ملك المغرب محمد السادس
ملك المغرب محمد السادس

بات حزب "البيجيدي" (مختصر الأحرف الأولى بالفرنسية لاسم حزب العدالة والتنمية المغربي) الخاسر الأكبر في الاستحقاقات المنتظرة قبل إجرائها هذا العام. بعد خسارته المدوية في التصويت البرلماني على تعديل القوانين الجديدة التي ستجرى الانتخابات وفق بنودها. بل إن البعض ذهب إلى القول بأن حكومة سعد الدين العثماني فقدت أغلبيتها بعد تصويت الأغلبية التي يقودها على "التعديل"، ما يستوجب تفعيل الفصل الدستوري (103)، المتعلق بمنح الثقة للحكومة أو حجبها عنها.

بعد أن حملته رياح ثورات الربيع العربي، التي هبت على المغرب، إلى كراسي السلطة الحكومية، إثر تبوئه الرتبة الأولى ضمن الأحزاب المتنافسة في انتخابات 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2011. يشهد "البيجيدي" اليوم نكوصا ملحوظا وتدنيا شعبيا واسعا لسمعته، مع انتقادات حادة تستهدف أداء ممثليه في المؤسسات المنتخبة ووزرائه في الحكومة. لذلك تشير التوقعات إلى تراجع حزب العدالة والتنمية بسبب فشل أدائه السياسي، وبما سينتج عن حسابات القاسم الانتخابي، خلال الانتخابات البرلمانية والمحلية والجهوية المرتقبة خلال أشهر.


قلق البلاط من شعبية الإسلاميين 

كانت انتخابات 2011، التي أعقبت انتفاضات 20 فبراير/ شباط، سجلت فوزا لافتا لحزب العدالة والتنمية في المغرب. نجاحٌ حظي باهتمام إعلامي دولي كبير، لما مثله صعود حزب يستند إلى مرجعية إسلامية، بتوليه تسيير الشأن الحكومي، وتم الرهان عليه لتحقيق الانتقال الديمقراطي بالمغرب، بمواصفات سلمية وبسلاسة هادئة، خلافا لما شهدته باقي دول الجوار، التي احترقت بلظى "الربيع العربي"، فانهارت بها أنظمة عتيدة، واندلعت حروب داخلية ونزاعات دامية، لا زال جلها لم يخمد بعد.

ليس خافيا على المتتبع أن "الاستدعاء العاجل" للحزب الإسلامي المشار إليه، لم تكن وراءه دعوة كرم ونبل حاتمية، بل أملتها ضرورة التسريع باحتواء الأزمة الخطيرة من أجل إطفاء حرائق "انتفاضات 20 فبراير"، التي وصلت إلى مدن وقرى نائية لم تكن تذكر عادة في نشرات الأخبار.

لكن المهمة التي تم الاعتقاد أنها ستكون مؤقتة، استمرت بعد انتخابات 7 أكتوبر 2016، إذ سيكرر الإسلاميون "نصرهم" التاريخي، ما يعني بقاءهم في قيادة التحالف الحكومي، لكن الملك سيرفض التجديد لعبد الإله بنكيران على رأس الحكومة المنتهية ولايتها، بل سيعين بدله محازبه سعد الدين العثماني، ليس بسبب تغول بنكيران وبروزه الإعلامي كشعبوي غطى على غيره من القيادات السياسية، وفرض على القصر نفسه إعادة تنظيم خليته الإعلامية، ولكن بسبب موقف الملك محمد السادس من الإسلاميين، كما كشفت ذلك وثائق "ويكيليكس". "لا صقور ولا حمائم في صفوف الإسلاميين"، يقول الملك لمخاطبه الدبلوماسي الأمريكي. ودائما حسب "ويكيليكس"، وعلى لسان السفير الأمريكي السابق بالرباط طوماس رايلي: أن " الدافع وراء إنشاء "حركة لكل الديمقراطيين" (نواة حزب الأصالة والمعاصرة)، هو انشغال القصر بارتفاع شعبية الإسلاميين في المجتمع المغربي من خلال العدالة والتنمية ".


من "جيوب المقاومة" إلى "التماسيح"

وُوجه صعود "البيجيدي" بمعارضة قوية، تمثلت في "حركة 20 فبراير"، التي لم يستسغ نشطاؤها سرقة الإخوان المسلمين لنضالاتهم، إذ يعد حزب العدالة والتنمية عمليا من فروع تنظيم الإخوان المسلمين، وقد وصل أحد قيادي "البيجيدي" إلى رئاسة المنظمة الإخوانية: الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وهو أحمد الريسوني، (خلفا للمصري يوسف القرضاوي). 

