الشباب العراقي عبر عن رغبته في دولة مدنية بمظاهرات تشرين
الشباب العراقي عبر عن رغبته في دولة مدنية بمظاهرات تشرين

 يُعلّق المتفائلون كثيرا من الآمال على الزيارة التاريخية التي قام بها بابا الفاتيكان للعراق بين الخامس والثامن من هذا الشهر، على اعتبار أنها يُمْكن أن تُطْفِئ سُعَار الاحتراب الديني والمذهبي الذي تصاعدت وتيرته في العراق على نحو حاد بعد 2003، أو على الأقل، تَحُدّ من هذا السُعار الاحترابي كثيرا؛ لتصل به إلى درجة معقولة، يمكن أن تُحقِّق الحدّ الأدنى من إمكان التعايش السلمي بين الأديان والطوائف في مجتمع مُتَنوّع بطبيعته: بطبيعة تاريخه ذي الحضارات المتعاقبة، وطبيعة جغرافيّته التي جعلته على خط التقاء التحولات الكبرى في التاريخ.

لا ريب أن أشرس الصراعات الدائرة في العراق اليوم تقوم على محاور دينية/ مذهبية في تمظهرها العلني. لم يكن التنظيم الإرهابي "داعش" إلا فُوّهة بركانها الذي فار بحمم الموت الملتهب بجنون الإرهاب. لكن، ليست كل صور الصراع على هذا النحو الذي يتوسّل الديني، فمنها ما هو عِرقي، كالمسألة الكردية، ومها ما هو اجتماعي/ نفعي، أو حزبي مُسيّس في هذا الاتجاه أو ذاك. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فالصراعات التي تقوم على محاور دينية/ مذهبية في تمظهرها العلني، لا تعني بالضرورة أن مُحَدِّدات المعتقد الديني هي ذاتها التي تصنع مُحَدِّدات الواقع؛ دونما محفّزات/ دوافع ذات ارتباط بما وراء هذا المعتقد الديني.  

 هنا، نقف أمام مسألة شائكة في تحديد ما هو الأجدى لتحقيق مستوى أفضل من التعايش/ السلم الأهلي، في العراق خاصة، وفي المجتمعات العربية عامة: هل هو بإرساء قِيم التصالح والتواصل بين الأديان والمذاهب، أم بالتأسيس لقاعدة مدنيّة مُتَجاوِزة ـ ومُتَجَاهِلة في الآن نفسه ـ لتباينات وتناقضات هذه الأديان وهذه المذاهب ؟
 
أولئك الذين يرون أن المجتمعات العربية هي مجتمعات لا تزال تقليدية، وبالتالي، مُتَديّنة في العمق؛ حتى في مساراتها التي تعتقد فيها أنها تجاوزت الديني، هؤلاء يرون أن الحَلَّ ـ وخاصة في مجتمعات من هذا النوع ـ لا بد أن يكون من خلال الاشتغال على الديني، من حيث هو المحرك الأساس. ما يعني أن لا سلام ولا تعايش؛ دون أن تُطْرَح عقائد المُفاصَلة والتّنَابُذ داخل كل دين/ كل مذهب على طاولة التشريح النقدي، وأن تُحَاكم ـ نقديا ـ إلى بدهيات حقوق الإنسان وأساسيات مبادئ العدالة الاجتماعية/ الوطنية التي تجعل من مواطني الوطن الواحد يقفون على حَدٍّ سواء في الحقوق والواجبات؛ فيما بينهم؛ ومع غيرهم/ اللاّمواطنين: الإنسان المجرّد، وفقَ مُقرّرات حقوق الإنسان التي يتساوى فيها الجميع بإزاء الجميع.

في المقابل، يرى آخرون (المراهنون على المدني/ على تجاوز وتجاهل الديني) أن الاتكاء ـ ابتداء ـ على الحل الديني، يتضمن بالضرورة تعزيزا وتدعيما لمحورية البُعْد العقائدي الديني، الذي هو ـ كما يرون ـ مصدر أولي للتمايز والمفاصلة والاحتراب. وبناء على هذا، فأنت إذْ تستنجد بالمذاهب والعقائد ورجالاتها لتحقيق التصالح/ التسالم، فإنما تقوم ـ من غير قصد ـ بمنحهم مشروعية القيادة الاجتماعية، وتُسْهم في توسيع دائرة نفوذهم، هذا النفوذ الذي به وعليه تأسس ذلك الاحتراب سلفا. 

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فالأمل في تحقيق التسالم من هذه الزاوية ضعيف، إذ جوهر العقائد هو "الاختلاف" و "التمايز"، وادعاء "احتكار الحقيقة" صراحة أو ضمنا، وبدون ذلك يصبح الإيمان ضعيفا، وتغدو القناعة بالدين/ المذهب باهتة، وتتراجع فعالية الانقياد/ الامتثال للدين/ المذهب إلى الهامشي والظرفي والنادر. وهنا ـ وذلك في مفارقة عملية مُحْبِطة ـ تَفقِد العقائد والأديان تأثيرها الذي كان يُراد له أن يكون حاسما في توجيه وتأطير مجمل السلوك الاجتماعي.  

