عدم عبور ولي العهد الأردني للجسر تسبب بأزمة مع إسرائيل.
عدم عبور ولي العهد الأردني للجسر تسبب بأزمة مع إسرائيل.

أن تُعيد السلطات الإسرائيلية مواطناً فلسطينياً أو أردنياً، أو زائراً من دولة ثالثة، إلى الطرف الآخر من "الجسر" الواصل بين "الضفتين"، فهذا أمرٌ مألوف، يحدث دائماً، وربما يحدث كل يوم. لكن حين يكون هذا "الزائر"، مواطنا أردنيا، بمرتبة "ولي عهد" البلاد وملكها القادم، فهذا أمرٌ غير مألوف، لم يحدث من قبل، ولم يكن أحداً ليتخيل حدوثه.

كان من المقرر، وفقاً لأجندة الأمير الحسين، أن يقضي ولي عهد المملكة ليلة الإسراء والمعراج في المسجد الأقصى، وأجرت مؤسسات الدولة السيادية اتصالاتها لترتيب اللازم. ووفقاً لوزير خارجية الأردن، أيمن الصفدي، فقد اتفق الجانبان، الأردني والإسرائيلي، على كافة تفاصيل الزيارة، من أمنية وبروتوكولية بالطبع. ثم، يتوجه الأمير بموكبه للجسر، من دون أن ينجح في عبوره إلى الضفة الأخرى، بسبب خلافٍ نشب بين الجانبين في اللحظة الأخيرة، فيقفل عائداً من حيث أتى.

جسر واحد، روايتان وثلاثة أسماء

و"الجسر" الذي نتحدث عنه، له ثلاثة أسماء، تصدر عن ثلاثة أطراف، يحمل كل واحدٍ منها معنىً، هو الأثير إلى "قلبه" و"سرديته". فهو إسرائيلياً، "جسر اللنبي"، نسبة إلى الجنرال البريطاني، إدموند هنري اللنبي، الذي احتل المدينة منهياً سيطرة العثمانيين عليها، والممتدة لأربعمئة عام (1517 – 1917)، وليَدخلها سيراً على قدميه من بوابة الخليل، مطلقاً صيحته المشهورة" الآن انتهت الحروب الصليبية".

والجسر فلسطينياً، هو "معبر الكرامة"، تيمناً على ما يبدو، بمعركة الكرامة (آذار 1968) التي تُعد في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، "الانطلاقة الثانية" لحركة فتح والثورة الفلسطينية المعاصرة، بعد صمود وقتال بطوليين في مواجهة القوة الإسرائيلية الغازية، خاضته إلى جانب وحدات من الجيش الأردني.

والجسر أردنياً، هو "جسر الملك حسين" تيمناً بالملك الراحل، الذي ورث عن جده وأبيه، "وحدة الضفتين"، قبل أن يخسر إحداهما في حرب حزيران 1967، ومن ضمنها القدس الشرقية، التي تضم في جنباتها المسجد الأقصى وكنيسة القيامة، وعشرات المواقع الإسلامية والمسيحية، ذات الأثر الديني والتاريخي والتراثي، عظيم الأهمية.

أما الروايتان لواقعة إلغاء زيارة الأمير، فتقول الإسرائيلية منها، أن الجانب الأردني تجاوز حد الاتفاق، وأرسل بمزيد من عناصر حماية ولي العهد، وهي واقعة، بصرف النظر عن صدقها من كذبها، لا تفسر اندلاع أزمة دبلوماسية كهذه، ففي ظروف أخرى، ومع رئيس حكومة آخر في إسرائيل، كان يمكن لهذه المسألة أن تُحلَّ بمكالمة هاتفية واحدة، بدقيقتين اثنتين، لا أكثر. لكن لٌبّ المشكلة كما سيتضح، يقع في مكان آخر.

أما الرواية الأردنية فتقول: إن الأمير ذهب للصلاة في المسجد الأقصى، مع المصلين الفلسطينيين، وتحت حراسة وحدات حمايته الخاصة، فلا معنى لصلاته إن مُنِع الفلسطينيون من أداء الصلاة في مسجدهم، وبهذه الليلة المباركة. ولا معنى للوصاية الهاشمية على المسجد، إن كان يتعين "إعادة احتلاله" وتحويله إلى ثكنة عسكرية إسرائيلية، بزعم حماية أمير هاشمي، هو في أصل معاهدة السلام، واتفاق (2013) بين الملك عبد الله الثاني والرئيس محمود عباس، "الوصي" و"الراعي" للأماكن الإسلامية المقدسة، تكريساً لـ"عهدة" ممتدة لأزيد من مئة عام.

