كنيس يهودي
"مسألة النجاح المنقطع النظير لليهود، الأشكناز (الغربيين) تحديداً، في القرنين الماضيين، هي مسألة هامة تستحق النظر والاعتبار، للبشرية جمعاء بشكل عام، وللمسلمين بشكل خاص"

فيما يتعدى القناعات الدينية، سلباً وإيجاباً، يكاد "الشعب المختار" أن يكون فعلاً هو الشعب المختار.

لا تتجاوز نسبة اليهود في العالم الاثنين بالألف. صفر فاصلة اثنان بالمئة. وهم في الولايات المتحدة أقل من اثنين بالمئة، وأقل من ذلك في الغرب ككل.

وحتى إذا كان الحصول على إحصائيات دقيقة أمرا متعذّرا، فإنه يتبين جلياً للمتابع لكافة أوجه النشاط العلمي، والاقتصادي، والفني، والثقافي، والسياسي، والاجتماعي والإنساني، ودون الحاجة إلى الأرقام، أن الحضور اليهودي البارز ليس على الإطلاق موازياً للحجم العددي الضئيل. نسبتهم تتخطى الربع في العديد من المهن والاختصاصات المتقدمة، وهي أكثر بكثير في العديد منها.

وكلما تطلّب الأمر زخماً عقلياً، كلما ارتفع وجود اليهود فيه. أكثر من نصف أصحاب الرتب الأولى في الشطرنج في العالم من اليهود. أعدادهم هي الأولى أو ما يقارب في أوساط الأطباء، العلماء، المحامين، الأساتذة الجامعيين، كبار المتمولين، كبار الداعمين للقضايا الإنسانية والسياسية من أقصى اليسار، مروراً باستفاضة باليسار الإنساني المطالب بالعدالة الاجتماعية، إلى بعض ما يلامس أقصى اليمين، بما في ذلك الاستيطان النافي لحق صاحب الأرض بأرضه. وكذلك الحال في الجوائز العلمية، من نوبل وغيرها، في كل الفروع وكافة المجالات، منهم آينشتاين وفرويد وماركس.

هؤلاء الناس، والذي أراد لهم أعداؤهم أن يُبادوا، وقُتل بالفعل ما يقارب نصفهم خلال الحرب العالمية الثانية، هم اليوم وعلى مدى الكوكب، شاء من شاء وأبى من أبى، ربما أنجح جماعة في حجم تأثيرهم وعمقه بمقابل قلة أعدادهم.

كيف؟ ولماذا؟

هي المؤامرة، الماسونية والإيلوميناتي والنظام العالمي الجديد، أليس كذلك؟ بالطبع، لمن يرضى بجواب يعفيه من مسؤولية التقصي والإدراك، ويستعيض عنها بالتفسير الشاطح السهل والرغبة بالأذى، للاقتصاص من نجاح غيره، علّه يواسي عجزه.

مسألة النجاح المنقطع النظير لليهود، الأشكناز (الغربيين) تحديداً، في القرنين الماضيين، هي مسألة هامة تستحق النظر والاعتبار، للبشرية جمعاء بشكل عام، وللمسلمين بشكل خاص. ولكنها مسألة مشوبة بأن غالب من يخوضها لا يبحث عن تفسير، بل يتصيّد التبرير ليعادي اليهود. لا استغراب بالتالي أن تصاحب بالريبة والحذر.

حاول البعض، بمن فيهم يهود متحمسين لقومهم، أن يرى في هذا التفوق جانباً عرقياً، ومنهم من جيّره للتأكيد على صحة الرواية الذاتية حول الأصول، أي أن اليهود هم من نسل "الآباء" (إبراهيم وإسحاق ويعقوب)، وأنهم "الشعب المختار" بنص التوراة والإرادة الربانية، ومنها بمنّة الذكاء ونعمة التفوق.

