الطيران الإسرائيلي يقصف مواقع تابعة للنظام السوري قرب دمشق
"لم يعد القصف الإسرائيلي لمواقع إيرانية في سوريا خبرا"

لم يعد القصف الإسرائيلي لمواقع إيرانية في سوريا خبرا. وهو لم يعد خبراً ليس لأنه غير مهم ولا يؤشر إلى احتقان أو توتر، بل لأنه صار ضمنياً وعميقاً ولا يمت للوقائع السياسية وللعلاقات بين الدول المتجاورة بأي صلة. صار جزءاً من طبيعة الأشياء في مشرقنا. المواظبة الإسرائيلية اليومية على القصف، في مقابل مواظبة النظام السوري وراعيه الإيراني على الصمت والقبول. حتى العبارة الهزلية التي كان يسوقها النظام بعد كل غارة، أي "سنرد بالمكان والزمان المناسبين" لم تعد تثير الضحك، والنظام كف عن سوقها أصلاً. ضجر من تكرارها الممل.

لكن أن يصبح فعل يومي ومؤثر وموَظَفٌ في استراتيجية عسكرية فعلاً عادياً وروتينياً وغير ذي صلة بالسياسة، فهذا أمر يستدعي التأمل! من أراد لهذا الفعل أن يكون عدماً؟ وهو إذ صار عدماً، لماذا هذه المواظبة عليه، وهذا الإصرار على مواصلته؟ القول بأنه يهدف إلى تثبيت شكل الانتشار الإيراني في سوريا، وللحد من احتمال محاذاته الحدود مع إسرائيل، لا يكفي لتفسيره. للصمت وظيفة أخرى، أو أنه جزء من قبول ومن اعترافٍ بحق المعتدي. 

والحال أن موسكو، وهي راعية هذا "الحق" الإسرائيلي بالقصف اليومي على مواقع في سوريا هي من رسم هذه المعادلة الغرائبية. لإسرائيل "الحق" بالقصف، ولإيران والنظام الحق بالصمت. فعلان سالبان يفضيان إلى قبول متبادل. والقبول في جوهره فعل إيجابي. وهنا ترتسم معادلة رياضية صحيحة! احتكاك سالبين يفضي إلى نتيجة إيجابية. في الرياضيات هذه معادلة صحيحة، أما في السياسة فهي مأساة، ذاك أن القصف كفعل عنيف ودموي يصبح أمراً عادياً ومن طبيعة الأشياء، وهو موظف في سياق تثبيت مواقع شَرَين، أي شر المعتدي المواظب على القصف، وشر القابل بالقصف بوصفه شرطاً لمعادلة ثباته في السلطة وعلى الخريطة. 

لكن الأمر لا يقتصر على هذا السوء وعلى هذا المشهد البائس، فخلف الطائرة الإسرائيلية المغيرة على مواقع في سوريا يرتسم مشهد يُظهر حالاً قاتمة لمجتمعات هذا المشرق البائس. إسرائيل تتولى عبر مواظبتها على القصف تثبيت معادلة صمود النظام. ومع اقتراب موعد "الانتخابات" في سوريا، يقترع نتانياهو لبشار الأسد عبر سلاح الجو الإسرائيلي. القصف، الذي لا وظيفة له، هو جزء من ستاتيكو وجد فيه النظام ورعاته في طهران ضالتهم. لا يمكن لهذا الستاتيكو أن يصمد إذا لم تتولَ موسكو حماية بشار الأسد، وموسكو لكي تقبل بالمهمة يجب أن تكون راعٍيا لعلاقة موازية مع إسرائيل. إذاً، ووفق هذه المعادلة، لا بأس بقصف يومي تتنازل فيه الممانعة عن جزء من كرامتها، وأن تبذل ماء وجهها، ودماء بعض الجنود وبعض المرتزقة، والنتيجة هي النجاة من مواجهة أشد خطورة عليها، وكادت قبل الحماية العسكرية الروسية أن تفضي إلى هزيمتها. 

يبقى من هذه المعادلة للنقاش بعدها الأخلاقي، الذي تتقاسم السوء فيه العواصم الأربع، أي دمشق وتل أبيب وطهران وموسكو. وطبعاً فإن استحضار البعد الأخلاقي في نقاش مع هذه العواصم أمر مضحك، لكنه ضروري لجلاء هذه الحرب الغامضة. فالأنظمة الأربعة تتغذى من دماء السوريين، وهنا لا تقتصر الإشارة إلى الجنود الذين تودي الغارات بهم، بل إلى الدم السوري المراق يومياً في ذلك البلد. ذاك أن وظيفة معادلة القصف هي تثبيت القاتل في موقعه. فلولا هذا القصف لما تمكنت موسكو من رعاية المعادلة، ولولا تمكن موسكو من ذلك، لما قبلت بحماية النظام، والأخير كان ليترنح في انهياره المتواصل منذ نحو عشر سنوات.

لكن الإمعان في تخيل المعادلة يفضي إلى مزيد من الاستنتاجات المأساوية. فالقصف الإسرائيلي شبه اليومي على سوريا لا وظيفة تغيرية له. صار جزءاً طبيعياً من المشهد في هذا البلد. وبهذا المعنى، فإن هذا الفعل صار حدثاً ضرورياً لكي تستمر الأشياء بالاشتغال. صار يشبه توجه التلامذة إلى مدارسهم والموظفين إلى مكاتبهم. هذه الوقائع يجب أن تحصل لكي يكون للنظام هياكله. القصف صار جزءاً من هياكل النظام، ومن قواعد اشتغاله. نحن لا نكتب خبراً عن فتح المدارس أبوابها أمام التلامذة، بل عن إقفالها أبوابها بوجههم. وقريباً سيكون الخبر على النحو التالي: "إسرائيل لم تنفذ غارة على مواقع في سوريا هذا الأسبوع". سيكون لهذا الحدث قدرة على تفسير ما قبله وما بعده، وربما على النظام أن يخاف عندما يستشعر انكفاء إسرائيل عن وفائها بالتزامها حماية الستاتيكو الذي اعترف له بحقه في قتل السوريين.   
 

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.