ما كادت الحكومة الأردنية تلتقط أنفاسها وتخرج من "ورطة" التعديل الوزاري، وتمتص صدمة الاستقالة المدوية التي قدمها الوزير، معن القطامين، مُتهما رئيس الوزراء بالانقلاب عليه، حتى جاءت فاجعة مستشفى السلط لتزعزع أركانها، وليصبح مطلب إقالتها ورحيلها يتردد على ألسن مئات المُحتجين في الشارع، وينتقل هذا الصدى إلى قبة البرلمان.
فاجعة مستشفى السلط، أو كما سماها بعض النواب "جريمة" مستشفى السلط، تعكس أبشع صور الترهل وسوء الإدارة الذي يصل إلى الاستهتار بأرواح البشر.
هذه الجريمة تدفع للسؤال؛ هل يمكن أن يحتفل الأردن بمئوية الدولة ويتغنى رجالات السلطة بإنجازاتها، ويموت 9 أشخاص في المستشفى لأنه ببساطة لم يتزود بالأوكسجين الذي يعيش عليه المرضى؟
كيف يمكن توصيف هذه الكارثة؟ وكيف يمكن أن يحدث ما حدث في مستشفى كلف الدولة عشرات الملايين، وبه أجهزة إنذار للتحذير من تناقص الأوكسجين، ورغم ذلك تجاهلت إدارة المستشفى الوضع، وصمّت آذانها حتى وقعت الفاجعة؟
يصف النائب، ينال فريحات، ما جرى بأنه "ليس نفاذا للأوكسجين، بل نفاذا للذمة والضمير"، ويعتبر النائب عمر العياصرة "أن نفاذ الأوكسجين عنوان لأزمة الدولة، ويرى أن حضور الملك غاضبا إلى مستشفى السلط فور وقوع الحادثة تحسس للخطر، فشرعية الحكم في الأردن حقن الدماء".
في مستشفى السلط سالت الدماء، وتوجع الناس، فقد قضى الإهمال على 9 مواطنين ومواطنات كانوا يلجؤون للمستشفى لحماية أرواحهم، ولم يدر في خلدهم لحظة، أو في ذهن عائلاتهم أن نهاية مأساوية تنتظرهم في غرف العناية الحثيثة.
ما حدث يصلح كمادة فيلمية لدولة فاشلة، ولا يمكن التخيل أن يقع ذلك في الأردن، فقد كانت قبل سنوات ليست بعيدة مضرب المثل بحسن الخدمات الصحية والتعليمية، وتُصدِّر للعالم العربي أكفأ وأفضل الأطباء والممرضين والمعلمين، وتزهو بتطور وكفاءة القطاع العام، وكان الناس يتباهون بمكانتهم في الإقليم.
حادثة مستشفى السلط لحظة فارقة في تاريخ الدولة أيقظت السلطة للمآلات التي وصل لها الحال، ودفعت جموع المُحتجين الذين تحدوا حظر التجول للمطالبة بتغيير آليات الحكم وإدارة الدولة.
تداعيات مستشفى السلط لم تنتهِ بعد في الأردن، فالعاهل الأردني، الملك عبدالله الثاني، الذي أقال فورا وزير الصحة، وأمر بعدها بإقالة مدير المستشفى بعد أن عبر علانية عن غضبه مما حدث خلال زيارته للمستشفى، ترأس مجلس السياسات الوطني وأكد أنه سيحاسب كل من قصر في عمله في حماية أرواح الناس.
الحكومة التي أعلن رئيسها أنه يتحمل المسؤولية ويشعر بالخجل، وصف ما حدث بأنه كان خطأ جسيما، والمؤشرات الأولية تُظهر أن الحكومة ربما تنجو من السقوط، غير أن صورتها تلطخت شعبيا، وبنيانها تضعضع وستبقى تقف على الحافة.
مهما حاولت الحكومة شراء الوقت، أو السعي لاحتواء الأزمة، فإن الشارع يقف على أهبة الاستنفار، بعد أن مرت سنة على جائحة كورونا وحالهم يتدحرج من سيء إلى أسوأ.
فض الاحتجاجات بالقوة، واستخدام الغاز المسيل للدموع لن يُسكت الناس، فقد صبروا على قانون الدفاع وأوامره الذي قيد حريتهم تحت ذريعة الصحة والسلامة العامة، لكنهم قلقون الآن أكثر؛ فالإصابات بفيروس كورونا تتزايد، والوباء يتفشى، ومصادر رزقهم تتهاوى.
الإعلامي والكاتب الساخر، أحمد حسن الزعبي، كتب على صفحته بالفيسبوك، التي يُتابعها ما يقرب نصف مليون، بعد فض الاعتصامات بالقوة "معكم حق غاز لقمع المواطنين بس ما معكم تشتروا أوكسجين" في إشارة لاستخدام الغاز المسيل للدموع لفض الاعتصامات، وعلّق ناشر موقع خبرني غيث العضايلة "دولة فاشلة التي تُنفق الملايين لتعطيل الإنترنت وتتسول اللقاحات".
