المظاهرات ضد نظام الأسد بدأت سلمية
المظاهرات ضد نظام الأسد بدأت سلمية

هناك اعتقاد "واهم" في مجتمعاتنا العربية، بأن الصحفي يعرف كل شيء، وأنه تقريبا نصف نبي، قادر على التنبؤ وأحيانا "مكشوف عنه" حجاب المعلومات التي لا يراها "العاديون"، وهذه القدرة غير العادية جعلت الصحفي شخصية "غير عادية" في مجتمعات لا تفكر بطريقة "عادية". 

الصحفي، مهما كان مستواه المهني، هو شخص عادي جدا، ومعرفته تعتمد على حدود قراءته بالإضافة إلى مصادره الصحفية التي قد يستغلها أو تستغله، والصحافة مهنة في كل العالم مثل كل المهن، لكن في عالمنا العربي هي مرتبة اجتماعية لكل طامح حتى لو كان لا يملك المعرفة ولا الخبرة. 

لكن من الإنصاف القول - من خبرة شخصية- أن غير العادي في حياة الصحفي هو مواجهته للمفاجآت غير العادية في حياته، مما يجعله - وأقصد الصحفي الممتهن للمهنة فعلا- منزوعا من الدهشة والاستغراب مع الزمن. 

ومن ذلك، أني في "الحرب السورية" او "المقتلة السورية" أو الثورة التي تحولت إلى فواتير بيع وشراء، وقد صادفت عشريتها الأولى ولم تنته دمويتها حتى اليوم، دوما أواجه بسؤال في أي جلسة أو سهرة مفاده:  

أيوة يا أستاذ، متى رح تنتهي هالقصة بسوريا؟ 

هذا سؤال واجهته عشرات المرات على مدار سنوات "المقتلة السورية الموجعة" والتي قامت أساسا في وجه الطغيان والاستبداد المتوارث من الأب إلى الإبن. 

لكن أطرف ما واجهني في أحد مرات ذلك السؤال، أني كنت مدعوا لعشاء في بيت سوري كريم "وكل بيوت السوريين كريمة"، وكان من بين المدعوين شخص صنف نفسه أنه معارض، وكان مصرا على المبالغة في إبداء موقفه السياسي في مناسبة اجتماعية مثل تلك، حتى انه وبعد الغروب بقليل، قام عن مقعده وصار ينادي بتكبيرة القيام للصلاة ( مع وجود بلجيك وغير مسلمين وغير مصلين حتى)، وأنهاها بإضافة من عنده مدججة بالأدعية والابتهالات ان يقضي الله على نظام الأسد، والذي وصفه باليهودي والصهيوني والشيعي والصفوي والظالم !! 

مع استغرابي لهذا التحول المفاجيء في سهرة العشاء، لكن الحذر بدأ يتسلل مع عودة الرجل "المعارض التقي الورع" من صلاته التي قام لها ومعه شخص واحد فقط، وقد اختار الرجل أن يضع مقعدا إلى جانب مقعدي، وبعد التحية سألني: (الأستاز صحفي، مو هيك؟).  

لم أكن بحاجة إلى كثير من النباهة لأتوقع سؤاله التالي: (..أيوة يا أستاز، متى رح تنتهي هالقصة بسوريا؟). 

هذا النوع من البشر، بغض النظر عن موقفه السياسي مهما كان، أعرفه جيدا، هم ذلك النوع الذي لا يريد إجابة أصلا، هم يطرحون السؤال عليك كمفتاح لثرثرة على صيغة جواب يريدون أن تستمع إليها ولو غصبا. 

طبعا، شخصيا لا أملك إجابة على سؤاله، فأنا مثلي مثله، أبحث عن نهاية وحل لتلك المجزرة ونهاية لهذا الاستبداد في سوريا. 

وحين بدأت بالإجابة "التي أردت فيها يائسا اختصار الحديث للاستمتاع بعشاء شهي"، وقلت له أني لا أعرف متى ستنتهي، ولا أحد يمكن أن يعرف..قاطعني الرجل "الواثق بمعرفته  إلى حد ابتسامة عريضة ساخرة" بقوله: 

أنا بحكيلك أستاز ما لا تعرفه أنت ولا غيرك، وهو السر العالمي الذي تخفيه الماسونية اليهودية الشيعية. 

