الشأن الحكومي، وتم الرهان عليه لتحقيق الانتقال الديمقراطي بالمغرب، بمواصفات سلمية وبسلاسة هادئة، خلافا لما شهدته باقي دول الجوار، التي احترقت بلظى "الربيع العربي"، فانهارت بها أنظمة عتيدة، واندلعت حروب داخلية ونزاعات دامية، لا زال جلها لم يخمد بعد.

ليس خافيا على المتتبع أن "الاستدعاء العاجل" للحزب الإسلامي المشار إليه، لم تكن وراءه دعوة كرم ونبل حاتمية، بل أملتها ضرورة التسريع باحتواء الأزمة الخطيرة من أجل إطفاء حرائق "انتفاضات 20 فبراير"، التي وصلت إلى مدن وقرى نائية لم تكن تذكر عادة في نشرات الأخبار.

لكن المهمة التي تم الاعتقاد أنها ستكون مؤقتة، استمرت بعد انتخابات 7 أكتوبر 2016، إذ سيكرر الإسلاميون "نصرهم" التاريخي، ما يعني بقاءهم في قيادة التحالف الحكومي، لكن الملك سيرفض التجديد لعبد الإله بنكيران على رأس الحكومة المنتهية ولايتها، بل سيعين بدله محازبه سعد الدين العثماني، ليس بسبب تغول بنكيران وبروزه الإعلامي كشعبوي غطى على غيره من القيادات السياسية، وفرض على القصر نفسه إعادة تنظيم خليته الإعلامية، ولكن بسبب موقف الملك محمد السادس من الإسلاميين، كما كشفت ذلك وثائق "ويكيليكس". "لا صقور ولا حمائم في صفوف الإسلاميين"، يقول الملك لمخاطبه الدبلوماسي الأمريكي. ودائما حسب "ويكيليكس"، وعلى لسان السفير الأمريكي السابق بالرباط طوماس رايلي: أن " الدافع وراء إنشاء "حركة لكل الديمقراطيين" (نواة حزب الأصالة والمعاصرة)، هو انشغال القصر بارتفاع شعبية الإسلاميين في المجتمع المغربي من خلال العدالة والتنمية ".


من "جيوب المقاومة" إلى "التماسيح"

وُوجه صعود "البيجيدي" بمعارضة قوية، تمثلت في "حركة 20 فبراير"، التي لم يستسغ نشطاؤها سرقة الإخوان المسلمين لنضالاتهم، إذ يعد حزب العدالة والتنمية عمليا من فروع تنظيم الإخوان المسلمين، وقد وصل أحد قيادي "البيجيدي" إلى رئاسة المنظمة الإخوانية: الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وهو أحمد الريسوني، (خلفا للمصري يوسف القرضاوي). 

ويواجه "البيجيدي" أيضا بمعارضة منهجية من "جماعة العدل والإحسان" الإسلامية المحظورة، ومن حزب النهج الديمقراطي (الماركسي)، ومن الأحزاب الاشتراكية المتحالفة تحت لواء "فيدرالية اليسار الديمقراطي". وطبعا من لدن قواعد شعبية واسعة تكتوي كل يوم بنيران السياسات اللاشعبية التي تمادى الإسلاميون في تطبيقها واجتهدوا.

لكن المعارضة الأشد مكرا وشراسة ضد صعود حزب العدالة والتنمية، تأتي من جهات خفية، من قوى لم ترتح مطلقا لوصول الإخوان إلى الحكومة، وهي القوى التي ظل عبد الإله بنكيران  يشير إليها دائما بوصف "التماسيح" و"العفاريت". هي القوى نفسها التي كان تسميها حكومة عبد الرحمان اليوسفي (1998- 2002) ب"جيوب المقاومة"، إلا أن حزب هذا الأخير (الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية)، الذي قاد حكومة التناوب في السنتين الأخيرتين لعهد الحسن الثاني وبداية حكم محمد السادس، صار من زمرة "التماسيح" المتلونة، المناوئة لحكومة الإسلاميين، بالرغم من مشاركته فيها. وينطبق التوصيف على كل الأحزاب التي تشكل الائتلاف الحكومي، وكلها "أحزاب إدارية"، أي من مخلوقات النظام، أو أحزاب تم اختراقها أفقيا وعموديا ونجحت عملية ترويضها (مثل الاتحاد الاشتراكي).