هؤلاء "الآباء" بطبيعة الحال هم من التاريخ الديني القائم على الإيمان، وليس لهم أثر أو وجود موثّق في التاريخ الوقائعي. واليهود، على ما يفيده التاريخ الوقائعي بإسهاب، ليسوا من نسل واحد، وإن اقتضى إيمانهم هذه القناعة، بل إن التهوّد والتهويد قد لازما مسارهم التاريخي، وإن جرى تقليم هذه الوقائع، كغيرها، لتنسجم مع القناعة الدينية.

ثم اتجه البعض، مع إهمال الخلفية الدينية، إلى التشديد على أن اليهود الأشكناز، متفوقون بطبيعتهم الوراثية، مستعينين بدراسات اختبارات الذكاء، والتي تمنحهم أعلى العلامات عالمياً (بما يتجاوز ١١٠، في حين أن المعدل العالمي هو ١٠٠، ومعظم الدول العربية تحت المعدل). وبالفعل فإن حصيلة نتائج اختبارات أجريت على مدى أكثر من قرن، على يهود أشكناز من طبقات اجتماعية اقتصادية متفاوتة وفي دول عدة، أثبتت فرضية التفوق.

ولكن هل التفوق في اختبارات الذكاء المقياسية هذه هو دليل على تفوق طبيعي نسلي وراثي في الذكاء، أم هل أن صياغة هذه الاختبارات قد حصلت بما يتماهى اتفاقاً مع معطيات ومكونات ثقافية لدى الأشكناز؟

ربما هي بعض هذه وبعض تلك، أو التطبع الذي يعيد صياغة الطبع بفعل الانتقاء. ثمة حديث في بعض الأوساط العلمية عن "تشذيب" للمادة الوراثية الإشكنازية بفعل الاضطهاد. غير أن ما هو مؤكد، دون أن تنتفي الاعتبارات الأخرى، هو تبدّل في واقع المجتمعات الإشكنازية، وتمكين يبدو أنه كان وحسب وليد ظروف طارئة أتاحت المجال لظاهرة التفوق الأشكنازي هذه على مدى القرنين الماضيين.

المجتمع الإشكنازي، إلى ما يقارب قرنين من الزمن، كان مجتمعاً شديد التديّن، بأوجه شبه عديدة للكثير من المجتمعات المسلمة القائمة اليوم.

القيم الغالبة على هذا المجتمع كانت التفقه بالدين، والسعي إلى كسب الثواب بالحسنات والطاعات، والتصدق على المحتاج وإغاثة الملهوف ونصرة المظلوم من أهل الدين. كان لأبناء هذا المجتمع المسيّج بالإيمان شيوخ يعلمونهم الشريعة بفرائضها ودقائقها، والعقيدة بأصولها ومتونها، والرياضة الروحية بأخلاقها ومسالكها. بعض واجبهم كان فرض عين، وبعضه الآخر فرض كفاية. على أن التقدير للمريد كان بحجم إخلاصه في طلب العلم. ووسط ما عانى منه هذا المجتمع من التضييق في المكان وفي الإمكانيات، كان الدين الملاذ الدائم، وكان التبحر في علومه الجهد اليومي.

ثم كان عصر الأنوار، وكانت الإصلاحات التي فكّت قيود هذه المجتمعات. فكانت كما من أطلق العنان لطاقة كامنة فيها، أساسها التدين والتدارس والتفقّه، لأن تخرج من حبسها ولتواجه عالما جديدا، ذي إشكاليات ومسائل وحقول كانت محظورة عليها.

في أقل من جيلين من الزمن، تبدلت الجامعات، في هذا الغرب الذي كان قد منعها أو كاد على من ليس على دين المسيح، ليصبح اليهود الأشكناز في أعداد طلابها، ثم في طليعة أساتذتها، ثم من خيرة علمائها. وكما الجامعات، كذلك كل مجال من مجالات الحياة للعقل فيه حاجة ومقام.