(نعم أيها السيدات والسادة، لقد جمع الأضداد كلها في جملته تلك بلا تردد). 

وضعت اللقمة التي كنت سأستمتع بها بعيدا عن فمي، وتهيأت لتلقي السر العالمي الذي لا يعرفه إلا مدير الكوكب وطاقم مكتبه الماسوني اليهودي الشيعي الغامض، وهذا الرجل الذي سيفضح الآن كل شيء مرة واحدة. 

أخذ نفسا عميقا ترافقه نظرة "من تحت لفوق الازدرائية"، ثم قال لي بالحرف: 

ما انتبهت إنت والصحافة العالمية تبعك إنو السر كله في كلمة واحدة هي "سلمية" التي كانت شعار الثورة في بدايتها؟ 

أجبت بسرعة: لا والله، لا تعتب على الصحافة العالمية، فهي لم تنتبه. 

فرد بثقة الحكيم العارف: سلمية، هي حيلة الماسونية وشيفرة سرية للقضاء على الإسلام في خمس دول. 

لم أندهش، فاستمر في حديثه سعيا لإدهاشي:  

(سلمية، تحمل شيفرة الماسونية الشيعية اليهودية ضد الإسلام في خمس دول، سين عن سوريا، ولام عن ليبيا، وميم عن مصر، والياء عن اليمن، والتاء عن تونس.) 

وبهمس "حتى لا يسمع احد في الكوكب السر العظيم" استطرد الرجل:  

(لاحظت معي، خمسة حروف، وأركان الإسلام خمسة!!..واضحة مش هيك؟). 

قالها لي الرجل العارف بثقة سر الكون، وأعاد ظهره على مسند مقعده بارتياح وقد فضح السر الأعظم للكوكب، مع ان ما قاله كله لم يكن أبدا جوابا للسؤال الأساسي " متى رح تنتهي هالقصة بسوريا؟"! 

وتلك كانت نهاية العشاء الذي لم أستمتع به، ونهاية علاقة لم تبدأ مع شمس المعارف الكبرى التي تمشي على قدمين وتقدم خدمة معرفة لمن لا يعرف. 

-- 

ما أردت قوله باختصار.. 

مع السنة العاشرة للثورة السورية على الظلم والاستبداد والطغيان، لا يزال السؤال " متى رح تنتهي هالقصة بسوريا؟" مفتوحا ومعلقا على ذمة كل الاحتمالات. 

الثورة التي بدأت على طغيان النظام السوري واستبداده الطويل، كشف لنا جميعا حجم الجهل والعتمة التي حجبت الوعي الإنساني، وقدمت الدجل على المعرفة، والشعوذات على المعلومات، والجهل تقدم على الوعي، والإقصائية المتطرفة على الكرامة الإنسانية. 

هذا الذي قابلته وذكرت قصته ليس حالة منفردة، بل هو خلايا "جهل" كانت نائمة واستيقظت وانتشرت، وهو مثله كثيرون من اغلبية سحقها الطغيان، هم أنفسهم وقود لاستمرار الطغيان، الذي ان سقط في صيغته الحالية، إلا انه وبجهل هؤلاء سيتشكل على صيغة أخرى تنمو وتكبر من جديد. 

نعم، هناك معارضة "حقيقية" للنظام الطاغي الذي يحكم سوريا، معارضة واعية لما تريد، وتدرك هدفها النهائي للوصول إلى كرامة إنسانية بحت. 

هذه المعارضة الواعية والمحترمة التي أراها في نماذج سورية عديدة هنا في المهجر، لم تستطع حسم ثورتها مع الطغيان منذ عشر سنوات لأنها عانت من أثقال الجهل "الجماهيري" الذي أنتجه ذات النظام "التقدمي كما أوهم نفسه والعالم". 

وحتى تنجح ثورة الوعي تلك، فإن السؤال " متى رح تنتهي هالقصة بسوريا؟" سيبقى مفتوحا حتى لو سقط نظام الأسد نفسه. 

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.