هذا لا يعني أن حزب العدالة والتنمية ولد في مهد نقي، بل إن نشأته كانت بين يدي أحد عتاة النظام المخزني (عبد الكريم الخطيب)، كما أن الحقائق والوثائق المنشورة، تفيد أن أبرز قادة ومسيري "البيجيدي" كانوا عملاء للبوليس السياسي، وفي مقدمتهم عبد الإله بنكيران نفسه، ومصطفى الرميد (وزير العدل السابق، والوزير الحالي المكلف بحقوق الإنسان والعلاقة مع البرلمان والمجتمع المدني).


حمائم ملتحية

لم يسبق لأي حزب مغربي أن عمَّر طويلا في الحكومة كما حزب العدالة والتنمية، الذي سيكمل هذه السنة عشر سنوات من تواجده داخل دواليب الحكومة. عقد من السنين اجتهد فيها الحزب الأصولي لينسجم مع توجهات النظام، وليبرهن أنه من فصيلة "حمائم ملتحية". ولم يتوقف "البيجيدي" عن بعث الرسائل والإشارات لطمأنة القصر، فهو بخلاف "جماعة العدل والإحسان" وغيرها من الفعاليات الإسلامية الراديكالية، يبايع الملك العلوي بصفته أميرا للمؤمنين، وينأى عن أي منازعة في شرعيته الدينية وتحدره من نسب الإمام علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء ابنة الرسول محمد. وافق الحزب منذ وصوله إلى الحكومة على كثير من السياسات التي أمليت عليهم من قبل حكومة "الظل"، التي يقودها من الخلف المستشار الملكي فؤاد علي الهمة. ونهج "إسلاميو القصر" سياسة مرنة، ونجحوا في استعمال آليات التنسيق والتعاون مع مسؤولي الدولة. ومن بين أخطر ما وقعته حكومة عبد الإله بنكيران، ما لم تجرؤ عليه أي حكومة سابقة: المس بصندوق الدعم (المقاصة) وتخفيض تكاليفه الإجمالية، وتغيير قوانين التقاعد لغير صالح المستفيدين. كما لم يتردد خلفه سعد الدين العثماني في التوقيع على اتفاقية التطبيع مع إسرائيل. هو الذي كان يقف في الساحات العامة مناديا بـ"الموت لإسرائيل". كل ذلك من أجل نيل رضا القصر. ما جلب على حزب العدالة والتنمية غضبا قويا لم ينحصر فقط في صفوف العامة، بل امتدت الاستقالات في صفوفه.


من التقاعد المريح إلى الانسحاب

 بعد تقاعد أكثر من مريح (تسعة آلاف دولار شهريا)، واعتكاف لم يطل، عاد بنكيران لارتداء عمامة الإفتاء في الشؤون الحزبية والسياسية، ماذا بوسع الرجل أن يفعله مع الحنين للكرسي الذي تملَّكه؟ ومع اعتقاده أن الأمور لن تسير من دونه، فأخذ يتطلع للعودة السريعة لرئاسة حزب العدالة والتنمية، ومنها إلى رئاسة الحكومة، وإلى فهلوته و"خرجاته" البهلوانية. وبعد فشل مناورات حرك خيوطها من وراء، وتحذيراته المتكررة من مخاطر "الربيع العربي" المقيم، ظهر بنكيران ليعلن رفضه القاطع لعزم الحكومة المغربية تشريع القنب الهندي لاستعمالات طبية وصناعية، (تكثر زراعته بمنطقة الشمال). مهددا بالانسحاب من حزب "البيجيدي".

فسر البعض هذا التهديد بكونه إعلان لانشقاق متوقع، سيقوده بنكيران لتأسيس حزب إسلامي جديد على أنقاض "البيجيدي" المتهالك تحت الضربات المتتالية، من الجماهير الشعبية، ومن قوى خفية - مرئية، ومن داخل النظام أساسا. ألم يسخر عبد الوافي لفتيت وزير الداخلية، من تعنت حزب "البيجيدي"، ونصحه بنبذ التباكي وخطاب "المظلومية"؟ عندما طرحت وزارة الداخلية تعديلات قانونية انتخابية جديدة.

