من تظاهرات بيروت
الشارع اللبناني يطالب الطبقة السياسية بالرحيل ويصر على محاسبة الفاسدين المسؤولين عن سرقة أموال الدولة

أيها اللبنانيون الوطن في الأسر، وجميعكم تعيشون وراء القضبان، تنتفضون بين وقت وآخر، لأن بعضكم يدرك أن مقاومته للظلم والقمع هي ما تبقيه على قيد الحياة. ولكن آمر السجن الكبير وزبانيته الذين يحتكرون وسائل القمع والعنف لا يترددون في استخدامها، ويعرفون أيضا كيف يفتعلون الخلافات بينكم للفصل بين سجناء هذه الزنزانة وتلك.

الوطن ليس أسيرا في يد إسرائيل التي أسرته في السابق، واجتاحته لأكثر من مرة ووصلت في 1982 إلى قلب بيروت، وليس أسيرا في يد سوريا، وهي التي أسرته وهيمنت عليه أو احتلته أو فرضت وصايتها عليه في السابق، وإن تعددت التسميات فالجوهر واحد. هذه المرة آمر السجن لبناني، ولكنه فارسي الهوى، وأضفى على نفسه اسم حزب الله، ويعمل كوكيل مطيع لجمهورية إيران الإسلامية الظلامية، التي لا تربطها حتى حدود مشتركة مع لبنان. 

أيها اللبنانيون، الوطن في الأسر، وهذا واقع يجب أن تعترفوا به وتواجهونه كل يوم. ولا خلاص لكم إلا بتحرير وطنكم وأنفسكم من هذا الأسر. هذا واقع مأساوي ولا سابق له. هذه هي المرة الأولى في تاريخ لبنان – من الإمارة إلى الجمهورية – يتحكم باللبنانيين وبدولتهم الهشة تنظيم مسلح أنشأته الجمهورية الإسلامية في إيران، ويدين لها بالطاعة ويتصرف وكأنه ذراعها الضاربة، ليس فقط في لبنان، بل أيضا في سوريا والعراق كما أثبت بجدارة في السنوات الماضية، حين ساهم في بسط سيطرة إيران وعملائها في البلدين. 

لبنان منذ بدايته كجمهورية حديثة، محكوم من قبل طبقة سياسية- مالية مفترسة وفاسدة لم تكن أبدا معنية بإجراء إصلاحات اقتصادية بنيوية تشمل نظاما ضرائبيا عادلا، أو تطوير النظام السياسي لضمان تمثيل أفضل للمواطنين ومعاملتهم كأفراد يضمن حقوقهم دستور عصري، وليس كأعضاء في طوائف دينية متناحرة. 

هذه الطبقة الحاكمة، منذ نهاية الحرب الأهلية عمقت الهوة بين الطبقات، وخلقت تفاوتا هائلا بين الأثرياء الكبار الذين يمثلون 1 بالمئة من اللبنانيين الذين يحصلون على 25 بالمئة من الدخل الوطني، بينما يحصل النصف الثاني الفقير من اللبنانيين على أقل من 10 بالمئة من الدخل الوطني. ويحتكر 10 بالمئة من اللبنانيين أكثر من 70 بالمئة من ثروات البلاد.

هذا التحالف الجشع بين رجال الأعمال الكبار والقطاع المصرفي من جهة، مع الطبقة السياسية (من إقطاع سياسي وطائفي قديم، وأمراء حرب سابقين) من جهة أخرى، هو الذي أوصل البلاد إلى طريق مسدود، والذي أدى إلى انتفاضة خريف 2019. ما شهده لبنان منذ تلك الانتفاضة، من الأزمات الحكومية ومرورا بانفجار مرفأ بيروت في أغسطس – آب الماضي حتى الانهيار الأخير لليرة اللبنانية مقابل الدولار، يقول بشكل صارخ إن لبنان يسير بخطوات كبيرة على طريق الانضمام إلى قائمة الدول الفاشلة. 

حزب الله، هو جزء عضوي من هذه المنظومة اللبنانية الفاسدة. حزب الله، ينهب موارد الدولة اللبنانية، وله باع طويل في تبييض الأموال، وأتباعه في أفريقيا وأميركا اللاتينية يمارسون جميع أنواع التهريب من السيارات، إلى السلاح، إلى المخدرات.

حزب الله، بالتعاون والتنسيق مع أجهزة الاستخبارات السورية، مسؤول عن الاغتيالات التي استهدفت مثقفين وسياسيين مناوئين له ولإيران. ومسلسل القتل لم يبدأ مع رئيس الوزراء، رفيق الحريري، ولم ينته مع اغتيال، لقمان سليم، مرورا بجورج حاوي وسمير قصير ومحمد الشطح، بل يمكن العودة إلى الاغتيالات التي استهدفت مثقفين يساريين ترعرعوا في بيئة شيعية مثل، حسين مروة، ومهدي عامل (حسن حمدان)، خلال المرحلة الأولى من حياة حزب الله وحملة الترهيب التي قادها ضد المثقفين والسياسيين اليساريين وخاصة الشيعة منهم.

هناك شبه إجماع بين المحللين المعنيين بالشأن اللبناني، بأن الطبقة الحاكمة بمجملها غير مستعجلة لتشكيل حكومة جديدة لكي تطلب مساعدات مالية وتقنية من المؤسسات المالية الدولية ومن الدول المانحة وفي طليعتها فرنسا، لأنها لا تريد تلبية الحد الأدنى من شروط هذه الأطراف الدولية للقيام بإصلاحات مالية وإدارية تدخل بعض الشفافية على النظام المالي اللبناني، لأن ذلك سيفضح ممارساتها المفترسة والجشعة، ويفضح حقيقة هذا التحالف الشيطاني بين السياسيين والأغنياء اللبنانيين.

