مظاهرات تشرين رفعت شعارات الدولة المدنية
مظاهرات تشرين رفعت شعارات الدولة المدنية

لا يمكن أن تتوقع من عقل سياسي مأزوم بعُقد الماضي ويغيب عنه تماماً مشروع وطني، أن يشرّعَ دستوراً يؤسس لبناء دولة المؤسسات الديمقراطية، ولا يمكن التعويل عليه في تجاوز الخراب الناتج عن تراكمات أخطاء الدكتاتورية وحروبها العَبَثية. ومع تقادم العمل السياسي في العراق بعد ثمان عشر سنة على تغيير النظام السياسي، بات واضحاً وجلياً أن الطبقة السياسية التي أسست لهذا النظام لم تفكّر إلا بالبحث عن ضمانات تضمن لها البقاء بالسلطة أو ضمن دائرة النفوذ. 

ولعلَّ الإسلاميين الذين ساهموا في كتابة الدستور العراقي في 2005 كانوا يعملون وفق هاجسَين، وبالتأكيد لم يكن من ضمنها بناء دولة ديمقراطية؛ الهاجس الأول كان يعبّرُ عن رغبتهم في بقاء هيمنتهم على النظام السياسي ومؤسسات الدولة، من خلال تأسيس نظام يأخذ من العنوان البرلماني ولكنّه عملياً يصادر إرادته تحت عنوان صفقات التوافقية. والهاجس الثاني، أن يضمن رغبتهم بلعب دور حراس للعقيدة وحماة الإسلام والشريعة الإسلامية. ولذلك وضعوا نصّاً دستورياً في المادة (2_ أولاً) يحدد بأن "الإسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدر أساس للتشريع: أ- لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام." 

ولعلَّ هذا النص ليس محل خلاف في بلد تدين أغلبيته بالإسلام ويشكّل الدين الإسلامي فاعلاً اجتماعياً وثقافياً فيه، ومن ثم فأن عد الإسلام دين الدولة الرسمي هو بمثابة تحصيل حاصل. لكن رغبة الإسلاميين الذين تربوا في أحزاب معارضة عناوينها إسلامية وترفع شعار الدولة الإسلامية، بالهيمنة على المؤسسات العليا في الدولة كانت أكثر وضوحاً عندما ثبتت في المادة الثانية والتسعون من الدستور وجود خبراء في الفقه الإسلامي ضمن عضوية المحكمة الاتحادية العليا. 

الإشكالية الحقيقية ليست في وجود (خبراء في الفقه الإسلامي) كما يشير إلى ذلك النص الدستوري، فذلك نص عام يَختبئُ خلفه رغبة في تعيين فقهاء أحزاب وتيارات الإسلام السياسي في المحكمة الاتحادية العليا. ومع بداية التصويت والنقاش داخل مجلس النواب على قانون المحكمة الاتحادية العليا، الذي تعطَّل طوال ستة عشر عاماً، بدأت عودة التساؤلات عن علاقة الدين بالدولةِ في النظام السياسي العراقي. لا سيما عندما بدأ تفسير الموضوع باعتباره محاولة لفرض وصاية فقهاء الإسلام السياسي على دستورية القوانين والأنظمة النافذة وتحديداً بالربط بين المادة ثانياً مع المادتين الثانية والتسعون والثالثة والتسعون من الدستور، ومن خلال الاصرار على حق الفقهاء في نقض القوانين وليس باعتبار وظيفتهم استشارية فحسب. 

يختزل فقهاء الإسلام السياسي رؤيتهم باحتكار الاسلاميين الحكم والإدارة تنفيذاً وتشريعاً، كما تُختزل العلاقة بين المجتمع والدولة بثنائية تقوم على أساس: محكوم باسم الشريعة وحاكم باسم الشريعة. ولذلك وجود فقهاء الإسلام السياسي، وليس فقهاء الشريعة باعتبارهم خبراء مختصين وليس حاكمين (أصحاب قرار بالرفض والقبول)، في المحكمة الاتحادية يعني ضمان نفوذ قوى الإسلام السياسي على أعلى سلطة قضائية في الدولة، وهي خطوة استباقية نحو المستقبل في حال ضعف تمثيلهم في البرلمان، لاسيّما بعد عجزهم وفشلهم في إدارة الدولة.