ويواجه "البيجيدي" أيضا بمعارضة منهجية من "جماعة العدل والإحسان" الإسلامية المحظورة، ومن حزب النهج الديمقراطي (الماركسي)، ومن الأحزاب الاشتراكية المتحالفة تحت لواء "فيدرالية اليسار الديمقراطي". وطبعا من لدن قواعد شعبية واسعة تكتوي كل يوم بنيران السياسات اللاشعبية التي تمادى الإسلاميون في تطبيقها واجتهدوا.

لكن المعارضة الأشد مكرا وشراسة ضد صعود حزب العدالة والتنمية، تأتي من جهات خفية، من قوى لم ترتح مطلقا لوصول الإخوان إلى الحكومة، وهي القوى التي ظل عبد الإله بنكيران  يشير إليها دائما بوصف "التماسيح" و"العفاريت". هي القوى نفسها التي كان تسميها حكومة عبد الرحمان اليوسفي (1998- 2002) ب"جيوب المقاومة"، إلا أن حزب هذا الأخير (الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية)، الذي قاد حكومة التناوب في السنتين الأخيرتين لعهد الحسن الثاني وبداية حكم محمد السادس، صار من زمرة "التماسيح" المتلونة، المناوئة لحكومة الإسلاميين، بالرغم من مشاركته فيها. وينطبق التوصيف على كل الأحزاب التي تشكل الائتلاف الحكومي، وكلها "أحزاب إدارية"، أي من مخلوقات النظام، أو أحزاب تم اختراقها أفقيا وعموديا ونجحت عملية ترويضها (مثل الاتحاد الاشتراكي).

هذا لا يعني أن حزب العدالة والتنمية ولد في مهد نقي، بل إن نشأته كانت بين يدي أحد عتاة النظام المخزني (عبد الكريم الخطيب)، كما أن الحقائق والوثائق المنشورة، تفيد أن أبرز قادة ومسيري "البيجيدي" كانوا عملاء للبوليس السياسي، وفي مقدمتهم عبد الإله بنكيران نفسه، ومصطفى الرميد (وزير العدل السابق، والوزير الحالي المكلف بحقوق الإنسان والعلاقة مع البرلمان والمجتمع المدني).


حمائم ملتحية

لم يسبق لأي حزب مغربي أن عمَّر طويلا في الحكومة كما حزب العدالة والتنمية، الذي سيكمل هذه السنة عشر سنوات من تواجده داخل دواليب الحكومة. عقد من السنين اجتهد فيها الحزب الأصولي لينسجم مع توجهات النظام، وليبرهن أنه من فصيلة "حمائم ملتحية". ولم يتوقف "البيجيدي" عن بعث الرسائل والإشارات لطمأنة القصر، فهو بخلاف "جماعة العدل والإحسان" وغيرها من الفعاليات الإسلامية الراديكالية، يبايع الملك العلوي بصفته أميرا للمؤمنين، وينأى عن أي منازعة في شرعيته الدينية وتحدره من نسب الإمام علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء ابنة الرسول محمد. وافق الحزب منذ وصوله إلى الحكومة على كثير من السياسات التي أمليت عليهم من قبل حكومة "الظل"، التي يقودها من الخلف المستشار الملكي فؤاد علي الهمة. ونهج "إسلاميو القصر" سياسة مرنة، ونجحوا في استعمال آليات التنسيق والتعاون مع مسؤولي الدولة. ومن بين أخطر ما وقعته حكومة عبد الإله بنكيران، ما لم تجرؤ عليه أي حكومة سابقة: المس بصندوق الدعم (المقاصة) وتخفيض تكاليفه الإجمالية، وتغيير قوانين التقاعد لغير صالح المستفيدين. كما لم يتردد خلفه سعد الدين العثماني في التوقيع على اتفاقية التطبيع مع إسرائيل. هو الذي كان يقف في الساحات العامة مناديا بـ"الموت لإسرائيل". كل ذلك من أجل نيل رضا القصر. ما جلب على حزب العدالة والتنمية غضبا قويا لم ينحصر فقط في صفوف العامة، بل امتدت الاستقالات في صفوفه.


من التقاعد المريح إلى الانسحاب

 بعد تقاعد أكثر من مريح (تسعة آلاف دولار شهريا)، واعتكاف لم يطل، عاد بنكيران لارتداء عمامة الإفتاء في الشؤون الحزبية والسياسية، ماذا بوسع الرجل أن يفعله مع الحنين للكرسي الذي تملَّكه؟ ومع اعتقاده أن الأمور لن تسير من دونه، فأخذ يتطلع للعودة السريعة لرئاسة حزب العدالة والتنمية، ومنها إلى رئاسة الحكومة، وإلى فهلوته و"خرجاته" البهلوانية. وبعد فشل مناورات حرك خيوطها من وراء، وتحذيراته المتكررة من مخاطر "الربيع العربي" المقيم، ظهر بنكيران ليعلن رفضه القاطع لعزم الحكومة المغربية تشريع القنب الهندي لاستعمالات طبية وصناعية، (تكثر زراعته بمنطقة الشمال). مهددا بالانسحاب من حزب "البيجيدي".