حاول "البيجيدي" بكل ما أوتي من قوة إسقاط القانون الجديد، الذي يعرف باسم "القاسم الانتخابي". لكن البرلمان حسم الجدال، بتصويت الأغلبية لفائدة إقرار القانون. وكان التأييد الكامل من أحزاب تنتمي للمعارضة ومن الأغلبية الحكومية على السواء: حزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال وحزب التقدم والاشتراكية، وهي خارج الحكومة. كما أيدته أحزاب تجاور "البيجيدي" في المجلس الحكومي: التجمع الوطني للأحرار، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والاتحاد الدستوري، والحركة الشعبية. وبقي "البيجيدي" وحده معزولا، في انتظار "مائة عام من العزلة"، يتمناها له الخصوم الشامتين.
وقيل وداعا لعهد الاستفادة من عزوف المواطنين ومقاطعتهم للانتخابات. ووداعا لأوهام "البيجيدي"، وللتمثيلية المضللة لتطلعات الشعب المغربي. 

ينتقد أحد مسيري حزب العدالة والتنمية بشدة اعتماد "القاسم الانتخابي"، وقال إنه "سيضرب أساس العملية الديمقراطية في عمقها، ويضر بنسب المشاركة التي ستكون بدون جدوى".
وأمام هذا الفشل، والتهديد بدنو نهاية عهد ولاية "البيجيدي" في الحكومة، لجأ حزب العدالة والتنمية إلى المحكمة الدستورية لاستصدار حكم يلغى قانونا "غير دستوري" وفق تعبير "البيجيدي". وبهذا الصدد علق خبراء قانونيين على أن الرهان على المحكمة الدستورية يبقى رهانا غير مضمون، نظرا لغياب نص صريح في الموضوع. 


"البيجيدي" ليس الرافض الوحيد  

لم يكن "البيجيدي" وحده من رفض القانون، فجماعة العدل والإحسان، التي تقاطع عادة الانتخابات، وفي أحسن الحالات تترك لأعضائها خيار التصويت لإسلاميي "البيجيدي"، اعتبرت القاسم الانتخابي أمرا "شاذا ولا أساس له في التجارب الدولية المقارنة".

أما اليسارية نبيلة منيب، الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد، فقد انتقدت احتساب القاسم الانتخابي على أساس المسجلين. مستدركة أن "الأهم هو تنظيم انتخابات نزيهة لأول مرة والخروج من التزوير والتلاعب بالإرادة الشعبية، وهذا ليس في أجندة القائمين على الشأن العام في البلاد". 

وكان أمرا عاديا عندما لم يحظ موضوع اعتماد "القاسم الانتخابي" باهتمام يذكر في الأوساط الشعبية بين المواطنين، فمنذ عقود ونسبة من يتوجهون إلى صناديق الاقتراع تتدنى سنة بعد أخرى، واتهام السلطات بالتزوير صار على كل شفة ولسان، وإيمان الناخبين بكون ذهابهم للتصويت لا يقدم ولا يؤخر في شيء ما تقرره السلطة مسبقا، وبأن الانتخابات هي مجرد صراع بين النخب الفاسدة، وسباق محموم على الكراسي والمناصب. 

لكن بعض مواقع التواصل الاجتماعي حاول أصحابها إثارة نقاشات تراوحت ما بين مرحب ب"الإجهاز" على إخونجية "البيجيدي"، وبين من يعتبر أن القاسم الانتخابي ليس سوى إجراء للتحكم في النتائج الانتخابية ولإضعاف حزب العدالة والتنمية. ورأى آخرون أن لجوء السلطات إلى اعتماد القاسم الانتخابي هو تعبير صريح عن أزمة سياسية عميقة للانتقال الديمقراطي. 

أما المحلل السياسي محمد نجيب كومينة فخلص في تدوينة له، إلى "أن القاسم الانتخابي ليس إلا عنوانا لأزمة وليس حلا لها، ومن المؤكد أن هذه الأزمة ستستمر، وقد تتفاقم إذا لم يقتنع الشباب بأنه معني بالقطيعة مع زمن وقوى الخرافة والدجل الإيديولوجي والسياسي".

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!