إن القسم الأول/ أولئك الذين يرون جدوى الرهان على الحل الديني بوساطة رجال الدين، ومن خلال المتغيرات/ التطوير للخطاب الديني، يُؤكّدون أن النظام الاعتقادي الديني هو "الداء" الذي يفتك بجسد المجتمع الواحد؛ تَكارُهاً وتَنَابُذَاً واحْتِرَاباً، ومن ثَمَّ؛ فمنه ـ لا من غيره ـ يأتي "الدواء". بينما القسم الثاني/ أولئك الذين يرون جدوى الرهان على الحل  المدني الخالص، يُؤكِّدون المقدمة التي أكدّها أصحاب الحل الديني، وهي: أن النظام الاعتقادي الديني هو "الداء" الذي يفتك بجسد المجتمع الواحد؛ تَكارُهاً وتَنابُذَاً واحْتِرَاباً، ولكنهم ـ على العكس ـ يُؤكّدون أن هذه المقدمة بذاتها تُشكّل سَبباً كافيا لتجاوز وتجاهل الحَلّ الديني.   

 المؤكدون على الحل المدني الخالص، يُبَرّرون توجّههم بأن "الدواء" لا يمكن أن يكون من مصدر "الداء"، وأن العائد الإيجابي ـ فيما لو كان ثمة عائد من هذا النوع ـ يبقى ضئيلا، ولا يمكن أن يُكَافِئ حجمَ المُخاطرة المتمثلة برفع درجة أهلية الديني لممارسة دور اجتماعي/ سياسي حاسم، دور خطير لا يمكن التنبؤ بمساره الذي سيبدأ من "احتلال مساحات العقل الجمعي"، وصولا إلى صنع قواعد ماديّة للنفوذ الاجتماعي. 

 ويزيد من اتساع دائرة الافتراق بين درجة المخاطرة من جهة، والعائد الضئيل المتوقع من جهة أخرى، أن التاريخ الطويل/ تاريخ العقائد، وتاريخ سدنة العقائد، لم يَثبت في يوم من الأيام أنه أسهم بشكل جِدّي في التأسيس للسلم الاجتماعي، بل على العكس، هذا التاريخ العقائدي الطويل أثبت أنه يسير وفق ديناميكيّة احترابية تصارعية ذات طابع جدلي في علاقتها بطرفي التمظهر الديني: العقائد، وسلوكيات المتدينين.

 أمام هذه الحجج التي لا يُمكن تَجَاهلها، يُدافِع المنحازون للحل الديني  باستحالة الحل المدني الخالص في مجتمعات متدينة؛ كما هو الحال في العالم العربي. ففي تصور هؤلاء أن الحل المدني، حتى لو كان هو الأسلم والأنجع على المستوى النظري، وفي المطلق/ العام، فإنه ـ عند الاشتغال عليه تطبيقا/ تفعيلا ـ في المجتمعات العربية تحديدا، يتحوّل من حل ممكن  إلى حل مستحيل. وعلى اقتراض أن العبور إليه يكون من خلال تخفيض درجة التدين، فإن هذه العملية بحد ذاتها ستؤدي ـ بانعكاساتها المتوقعة ـ إلى ردود أفعال تَعصّبيّة؛ جرّاء الشعور بالتهديد الذي سيتسرب إلى كثير من أولئك الذين يجدون أن تحقّقاتهم الهُويّاتية لا وجود لها إلا داخل الإطار الانتمائي الذي تُوَفّره لهم هذه الأديان/ المذاهب.  

طبعا، يُرَاهِن كثيرون على الخفوت الذاتي للحماس الديني بعد فشل الإسلام السياسي، أي الإسلام الحركي المؤدلج الذي دخل المعترك السياسي على نحو مباشر في السنوات العشر الماضية/ ما بعد الربيع العربي. فالتدين الحماسي ذي البعد العقائدي ـ الإيديولوجي، إنما تصاعد منذ بداية السبعينيات من القرن الميلادي المنصرم بفعل إغراء الوعود الطوباوية التي بشّرت بتجاوز الواقع البائس: واقع التخلف والانحطاط والهزائم الساحقة المتلاحقة. وإذْ أثبت الإسلاميون في السودان وإيران ومصر وتونس أيضا فشلهم ـ على تفاوت في مستويات الفشل وطبيعته وظروفه ـ، فقد تضاءلت مُغْريات التديّن في العموم، والتدين المؤدلج على نحو أخص، فلم يعد الحلم الأصولي الذي يرفع شعار "الإسلام هو الحل" يُرَاود تطلعات الأجيال الصاعدة. ما يعني أن القناعة بالحل الديني للشأن المدني قد تراجعت كثيرا، وبقي التديّن ـ عند المقتنعين به بعد كل هذه الصدمات، وبعد انفتاح آفاق التواصل الثقافي اللامحدود ـ لا يتعدّى حدود التجربة الروحانية الفردية/ الذاتية، والشأن العائلي الخاص.   

