التنقيب عن البترول في شرق المتوسط أحد الملفات الهامة في العلاقات المصرية التركية
التنقيب عن البترول في شرق المتوسط أحد الملفات الهامة في العلاقات المصرية التركية

 لا يخفى على أحد محاولات تركيا على مدى الأيام الماضية، التقارب مع مصر، ورسم خريطة جديدة للعلاقات بين الدولتين بعد التوتر الذي حدث بينهما في الأعوام الماضية. 

فقد أكد، عمر جليك، المتحدث باسم "حزب العدالة والتنمية" الحاكم في تركيا، الثلاثاء أنه بدون الشراكة مع مصر لا يمكن كتابة تاريخ المنطقة. 

وقبل بضعة أيام أعلن وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، أن مصر أبدت احتراما للجرف القاري لبلاده، خلال أنشطة التنقيب شرق البحر الأبيض المتوسط، معتبرا ذلك "تطورا هاما للغاية" في العلاقات بين البلدين. 

وأضاف خلوصي: "لدينا قيم تاريخية وثقافية مشتركة مع مصر، وبتفعيل هذه القيم نرى إمكانية حدوث تطورات مختلفة في الأيام المقبلة".

وبالإضافة إلى ذلك أعلن وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، قبل أسابيع أن بلاده ومصر "تسعيان لتحديد خارطة طريق بشأن علاقاتهما الثنائية".

وباختصار، فإن تركيا تحاول – وبالتعبير المصري العامي- أن تجر ناعم مع مصر! والسؤال المحير، لماذا الآن؟

وهناك عدة احتمالات وتحليلات لهذا التحرك التركي في الوقت الراهن وبعد سنين من توتر العلاقات مع مصر.

بعد بدايات التصالح القطري مع دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى- والتي تم الإعلان عنها في يناير الماضي- أصبح الاعتماد على مشروع نقل الغاز من قطر لتركيا عبر إيران في مهب الريح، وأصبح من الأكثر حكمة لتركيا ألا تضع كل رهاناتها في مجال نقل الطاقة على هذا المشروع العملاق، وأن تبدأ في التفكير في بدائل أخرى. ومن هذه البدائل محاولة جر ود مصر لمساعدتها في عدة أمور كما سنوضح ومنها الحصول على مشاركة أكبر في غاز البحر المتوسط والذي تلعب فيه مصر دورا محوريا. 

ويأتي في هذا السياق وجود حكومة ليبية "شرعية" جديدة مما قد يضع اتفاقيات تركيا المبرمة مع حكومة الوفاق الليبية السابقة، ومنها اتفاقات بشأن الغاز والبترول، في خطورة شديدة، حيث أنها تمت مع حكومة لا تمثل كل الشعب الليبي. وبالإضافة إلى ذلك فقد تمت هذه الاتفاقات بعد انتهاء المدة الشرعية لهذه الحكومة الانتقالية، ولذا فهي (أي هذه الاتفاقات بخصوص الطاقة)، هي أيضا في مهب الريح، مما يفسر حتمية اللجوء التركي إلى مصر الآن، على أمل أن تدعمها الأخيرة أمام قبرص واليونان، في مفاوضات غاز البحر المتوسط كما ذكرنا.

ويأتي بعد ذلك عامل آخر، ومهم يفسر هذا التحرك التركي ناحية مصر في الوقت الراهن.

فبعد مشكلة كورونا وإغلاق العديد من الدول أبوابها، تأثرت السياحة التركية بشكل كبير وبصورة سلبية، شأنها مثل العديد من الدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على السياحة. وفي هذه الحالة تحتاج تركيا إلى مصر بدرجة كبيرة حيث أن الإعلام المصري يؤثر بدرجة كبيرة على المنطقة العربية بأسرها. فإذا تكلم الإعلام المصري وأظهرت الأفلام والمسلسلات المصرية تركيا بصورة سلبية- كما رأينا في مسلسل "طومان باي"- فإن ذلك قد يؤثر سلبا على رغبة الكثيرين في العالم العربي في السفر لتركيا بغرض السياحة. 

ولا يقف الأمر على ذلك فحسب فإن الاقتصاد التركي الذي يئن الآن، بعد كورونا يحتاج إلى الأسواق العربية بأسرع وسيلة، وبأقصى قوة ليبيع فيها منتجاته- من أي وقت مضى! 

ووسط نزعة البعض في العالم العربي -إن لم يكن الكثيرين- لمقاطعة البضائع التركية فإن الاحتياج لمصر وقوتها الناعمة لتحسين صورة تركيا في المنطقة العربية، يصل إلى ذروته خاصة بعد ترنح الاقتصاد التركي -كما ذكرنا - بسبب جائحة كورونا.

ويأتي هنا السؤال المهم: هل تركيا مستعدة يا ترى أن تتنازل عن دعمها للإخوان المسلمين مقابل عودة الصداقة والتقارب مع مصر؟

والإجابة على هذا السؤال من وجهة نظري هي: نعم! حيث أن السياسة التركية سياسة براغماتية إلى درجة كبيرة، فتركيا على سبيل المثال هي جزء من حلف الناتو مع الغرب، ولديها علاقات جيدة مع إسرائيل منذ عقود.

وهذه البرغماتية ترجح أن تركيا ستتخلى في الأغلب عن جماعة الإخوان المسلمين خاصة أن الأخيرة لم يكن لها- وعلى العكس من وضعها في قطر- أي دور بارز في صناعة الفكر والوجدان التركي!
وللحديث بقية!         

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.