فيما يتعدى القناعات الدينية، سلباً وإيجاباً، يكاد "الشعب المختار" أن يكون فعلاً هو الشعب المختار.
لا تتجاوز نسبة اليهود في العالم الاثنين بالألف. صفر فاصلة اثنان بالمئة. وهم في الولايات المتحدة أقل من اثنين بالمئة، وأقل من ذلك في الغرب ككل.
وحتى إذا كان الحصول على إحصائيات دقيقة أمرا متعذّرا، فإنه يتبين جلياً للمتابع لكافة أوجه النشاط العلمي، والاقتصادي، والفني، والثقافي، والسياسي، والاجتماعي والإنساني، ودون الحاجة إلى الأرقام، أن الحضور اليهودي البارز ليس على الإطلاق موازياً للحجم العددي الضئيل. نسبتهم تتخطى الربع في العديد من المهن والاختصاصات المتقدمة، وهي أكثر بكثير في العديد منها.
وكلما تطلّب الأمر زخماً عقلياً، كلما ارتفع وجود اليهود فيه. أكثر من نصف أصحاب الرتب الأولى في الشطرنج في العالم من اليهود. أعدادهم هي الأولى أو ما يقارب في أوساط الأطباء، العلماء، المحامين، الأساتذة الجامعيين، كبار المتمولين، كبار الداعمين للقضايا الإنسانية والسياسية من أقصى اليسار، مروراً باستفاضة باليسار الإنساني المطالب بالعدالة الاجتماعية، إلى بعض ما يلامس أقصى اليمين، بما في ذلك الاستيطان النافي لحق صاحب الأرض بأرضه. وكذلك الحال في الجوائز العلمية، من نوبل وغيرها، في كل الفروع وكافة المجالات، منهم آينشتاين وفرويد وماركس.
هؤلاء الناس، والذي أراد لهم أعداؤهم أن يُبادوا، وقُتل بالفعل ما يقارب نصفهم خلال الحرب العالمية الثانية، هم اليوم وعلى مدى الكوكب، شاء من شاء وأبى من أبى، ربما أنجح جماعة في حجم تأثيرهم وعمقه بمقابل قلة أعدادهم.
كيف؟ ولماذا؟
هي المؤامرة، الماسونية والإيلوميناتي والنظام العالمي الجديد، أليس كذلك؟ بالطبع، لمن يرضى بجواب يعفيه من مسؤولية التقصي والإدراك، ويستعيض عنها بالتفسير الشاطح السهل والرغبة بالأذى، للاقتصاص من نجاح غيره، علّه يواسي عجزه.
مسألة النجاح المنقطع النظير لليهود، الأشكناز (الغربيين) تحديداً، في القرنين الماضيين، هي مسألة هامة تستحق النظر والاعتبار، للبشرية جمعاء بشكل عام، وللمسلمين بشكل خاص. ولكنها مسألة مشوبة بأن غالب من يخوضها لا يبحث عن تفسير، بل يتصيّد التبرير ليعادي اليهود. لا استغراب بالتالي أن تصاحب بالريبة والحذر.
حاول البعض، بمن فيهم يهود متحمسين لقومهم، أن يرى في هذا التفوق جانباً عرقياً، ومنهم من جيّره للتأكيد على صحة الرواية الذاتية حول الأصول، أي أن اليهود هم من نسل "الآباء" (إبراهيم وإسحاق ويعقوب)، وأنهم "الشعب المختار" بنص التوراة والإرادة الربانية، ومنها بمنّة الذكاء ونعمة التفوق.
هؤلاء "الآباء" بطبيعة الحال هم من التاريخ الديني القائم على الإيمان، وليس لهم أثر أو وجود موثّق في التاريخ الوقائعي. واليهود، على ما يفيده التاريخ الوقائعي بإسهاب، ليسوا من نسل واحد، وإن اقتضى إيمانهم هذه القناعة، بل إن التهوّد والتهويد قد لازما مسارهم التاريخي، وإن جرى تقليم هذه الوقائع، كغيرها، لتنسجم مع القناعة الدينية.
ثم اتجه البعض، مع إهمال الخلفية الدينية، إلى التشديد على أن اليهود الأشكناز، متفوقون بطبيعتهم الوراثية، مستعينين بدراسات اختبارات الذكاء، والتي تمنحهم أعلى العلامات عالمياً (بما يتجاوز ١١٠، في حين أن المعدل العالمي هو ١٠٠، ومعظم الدول العربية تحت المعدل). وبالفعل فإن حصيلة نتائج اختبارات أجريت على مدى أكثر من قرن، على يهود أشكناز من طبقات اجتماعية اقتصادية متفاوتة وفي دول عدة، أثبتت فرضية التفوق.