 هذا الخفوت أو التراجع الحاد الذي طال مسار الإسلام السياسي، وتتابعت تردّداته اليائسة لتطال مسار التدين الإسلامي في العموم، انعكس على مجمل مسارات التدين في الأديان الأخرى/ غير الإسلامية، التي تَتشارَك مع المسلمين في العالم العربي خارطةَ الجغرافيا. 

عندما يُصبح شعار "الإسلام هو الحل" شعارَ تديّن اجتماعي؛ فسرعان ما تسري العدوى ـ كمؤثر إيجابي، وكمؤثر سلبي/ ردة فعل احتمائية ـ إلى بقية الطوائف الأخرى/ غير الإسلامية، التي لن تطرح بالضرورة شعارا مضادا/ مناقضا، ولكنها ستشعر تلقائيا بالاستهداف، وستقوم بتعزيز الهوية الدينية الخاصة، وستؤكد على تمايزاتها العقدية؛ لأن سؤال الدين ـ بكل تمفصلاته مع الواقعي ـ  سيصبح مطروحا على نحو حاد، بحيث لا يمكن تجاهله بحال. 

وفي المقابل، فإن تراجع تهديد الإسلام السياسي، وغياب سؤال الديني عن الاجتماعي/ السياسي، سيؤدي إلى حالة استرخاء ديني هُويّاتي عند بقية المختلفين من شركاء الخارطة الجغرافية/ الوطنية، وهذا ما حدث، ويحدث على الدوام.

مع هذا، يبقى أن الواقع الصراعي يفرض نفسه كحقيقة مؤكدة، وأنه يتوسّل الديني وغير الديني: القومي/ العرقي خاصة في تأكيد حضوره. وتبقى هذه الإشكالية ذات أبعاد أخرى، يصعب تأطيرها هنا، وليس البعد السيكولوجي التعصبي المتواشج مع البنية الثقافية/ الاجتماعية التي تضرب في عمق التاريخ، إلا أحد التحديات التي لم تدخل المجتمعات العربية إلى الآن معها طورَ المواجهة الحاسمة، باستثناء جهود ثقافية فردية متناثرة، لا تزال تواجه ممانعة، على مستوى المطاوعة الاجتماعية، وعلى مستوى التراث الفاعل الممتد لأكثر من ستة عشر قرنا.

 أخيرا، إذا كانت المسألة على هذا النحو من التعقيد، بل ومن الالتباس، وبالتالي، من الاستعصاء على الحل/ الحلول، فما الموقف الواجب اتخاذه في مثل هذه الحال ؟ هل نَستخِف ونستهين بكل محاولات التواصل الديني والمذهبي؛ بدعوى أنها غير مُجْدِية وَفق التحديات التي سبق ذكرها ؟ وهل نرفض كل المحاولات المدنية التي تتجاوز أو تتجاهل الواقعة الدينية رغم ثقلها الاجتماعي؛ بدعوى أنها لن تستطيع تحقيق الفعل الإيجابي المؤثر في مجتمعاتنا المتدينة ؟ وبهذا، تصبح زيارة البابا بلا فائدة تُرجى من ورائها، وتصبح كل تأكيدات رجال الدين/ رموز التأثير الديني على التسامح نوعا من  العبث الذي لا يستفيد منه الواقع الاجتماعي، بقدر ما يستفيد منه الواقع الديني/ المسار الديني ؟

في تقديري أننا سنكون مُحْبطين جدا إذا ما نظرنا إلى كل هذه الأمور من زاوية ما ننتظره منها/ ما نأمله على مستوى الطموح المتفائل. لكن، عندما نعاين الأمور من زاوية أخرى، زاوية: ماذا لو لم يقم رجال الدين بالتواصل والحوار والدعوة للسلام، ماذا لو سكتوا، أو حتى عززوا المواقف/ الأفكار الصراعية ؟ وأيضا، دعاة الخيار المدني؛ ماذا لو سكتوا، أو أعلنوا استسلامهم للواقع البائس، تاركين هذا الواقع فريسة سهلة لدعاة العصبيات الاحترابية ؟ 

هنا، وأمام خيارين: خيار مشاركة إيجابية يُرجَى لها أن تقوم بدور في تدعيم السلم الأهلي/ التعايش؛ حتى ولو كان العائد ضئيلا، أو خيار حيادٍ سلبي، سنختار بلا شك: الفعل الإيجابي، سواء الذي يصدر عن رجال الدين أو الذي يصدر عن دعاة الحل المدني؛ مهما كانت عوائد هذا الفعل  محدودة أو دون المُتوقّع.    

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!