هذا هو السبب الأساسي الذي عطّل تشكيل حكومة جديدة منذ استقالة حكومة حسان دياب في 10 أغسطس –أب الماضي. طبعا هناك أسباب ثانوية، تريد الطبقة السياسية أن تقنع اللبنانيين أنها أساسية مثل مطالبة ما يسمى "بالثنائي الشيعي" أي حزب الله وحركة أمل باحتكار وزارة المالية لتعزيز نفوذهما، أو مطالبة جبران باسيل رئيس ما يسمى بالتيار الوطني الحر بحق الثلث المعطل لتعزيز طموحاته الرئاسية، أو المطالبة بوزارة الداخلية للغرض ذاته. هذا تناحر على مكاسب آنية، ولكن ما لا تريده الطبقة السياسية – المالية هو إصلاح يلبي الحد الأدنى من شروط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ودول مثل فرنسا والولايات المتحدة. 

صحيح انه لا يوجد هناك فئة سياسية لبنانية بريئة من مسؤولية وضع لبنان على طريق الإفلاس المالي والعنف المدني، إلا أن حزب الله وحلفائه من حركة أمل الى التيار الوطني الحر، مسؤولون بالدرجة الأولى عن تركيع لبنان وعن إذلال الشعب اللبناني بمختلف فئاته وطوائفه، ومن بينهم أكثرية الشيعة. حزب الله هو الذي خطف لبنان ووضعه في الأسر. حزب الله، وليس الدولة اللبنانية هو الطرف الذي يحتكر السلاح ويحتكر استخدامه ضد اللبنانيين. 

في 1919 ألقى عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر محاضرة بعنوان "السياسة كمهنة" جاء فيها أن "الدولة هي ذلك النوع من المجتمع البشري الناجح الذي يحتكر الاستخدام الشرعي للعنف المادي داخل أرض معينة.." ماكس فيبر لا يقول إن احتكار استخدام العنف هو كل ما تفعله الدولة، ولكنه يقول إن الدولة وحدها، أي الدولة التي تحكمها سلطة القانون، هي الطرف الوحيد الذي يحدد من يستخدم العنف في المجتمع، مثل الشرطة وغيرها من قوى الأمن. فيبر أدخل هذا المفهوم للدولة الحديثة إلى علم الاجتماع والعلوم السياسية، وأصبح هذا المفهوم لاستخدام العنف، جزء لا يتجزأ من تعريف الدولة الحديثة. أي طرف داخل المجتمع يحمل السلاح ولا يكون خاضعا لسلطة الدولة، يمثل تهديدا لأسس الدولة. 

يقول المؤرخ الأميركي تيموثي سنايدر في كتابه الصغير والقيم "حول الاستبداد" الصادر في 2017 انه " من المستحيل إجراء انتخابات ديموقراطية، أو أن تقوم المحاكم بواجباتها، أو صياغة القوانين وتطبيقها، أو القيام بأي نشاط عادي من نشاطات الحكومة، إذا كانت هناك أجهزة خارج سلطة الدولة تملك القدرة على استخدام العنف". ويضيف سنايدر أن التنظيمات المسلحة أولا تحط من قدر النظام السياسي، ثم تسعى إلى تغييره، ويشير إلى الخطر الذي مثلته تنظيمات يمينية أوروبية مسلحة ضد الدولة، في رومانيا وهنغاريا بين الحربين العالميتين، وكيف قامت هذه التنظيمات المسلحة بترهيب منافسيها. ويشير سنايدر إلى أن التنظيمات المسلحة التي شكلها هتلر والحزب النازي قبل وصولهم إلى السلطة ساهمت في خلق مناج من الخوف في ألمانيا، وساعدت الحزب النازي في الفوز بالانتخابات في بداية ثلاثينات القرن الماضي.

أيها اللبنانيون، الوطن في الأسر. حزب الله، السجّان والجلاد، الذي لعب دورا رئيسيا في قمع انتفاضة خريف 2019، والذي لا يريد تحقيقا شفافا في انفجار مرفأ بيروت، والذي يمثل العقبة الأهم أمام تشكيل حكومة جديدة، هو المسؤول الأول عن الوضع المأساوي الراهن في لبنان. وحتى قبل الانهيار الأخير للعملة اللبنانية حذرت منظمة هيومان رايتس واتش في تقرير لها في يوليو –تموز الماضي من أن ملايين اللبنانيين معرضون للمجاعة. هذا التقويم كان قبل مواجهة اللبنانيين لخطر فيروس كورونا وقبل كارثة انفجار مرفأ بيروت. 

وطالما بقي حزب الله تنظيما مسلحا يحتكر استخدام العنف في لبنان، ويخدم مصالح دولة أجنبية، لن يكون هناك أي مجال لإصلاح سياسي وإداري ومالي ولو بسيط للغاية. من الصعب جدا، وربما من المجحف بحق اللبنانيين أن يقال لهم، في الوقت الذي يواجهون فيه أخطار انعدام الأمن الغذائي، وحتى المجاعة، ويعيشون في ظل وباء لا يرحم، وانهيار اقتصادي شبه كامل، أن بداية خروجهم من محنتهم التاريخية، وتحريرهم من الأسر، هي في كسر الأغلال التي ألبسهم إياها حزب الله.

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.