ولكن هل التفوق في اختبارات الذكاء المقياسية هذه هو دليل على تفوق طبيعي نسلي وراثي في الذكاء، أم هل أن صياغة هذه الاختبارات قد حصلت بما يتماهى اتفاقاً مع معطيات ومكونات ثقافية لدى الأشكناز؟
ربما هي بعض هذه وبعض تلك، أو التطبع الذي يعيد صياغة الطبع بفعل الانتقاء. ثمة حديث في بعض الأوساط العلمية عن "تشذيب" للمادة الوراثية الإشكنازية بفعل الاضطهاد. غير أن ما هو مؤكد، دون أن تنتفي الاعتبارات الأخرى، هو تبدّل في واقع المجتمعات الإشكنازية، وتمكين يبدو أنه كان وحسب وليد ظروف طارئة أتاحت المجال لظاهرة التفوق الأشكنازي هذه على مدى القرنين الماضيين.
المجتمع الإشكنازي، إلى ما يقارب قرنين من الزمن، كان مجتمعاً شديد التديّن، بأوجه شبه عديدة للكثير من المجتمعات المسلمة القائمة اليوم.
القيم الغالبة على هذا المجتمع كانت التفقه بالدين، والسعي إلى كسب الثواب بالحسنات والطاعات، والتصدق على المحتاج وإغاثة الملهوف ونصرة المظلوم من أهل الدين. كان لأبناء هذا المجتمع المسيّج بالإيمان شيوخ يعلمونهم الشريعة بفرائضها ودقائقها، والعقيدة بأصولها ومتونها، والرياضة الروحية بأخلاقها ومسالكها. بعض واجبهم كان فرض عين، وبعضه الآخر فرض كفاية. على أن التقدير للمريد كان بحجم إخلاصه في طلب العلم. ووسط ما عانى منه هذا المجتمع من التضييق في المكان وفي الإمكانيات، كان الدين الملاذ الدائم، وكان التبحر في علومه الجهد اليومي.
ثم كان عصر الأنوار، وكانت الإصلاحات التي فكّت قيود هذه المجتمعات. فكانت كما من أطلق العنان لطاقة كامنة فيها، أساسها التدين والتدارس والتفقّه، لأن تخرج من حبسها ولتواجه عالما جديدا، ذي إشكاليات ومسائل وحقول كانت محظورة عليها.
في أقل من جيلين من الزمن، تبدلت الجامعات، في هذا الغرب الذي كان قد منعها أو كاد على من ليس على دين المسيح، ليصبح اليهود الأشكناز في أعداد طلابها، ثم في طليعة أساتذتها، ثم من خيرة علمائها. وكما الجامعات، كذلك كل مجال من مجالات الحياة للعقل فيه حاجة ومقام.
هل حقاً أن الدماغ الإشكنازي قد تبدّل بفعل قرون من الترويض؟ أو هل أن القيم الدينية اليهودية قد أعيد تدويرها للواقع الجديد؟ هل الفارق شاسع بين التفقه بالدين وبين التمعن بالعلوم كافة؟ أليس تحصيل المركز المهني والاجتماعي والاقتصادي يحاكي كسب الحسنات طلباً للثواب؟
العامل القاطع في هذا النجاح اليهودي ربما كان أنه، حين خرج جمع كبير من اليهود من البنية الذهنية القائلة بأولوية الدين، لم يواجههم من بقي فيها بالتكفير. اعتبروهم ضالين، دون شك، عصاة، ربما. ولكنهم بقوا لهم إخوة، يعاضدونهم قدر المستطاع ويدعون لهم بالهداية. أما عقابهم وثوابهم، فجاهروا أنه لصاحب اسم الجلالة، وليس لهم.
اليهود الخارجون من العباءة الناموسية الدينية كان لهم فضل يتجاوز نسبتهم في صياغة العالم المستجد، علماً وعملاً. في الشق الديني، الكثير منهم تجاوز الإيمان، البعض منهم اقتصر به على الأبعاد الروحية أو أعاد تصوّره بما يتواءم مع يومه، غالبهم بالتأكيد احتفظ بقدر من الشعائر، والهوية. جميعهم ثابر على إرادة الخير لإخوتهم الباقين على تديّنهم، وإن ابتعدوا عنهم بفكرهم وعيشهم.
ربما هذه هي معادلة النجاح التي حققها اليهود. أُخوّتهم جاورت قناعتهم. اليهودي المتدين، المطمئن إلى إيمانه وإلى عناية ربه به وبدينه، أتاح لليهودي المتحرر أن يكون كما شاء. أرجأ، وهو على قناعة بأن للدين ربا يحميه، وأن أبناء هذا الدين إليه راجعون، وإن لم يفعلوا فلعل أبناءهم يفعلون. واليهودي المتحرر لم يسفّه دين من سبقه، وإن ارتأى الخروج عنه، بل بقي مدافعاً عن حق أخيه بأن يعبد كما شاء.
وكأن اليهودي المتحرر واليهودي المتدين يقفان، ظهر كل منهما مسنوداً إلى ظهر الآخر، كل منهم يواجه ما اختار أن يواجهه، متفرغاً له، وبارعاً فيه.
ما أشبه الإسلام باليهودية. لا حاجة للمفاضلة هنا، فلكل دين أهله وقناعتهم بأنه الدين الحق. ولكن هذا الدين وذاك قائم على التدارس والتفقه، والتعبد والتزكية، وعلى الإمعان في اعتبار الإله أسماء وصفات، وما يقتضيه هذا الاعتبار من أدلة عقلية وجهد فكري. كلها كفاءات نافعة في الدين، ونافعة كذلك خارجه.