حدة النقد في المجتمع ارتفعت، حتى أن نائب رئيس الوزراء الأسبق، ممدوح العبادي، لم يتردد من القول إن "الضغط يولد الانفجار"، مُذكرا بما اعتبره تزويرا غير مسبوق للانتخابات يهيئ لانفجار شعبي، والحل برأيه توفر إرادة سياسية للإصلاح.
بعد خمس ساعات من الخطابات الرنانة تحت قبة البرلمان لم يوقع على مذكرة حجب الثقة بالحكومة سوى عدد قليل من النواب، وربما يكون هذا ما شجع رئيس الوزراء ليعقد اجتماعا للقادة العسكريين والأمنيين، ملخص نتائجه أن الدولة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام خرق أوامر حظر التجول؛ ولهذا بعد ساعات قليلة استخدمت قوات الأمن ما اعتبرته القوة اللازمة لتفريق المتظاهرين.
لا تتجه الأمور نحو الهدوء في الأردن، والأمر لا يقتصر على الغضب الشعبي بسبب كارثة مستشفى السلط، وإنما بسبب تدهور الوضع الصحي وتنامي مخاطره على الناس، ولأول مرة منذ بدء الجائحة يخرج العسكري، مازن الفراية، الذي يقود وزارة الداخلية وأُسندت إليه مهمة قيادة وزارة الصحة بعد استقالة وزيرها، ليُحذر بالقول إن "الوضع حرج وقد نصل إلى حالة وقوف المواطن أمام المستشفى ولا يجد سريرا للعلاج".
الفراية يعترف أن الوضع صعب وخطير، وبلغة الأرقام يتحدث عن تشييع 4 جنازات وتسجيل 390 إصابة بفيروس كورونا كل ساعة.
تتزامن "فاجعة" السلط مع اقتراب ذكرى 10 سنوات على أحداث 24 آذار عام 2011، التي عبرت عن أوج صعود الحراك الشعبي إبان "الربيع العربي" وصدامه مع السلطة؛ ولهذا فإن المُحتجين الحراكيين يذكرون بوجودهم، ويستنكرون في بيان لهم قمع الاعتصامات والمظاهرات السلمية التي يُعبر فيها الشعب عن حزنه على ضحايا مستشفى السلط الحكومي بسبب ما أسموه الفشل والفساد، وسوء الإدارة والإهمال، ويُعيد الحراك التذكير أن الحل بتغيير نهج اختيار الحكومات وإعداد دستور جديد.
أظهر الملك انزعاجه وعدم رضاه من الإدارة الحكومية لمؤسسات الدولة، وعهد إلى لجنة طبية عسكرية بالتحقيق في حادثة مستشفى السلط بالتزامن مع مباشرة المدعي العام التحقيق، وقراره توقيف 5 مسؤولين في مستشفى السلط نسبت إليهم تهمة التسبب بالوفاة.
حتى هذه اللحظة لا يُعرف توجهات الملك لاحتواء الأزمة إن تصاعدت بالشارع أكثر، ولا يبدو أن استبدال الحكومة بأخرى بات حلا مُقنعا يمكن أن يُنقذ البلاد التي يتقهقر فيها أداء مؤسساتها.
"أزمة حكم لا حكومات" شعار لم يعد حكرا على الحراكيين والمعارضين، وقد تسمعه بين بعض رجالات السلطة الذين يطالبون بتجديد آليات إدارة الدولة، ومروان المعشر، وزير البلاط الأسبق، يكتب في موقع معهد "كارينغي" عن انهيار منظومة الإدارة، ويُذكر أن الرقابة والمساءلة، والمحسوبية لا تجتمعان، ومنتدى الاستراتيجيات الأردني يطالب بإعادة هيكلة القطاع الصحي، وتعزيز الشفافية والمساءلة.
سواء بقيت حكومة الخصاونة أم رحلت، فالحلول للخروج من هذا النفق المظلم تحتاج لساحر، فرغم عمر الحكومة القصير، أقيل حتى الآن 4 وزراء، والمشاكل أكثر تعقيدا، ولا تُحل بتعيين وزير جديد للصحة أو العمل، فالقيادات في مؤسسات الدولة تبوأ الكثير منهم موقعه بالواسطة والمحسوبية والشللية وليس للكفاءة، والوزراء اختيروا بالحكومات استنادا لمنظومة التوازنات الجغرافية والديموغرافية والعلاقات الشخصية بالمرجعيات التي تحكم القرار، والحكومات التي تفتقر للشرعية المجتمعية لا تملك قرارها أحيانا، وتُدار عن بعد أحيانا أخرى.
وفي ظل هذه المعطيات تآكلت سمعة المؤسسات العامة، وعمّت قيم اللامبالاة، وتراجعت الخدمات المُقدمة للناس، وتعمقت المشكلة خلال جائحة كورونا، وظهرت بشكل بشع عيوب أهم قطاعين، الصحة والتعليم، في القطاع العام.
الحل بيد الملك وليس بيد الحكومة، والطريق إجباري للعرش لإعادة ترميم آليات الحكم وإدارة الدولة لتخضع إلى حوكمة رشيدة، وبعكس ذلك فإننا نقترب من حدود الدول الفاشلة.