معركة الإسلاميين مع الدولة والمجتمع لفرض مفهومهم للشريعة، ينطوي ضمناً أو صراحة على رغبة كامنة في نفوسهم وتهيمن على مخيالهم السياسي بفرض الحكم بعنوان ديني، وهنا تُحكم حلقات السيطرة على المجال العام وعلى النظام السياسي والدولة من قبل فئة واحدة وتفرض وصايتها على المجتمع وتكون في موضع القيم على تفكير الملايين من الناس. وهذا هو الجانب الأخطر في مسألة دمج الدين بالدولة، فالدين ليس محض منظومة اعتقاد وشرائع، بل هو أيضاً مؤسسات يديرها بشر لهم من المطامح والمصالح ما لغيرهم.

وفي بلد توزع فيه المناصب العليا في الدولة على أساس حصص الأحزاب السياسية والمعيار يكون القرب والولاء من زعماء الأحزاب وليس الخبرة والكفاءة، بالتأكيد لن تكون ترشيحات (الخبراء في الفقه الإسلامي) تعتمد معايير علمية في دراسات الفقه المقارن، لأنهم يريدون من وجود شخصياتهم في هذا المنصب ضمان حق الاعتراض والتعطيل على القوانين التي لا تلائم مصالحهم وقد يعتبرونها تزعزع مكانتهم السياسية. 

وإذا كان الاحتجاج على ضرورة وجود (الخبراء في الفقه الإسلامي) يقوم على أساس دستوري يضمن عدم جواز "سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام"، فإن ذلك يستدعي وجود (خبراء في الديمقراطية) لضمان عدم جواز سن قانون يتعارض مع  مبادى الديمقراطية كما حددت ذلك تفصيلات المادة الثانية من الدستور العراقي لعام 2005. 
وقد يحتج بعضٌ السياسيين بأن الدستور العراقي النافذ قد جرى بإمضاء وموافقة المرجعية الدينية العليا بالنجف بزعامة السيد السيستاني، ولكن هذا الاحتجاج لا يصمد أمام فشل الطبقة السياسية التي خيبت أمل المرجعية في بناء دولة المؤسسات ومحاربة الفساد، وسيل الانتقادات التي توجهها المرجعية في بياناتها وخطبها لتردي الأوضاع وتراكم الفشل. فضلاً عن أن المرجعية لم تعلن موقفها النهائي حيال دور ووظيفة خبراء الفقه الإسلامي في المحكمة الاتحادية، وربما يفسر سكوتها بأنه إقرار برغبة فقهاء الإسلام السياسي بالتغلغل إلى المحكمة الاتحادية. 

يوماً بعد آخر، يبدو واضحاً أن النظام السياسي في العراق بات عاجزاً تماماً عن توفير بيئة سياسية قادرة على تحقيق إصلاح سياسي ذاتي يقوم على أساس تقادم الممارسة السياسية. والدستور الذي كُتِبَ بعقلية سياسية مأزومة بمنطق المعارضة وتثبيت واقع حال فوضوي لا يمكن الاحتكام إليه في تصحيح الأخطاء. فالدساتير لا تبنى على الحالات الطارئة أو على ظروف المخاوف وعدم الاطمئنان المتبادل، ورغبات معلنة وأخرى غير معلنة للأيديولوجيات الإسلاموية والقومية في تثبيت مصالحها على حساب محصلة المجتمع في دستور يفترض أن يكون الوثيقة القانونية الأعلى في الدولة. 

وقد تكون هذه آخر محاولات قوى الإسلام السياسي لفرض نفوذها على المحكمة الاتحادية العليا، كونها تأتي استكمالاً لحلقات الاحتكار الذي يمارسه الإسلاميون على النظام السياسي، بعد أن فرضوا هيمنتهم على الدولة بقوّة السلاح الخارج عن القانون، وبصفقات التخادم السياسي مع الاقطاعيات السياسية التي تعمل بعناوين طائفية وقوميّة. لكن في الوقت ذاته، يعبر عن تخوف لدى القوى الإسلاموية باحتمالية خسارة مقومات النفوذ والقوة التي تم استحصالها من خلال إلغاء الدولة ومصادرة وظائفها لصالح المافيات السياسية وجماعات قوى اللادولة. 

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!