هل حقاً أن الدماغ الإشكنازي قد تبدّل بفعل قرون من الترويض؟ أو هل أن القيم الدينية اليهودية قد أعيد تدويرها للواقع الجديد؟ هل الفارق شاسع بين التفقه بالدين وبين التمعن بالعلوم كافة؟ أليس تحصيل المركز المهني والاجتماعي والاقتصادي يحاكي كسب الحسنات طلباً للثواب؟

العامل القاطع في هذا النجاح اليهودي ربما كان أنه، حين خرج جمع كبير من اليهود من البنية الذهنية القائلة بأولوية الدين، لم يواجههم من بقي فيها بالتكفير. اعتبروهم ضالين، دون شك، عصاة، ربما. ولكنهم بقوا لهم إخوة، يعاضدونهم قدر المستطاع ويدعون لهم بالهداية. أما عقابهم وثوابهم، فجاهروا أنه لصاحب اسم الجلالة، وليس لهم.

اليهود الخارجون من العباءة الناموسية الدينية كان لهم فضل يتجاوز نسبتهم في صياغة العالم المستجد، علماً وعملاً. في الشق الديني، الكثير منهم تجاوز الإيمان، البعض منهم اقتصر به على الأبعاد الروحية أو أعاد تصوّره بما يتواءم مع يومه، غالبهم بالتأكيد احتفظ بقدر من الشعائر، والهوية. جميعهم ثابر على إرادة الخير لإخوتهم الباقين على تديّنهم، وإن ابتعدوا عنهم بفكرهم وعيشهم.

ربما هذه هي معادلة النجاح التي حققها اليهود. أُخوّتهم جاورت قناعتهم. اليهودي المتدين، المطمئن إلى إيمانه وإلى عناية ربه به وبدينه، أتاح لليهودي المتحرر أن يكون كما شاء. أرجأ، وهو على قناعة بأن للدين ربا يحميه، وأن أبناء هذا الدين إليه راجعون، وإن لم يفعلوا فلعل أبناءهم يفعلون. واليهودي المتحرر لم يسفّه دين من سبقه، وإن ارتأى الخروج عنه، بل بقي مدافعاً عن حق أخيه بأن يعبد كما شاء.

وكأن اليهودي المتحرر واليهودي المتدين يقفان، ظهر كل منهما مسنوداً إلى ظهر الآخر، كل منهم يواجه ما اختار أن يواجهه، متفرغاً له، وبارعاً فيه.

ما أشبه الإسلام باليهودية. لا حاجة للمفاضلة هنا، فلكل دين أهله وقناعتهم بأنه الدين الحق. ولكن هذا الدين وذاك قائم على التدارس والتفقه، والتعبد والتزكية، وعلى الإمعان في اعتبار الإله أسماء وصفات، وما يقتضيه هذا الاعتبار من أدلة عقلية وجهد فكري. كلها كفاءات نافعة في الدين، ونافعة كذلك خارجه.

الفارق بين اليهود والمسلمين، على أن يحمل الكلام هنا على وجه الإجمال المفيد لا التسطيح السجالي، هو بأنه في حين أن اليهودي المتحرر واليهودي المتدين يتساندان، فإن المسلم المتحرر والمسلم المتدين يتواجهان ويتعاديان، وظهر كل منهما مدار إلى العالم.

سبق للتوجهات الإسلامية المستجدة، ولا سيما السلفية المبنية على مذهب أهل الحديث إنما مع تضخيم هائل لمقتضياته وفق أسس الحداثة التي أنتجت قطعيات في الشرق والغرب، أن حطّمت ما استطاعت إليه سبيلاً من الإرث الفكري الكلامي والصوفي. والمسلم المتدين اليوم، على وجه العموم، من السنة والشيعة على حد سواء، ينكر الإرجاء وعلى ما يبدو يخشاه، ويبدو كأن همّه الأول هو الاقتصاص من المسلم المتحرر، والذي لا يجد بالدين كل ضالته، أو ربما حتى قليلها، أو لا شيء البتة.