فسر البعض هذا التهديد بكونه إعلان لانشقاق متوقع، سيقوده بنكيران لتأسيس حزب إسلامي جديد على أنقاض "البيجيدي" المتهالك تحت الضربات المتتالية، من الجماهير الشعبية، ومن قوى خفية - مرئية، ومن داخل النظام أساسا. ألم يسخر عبد الوافي لفتيت وزير الداخلية، من تعنت حزب "البيجيدي"، ونصحه بنبذ التباكي وخطاب "المظلومية"؟ عندما طرحت وزارة الداخلية تعديلات قانونية انتخابية جديدة.

حاول "البيجيدي" بكل ما أوتي من قوة إسقاط القانون الجديد، الذي يعرف باسم "القاسم الانتخابي". لكن البرلمان حسم الجدال، بتصويت الأغلبية لفائدة إقرار القانون. وكان التأييد الكامل من أحزاب تنتمي للمعارضة ومن الأغلبية الحكومية على السواء: حزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال وحزب التقدم والاشتراكية، وهي خارج الحكومة. كما أيدته أحزاب تجاور "البيجيدي" في المجلس الحكومي: التجمع الوطني للأحرار، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والاتحاد الدستوري، والحركة الشعبية. وبقي "البيجيدي" وحده معزولا، في انتظار "مائة عام من العزلة"، يتمناها له الخصوم الشامتين.
وقيل وداعا لعهد الاستفادة من عزوف المواطنين ومقاطعتهم للانتخابات. ووداعا لأوهام "البيجيدي"، وللتمثيلية المضللة لتطلعات الشعب المغربي. 

ينتقد أحد مسيري حزب العدالة والتنمية بشدة اعتماد "القاسم الانتخابي"، وقال إنه "سيضرب أساس العملية الديمقراطية في عمقها، ويضر بنسب المشاركة التي ستكون بدون جدوى".
وأمام هذا الفشل، والتهديد بدنو نهاية عهد ولاية "البيجيدي" في الحكومة، لجأ حزب العدالة والتنمية إلى المحكمة الدستورية لاستصدار حكم يلغى قانونا "غير دستوري" وفق تعبير "البيجيدي". وبهذا الصدد علق خبراء قانونيين على أن الرهان على المحكمة الدستورية يبقى رهانا غير مضمون، نظرا لغياب نص صريح في الموضوع. 


"البيجيدي" ليس الرافض الوحيد  

لم يكن "البيجيدي" وحده من رفض القانون، فجماعة العدل والإحسان، التي تقاطع عادة الانتخابات، وفي أحسن الحالات تترك لأعضائها خيار التصويت لإسلاميي "البيجيدي"، اعتبرت القاسم الانتخابي أمرا "شاذا ولا أساس له في التجارب الدولية المقارنة".

أما اليسارية نبيلة منيب، الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد، فقد انتقدت احتساب القاسم الانتخابي على أساس المسجلين. مستدركة أن "الأهم هو تنظيم انتخابات نزيهة لأول مرة والخروج من التزوير والتلاعب بالإرادة الشعبية، وهذا ليس في أجندة القائمين على الشأن العام في البلاد". 

وكان أمرا عاديا عندما لم يحظ موضوع اعتماد "القاسم الانتخابي" باهتمام يذكر في الأوساط الشعبية بين المواطنين، فمنذ عقود ونسبة من يتوجهون إلى صناديق الاقتراع تتدنى سنة بعد أخرى، واتهام السلطات بالتزوير صار على كل شفة ولسان، وإيمان الناخبين بكون ذهابهم للتصويت لا يقدم ولا يؤخر في شيء ما تقرره السلطة مسبقا، وبأن الانتخابات هي مجرد صراع بين النخب الفاسدة، وسباق محموم على الكراسي والمناصب. 

لكن بعض مواقع التواصل الاجتماعي حاول أصحابها إثارة نقاشات تراوحت ما بين مرحب ب"الإجهاز" على إخونجية "البيجيدي"، وبين من يعتبر أن القاسم الانتخابي ليس سوى إجراء للتحكم في النتائج الانتخابية ولإضعاف حزب العدالة والتنمية. ورأى آخرون أن لجوء السلطات إلى اعتماد القاسم الانتخابي هو تعبير صريح عن أزمة سياسية عميقة للانتقال الديمقراطي. 

أما المحلل السياسي محمد نجيب كومينة فخلص في تدوينة له، إلى "أن القاسم الانتخابي ليس إلا عنوانا لأزمة وليس حلا لها، ومن المؤكد أن هذه الأزمة ستستمر، وقد تتفاقم إذا لم يقتنع الشباب بأنه معني بالقطيعة مع زمن وقوى الخرافة والدجل الإيديولوجي والسياسي".

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.