الفارق بين اليهود والمسلمين، على أن يحمل الكلام هنا على وجه الإجمال المفيد لا التسطيح السجالي، هو بأنه في حين أن اليهودي المتحرر واليهودي المتدين يتساندان، فإن المسلم المتحرر والمسلم المتدين يتواجهان ويتعاديان، وظهر كل منهما مدار إلى العالم.
سبق للتوجهات الإسلامية المستجدة، ولا سيما السلفية المبنية على مذهب أهل الحديث إنما مع تضخيم هائل لمقتضياته وفق أسس الحداثة التي أنتجت قطعيات في الشرق والغرب، أن حطّمت ما استطاعت إليه سبيلاً من الإرث الفكري الكلامي والصوفي. والمسلم المتدين اليوم، على وجه العموم، من السنة والشيعة على حد سواء، ينكر الإرجاء وعلى ما يبدو يخشاه، ويبدو كأن همّه الأول هو الاقتصاص من المسلم المتحرر، والذي لا يجد بالدين كل ضالته، أو ربما حتى قليلها، أو لا شيء البتة.
أما المسلم المتحرر، فيبدو وكأن شأنه الأول هو "إصلاح" الدين، والإصلاح هنا يكاد أن يكون وحسب ذمّ ما المسلم المتدين عليه من دين.
مع أنه، وفق ما تنقله مصادر صدر الإسلام، جُعل مسلمة رحمان اليمامة "مسليمة الكذاب"، وأبو عتبة "أبا لهب"، وأبو الحكم "أبا جهل"، فالمفترض إنه من الأخلاق الإسلامية غير الخلافية مبدأ "ولا تنابزوا بالألقاب". ربما أنه من حق المسلم، مهما تشدّد في تدينه، أن يبقى مسلماً وحسب، كما يصف نفسه، لا أن يلقّب بـ "الإسلاموي" أو "الوهابي" أو "التيموي"، وألا يضيف المنفتحون إضافاتهم إلى قائمة طويلة تشتمل على الرافضي والناصبي والبكري والعمري والصفوي والقبوري.
ربما أنه ثمة درس مستفاد من التجربة اليهودية المعاصرة، وهي أنه ليس حكماً أن ينتج عن التحولات التاريخية ضياع للدين أو للمجتمع أو للهوية.
طبعاً معطيات التجربة الإسلامية مختلفة عن تلك التي صاحبت التجربة اليهودية، على أن الفارق من نواحٍ عدة هو لصالح الأولى، ليس أقلّه الحجم العددي للمسلمين، وهو إلى تزايد يستغرب معه غياب الاطمئنان إلى دينهم في صفوفهم. أو الناتج الرائد الضخم للعلوم الدينية الإسلامية، بمنهجياتها الصارمة وتأصيلاتها المتماسكة، والصالحة لأن توظّف لصالح العلم، فيما هي اليوم، كحدّ أقصى توظّف لـ "أسلمته"، في تضييع لها وله، وفي تبديد للتركيز على مواضيعه المستقلة، إلى الانشغال المتورّم بالعبودية والألوهية.
ليس سرّاً أن الإلهيات اليهودية هي وليدة الكلام الإسلامي (وأصوله بدوره تعود إلى الفلسفة اليونانية). ربما أقل شيوعاً هو أن التصوف اليهودي، أي القبالة، وإن تكلّف أهله باستشفاف أصوله في المرحلة التلمودية السابقة للإسلام، يتحاور في أسسه ومصطلحه مع التجربة الباطنية الإسلامية، إسماعيلية وصوفية، وفيه وفيها ملامح صريحة من العقيدة الأفلوطينية التي دوّنها وصنّفها في القرن الثالث للميلاد سلفنا الصالح فرفوريوس الصوري.
المستفاد من التجربة اليهودية بالنسبة للسياق الإسلامي المعاصر هو أن التعايش بين المتديّن والمتحرّر ليس هدماً للدين، وليس مؤامرة على أبناء المسلمين، وليس حقداً على الإسلام، بل من شأنه أن يجلب الصلاح للمسلمين، متدينين ومتحررين، مؤمنين ولاإلهيين، أو على الأقل أن يعفيهم من الاقتتال والتآكل فيما العالم يسير قدماً.
ثمة مئة مسلم مقابل كل يهودي على وجه الأرض. على افتراض أن سبب نجاح اليهود بهذا الشكل الرائع يعود وإن جزئياً إلى توظيف كفاءاتهم المكتسبة من التديّن في مجالات الحياة العملية والعلمية، فإن الطاقة الكامنة بمجموع المسلمين قد تصل إلى أضعاف ما تحصّل عن اليهود. الشرط الوحيد، وهو لا حاصل بذاته ولا من قادر على فرضه، هو بأن يستدير المسلمان، المتدين والمتحرر، عن المواجهة التي تستنزفهما، وأن يتساندا، وأن يكون جهد كل منهما وعمله للخير والصلاح. ليت، لعلّ، وعسى.