ووفقاً للرواية الأردنية، يبدو أن إسرائيل قبلت بالزيارة، ويبدو أنها قبلتها شريطة إتمامها، بما يكرس "سيادتها" على المسجد، ويُفرغ "الوصاية" من معانيها، والأهم، بنيّة زرع بذور "أزمة ثقة" بين المقدسيين والهاشميين، بمنعها ألوف المصلين الفلسطينيين من الوصول إلى باحات المسجد وساحته، وتركها شبه فارغة للأمير وصحبه، ودائماً بحجة حماية الزائر الكبير (؟!).

"رد الصاع صاعين"

لعلها الصدفة، أن عودة الأمير الحسين عن زيارته للأقصى، سبقت بساعات، زيارةً، استمات بنيامين نتانياهو لإتمامها للإمارات بعد تأجيل لثلاث مرات، ولدوافع انتخابية لا تخفى على أحد، فحملته الانتخابية، بأمس الحاجة لصورة إضافية، تلفت بها انتباه جمهور الناخبين. وفي المعلومات، أن نتانياهو ضغط بقوة على ولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، لاستقباله ولو لساعة واحدة، وفي إحدى قاعات مطار أبو ظبي، طالما أن الهدف التقاط صورة مشتركة، يلقي بها في صناديق الاقتراع.

وجد الأردن، اللحظة مناسبة لرد الصاع صاعين، فأحجم عن منح الإذن للطائرة التي كانت ستُقله، للمرور بأجوائه، ولم يصدر هذا التصريح، إلا بعد أن بات إتمام الزيارة أمراً متعذراً.

ما بدا أنها رحلة "انتخابية بامتياز" للإمارات، انتهى إلى أزمة في علاقات إسرائيل بالأردن، في انقلاب فوري للسحر على الساحر، من المستبعد أن تنتهي مفاعليه بالتوضيحات التي صدرت عن نتانياهو بالاتجاهين: أنهيت الأزمة مع عمان في غضون ساعات، وتوافقت مع محمد بن زايد على زيارة قريبة لأبو ظبي، واستجلبت استثمارات إماراتية بقيمة عشرة مليارات دولار.

رسمياً، انتهت أزمة إلغاء الزيارتين، ولا ندري ما إذا كان نتانياهو سيعاود الضغط على الإمارات لإتمام زيارته لها قبل الانتخابات (23 مارس الجاري)، أم أن عامل الوقت، لم يعد يسعفه لفعل ذلك. كما أننا لا ندري، ما إذا كان "القصر الملكي"، سيعاود التخطيط لمحاولة ثانية يقوم بها ولي العهد لزيارة الأقصى، أم أن هذا الفصل قد طوي تماماً، سيما وأن كثير من المراقبين في عمان انتابتهم الدهشة من فكرة الزيارة غير المسبوقة ابتداءً، وما يمكن أن تثيره من تكهنات وتأويلات لاحقة، وما قد ترتبه من ردود فعل في الأردن وفلسطين، فالقدس والأقصى، تحت الاحتلال، وأية زيارة ستخضع لموافقاته وترتيباته، وكيف يمكن النظر إليها، في لحظة إقليمية تميزت بازدياد وتائر التطبيع العربي – الإسرائيلي، الذي جاء من فوق ظهر الأردن، وعلى حساب أدواره التقليدية، ومكانته في الإقليم.

وقد يقول البعض، إن منع نتانياهو من العبور في الأجواء الأردنية قد امتص ما يمكن أن يكون ردود فعل سلبية على زيارة الأمير للأقصى، فالأردن بدا أمام ناظريه، قادراً على "رد التحية بمثلها"، إن لم نقل ردّ الصاع صاعين. وهذا بحد ذاته، حال دون احتدام الجدل، حول الزيارة، من حيث مغزاها ودلالاتها وتوقيتها.