أما المسلم المتحرر، فيبدو وكأن شأنه الأول هو "إصلاح" الدين، والإصلاح هنا يكاد أن يكون وحسب ذمّ ما المسلم المتدين عليه من دين.

مع أنه، وفق ما تنقله مصادر صدر الإسلام، جُعل مسلمة رحمان اليمامة "مسليمة الكذاب"، وأبو عتبة "أبا لهب"، وأبو الحكم "أبا جهل"، فالمفترض إنه من الأخلاق الإسلامية غير الخلافية مبدأ "ولا تنابزوا بالألقاب". ربما أنه من حق المسلم، مهما تشدّد في تدينه، أن يبقى مسلماً وحسب، كما يصف نفسه، لا أن يلقّب بـ "الإسلاموي" أو "الوهابي" أو "التيموي"، وألا يضيف المنفتحون إضافاتهم إلى قائمة طويلة تشتمل على الرافضي والناصبي والبكري والعمري والصفوي والقبوري.

ربما أنه ثمة درس مستفاد من التجربة اليهودية المعاصرة، وهي أنه ليس حكماً أن ينتج عن التحولات التاريخية ضياع للدين أو للمجتمع أو للهوية.

طبعاً معطيات التجربة الإسلامية مختلفة عن تلك التي صاحبت التجربة اليهودية، على أن الفارق من نواحٍ عدة هو لصالح الأولى، ليس أقلّه الحجم العددي للمسلمين، وهو إلى تزايد يستغرب معه غياب الاطمئنان إلى دينهم في صفوفهم. أو الناتج الرائد الضخم للعلوم الدينية الإسلامية، بمنهجياتها الصارمة وتأصيلاتها المتماسكة، والصالحة لأن توظّف لصالح العلم، فيما هي اليوم، كحدّ أقصى توظّف لـ "أسلمته"، في تضييع لها وله، وفي تبديد للتركيز على مواضيعه المستقلة، إلى الانشغال المتورّم بالعبودية والألوهية.

ليس سرّاً أن الإلهيات اليهودية هي وليدة الكلام الإسلامي (وأصوله بدوره تعود إلى الفلسفة اليونانية). ربما أقل شيوعاً هو أن التصوف اليهودي، أي القبالة، وإن تكلّف أهله باستشفاف أصوله في المرحلة التلمودية السابقة للإسلام، يتحاور في أسسه ومصطلحه مع التجربة الباطنية الإسلامية، إسماعيلية وصوفية، وفيه وفيها ملامح صريحة من العقيدة الأفلوطينية التي دوّنها وصنّفها في القرن الثالث للميلاد سلفنا الصالح فرفوريوس الصوري.

المستفاد من التجربة اليهودية بالنسبة للسياق الإسلامي المعاصر هو أن التعايش بين المتديّن والمتحرّر ليس هدماً للدين، وليس مؤامرة على أبناء المسلمين، وليس حقداً على الإسلام، بل من شأنه أن يجلب الصلاح للمسلمين، متدينين ومتحررين، مؤمنين ولاإلهيين، أو على الأقل أن يعفيهم من الاقتتال والتآكل فيما العالم يسير قدماً.

ثمة مئة مسلم مقابل كل يهودي على وجه الأرض. على افتراض أن سبب نجاح اليهود بهذا الشكل الرائع يعود وإن جزئياً إلى توظيف كفاءاتهم المكتسبة من التديّن في مجالات الحياة العملية والعلمية، فإن الطاقة الكامنة بمجموع المسلمين قد تصل إلى أضعاف ما تحصّل عن اليهود. الشرط الوحيد، وهو لا حاصل بذاته ولا من قادر على فرضه، هو بأن يستدير المسلمان، المتدين والمتحرر، عن المواجهة التي تستنزفهما، وأن يتساندا، وأن يكون جهد كل منهما وعمله للخير والصلاح. ليت، لعلّ، وعسى.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!