"مش رمانة...قلوب مليانة"

لن نُعيد سرد تاريخ العلاقة بين نتانياهو و"القصر" في عمان، فقد جئنا على أبرز محطاتها في المقالة الأخيرة (الأسبوع الفائت) على موقع الحرة، وتكفي الإشارة أن هذه الأزمة الدبلوماسية اندلعت في لحظة اندفاع أردنية، لـ"تسليك" قنوات التواصل والحوار مع إسرائيل: زيارة بيني غانتس لعمان، ولقاءات أيمن الصفدي مع غابي أشكنازي على "الجسر إياه". وعلى الرغم من أن الأردن لديه من الأسباب ما يكفي لتجاهل نتانياهو وتحاشي اللقاءات معه والاتصال به، إلا أن "ثعلب السياسة الإسرائيلية" ما كان ليترك "المناكفة" الأردنية تمر من دون عقاب، فقرر عرقلة زيارة ولي العهد، في لطمة جديدة للأردن و"القصر" بعد سلسلة من اللطمات، بدأت في 1997 بمحاولة فاشلة لاغتيال خالد مشعل في شوارع عمان، مروراً بمقتل القاضي الأردني رائد زعيتر على "الجسر"، من مسافة صفر، وبدم بارد (2014)، وليس انتهاء بجريمة قتل مواطنين أردنيين اثنين في السفارة الإسرائيلية في عمان (2017) واستقبال نتانياهو للقاتل استقبال "الأبطال" بدل إرساله للمحكمة والسجن، فضلاً بالطبع عن الخلاف السياسي الأعمق، حول صفقة القرن ومشاريع الضم، بما فيها منطقة الأغوار الممتدة على طول الحدود الأردنية مع الضفة، والتعديات الإسرائيلية المنهجية المنظمة على الدور الأردني في رعاية المقدسات الإسلامية.

وتنهض العلاقة بين نتانياهو وعبد الله الثاني، بوصفها شاهداً على "دور الفرد" في رسم اتجاهات تطور العلاقات الدولية، وتعظيم أو تبديد فرص تحسين العلاقات الثنائية بين بلدين.

فالأردن، حريص على الاحتفاظ بعلاقته مع إسرائيل، بل وتطويرها بوصفها "ركيزة استراتيجيته" في سياسته الخارجية. وإسرائيل في المقابل، وبرغم "انزياحات" طبقتها السياسية صوب اليمين الديني والقومي، الأكثر تطرفاً، ما زالت "تقيم وزناً" لعمان، وللعلاقات الأردنية – الإسرائيلية، برغم تراجع ثقل الأردن وأهميته في الحسابات الإسرائيلية، لكن انعدام "الكيمياء" بين رئيس الحكومة الإسرائيلي والعاهل الأردني، أدخل هذه العلاقات، في أزمات متعاقبة، وربما حكم بعض التوجهات والسياسات الأردنية والإسرائيلية، سواء بسواء.

"القناعة" في عمان، أن نتانياهو رجلٌ لا يقيم اعتباراً لحسابات الأردن ومصالحه وحساسياته، وأنه يتعمد الإساءة للعائلة الملكية بشكل خاص، عبر بوابة "الوصاية الهاشمية على الأقصى"، لتقويض مكانتها وشرعيتها، انطلاقاً من خلفية إيديولوجية، تسعى في بسط "السيادة" على القدس بكامل رموزها وإرثها الحضاري والثقافي والديني، ومن منظور أن الأردن، هو المكان "الأنسب" لحل القضية الفلسطينية، طالما أن الرجل، بما يمثل ومن يمثل، لا يريد الذهاب إلى "حل الدولتين"، ولن يقبل بحل "الدولة الواحدة، ثنائية القومية".

وما لا يصرح به نتانياهو به علنا، يهمس به في مجالسه الخاصة، وسبق له أن ضمّنه كتابه "مكان تحت الشمس"، وهو يترك لمساعديه ومقربيه، أمر تقديم الشروحات والتوضيحات لمواقفه التي يحاذر البوح بها، علناً ورسمياً، فهذا وزير ماليته، يسرائيل كاتس، يقول إن القيود التي فرضتها إسرائيل على زيارة ولي العهد الأردن للأقصى، تنطلق من إيمانها بأحقيتها السيادية على "جبل الهيكل"، والمقصود به الحرم الشريف، وأن على إسرائيل ألا تترك مكاناً للتأويل والاجتهاد، بأنها لن تتخلى عن هذه "السيادة" لأحد، أياً كان، وتحت أي مسمى.

هنا، بيت القصيد، ومربط الفرس. فلا يمكن التصديق بأن إشكالاً فنياً، أو سوء فهم أو صعوبات في التواصل، حالت دون إتمام زيارة ولي العهد الأردني للمسجد. المسألة أعقد من ذلك وأبعد بكثير، وهي تدور أساساً حول "حل الدولتين"، و"السيادة" على القدس، ومصير المسجد الأقصى، واستتباعاً الوصاية الهاشمية عليه.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!