.
.

يصادف عن "حُسْنِ نيّة"، أنّي اقتنيت أكبر مرآة أنتيكا في سوق الأدوات المستعملة أو الترجمة الحرفيّة من الإنجليزيّة "سوق اليد الثانية". الفضاء العام لتجمّع الأدوات "المُستَهلَكَة". أشياء ملّ أصحابها من رؤيتها، تهالكت بصريّاً، حتّى تحوّلت لفائض لا حاجة له. أو الاحتمال الأسوأ، أداة أرشيفيّة على شكل أثاث أحياناً، تطفو عليها ذكريات غير مرغوب في اجترارها. 

أواصل الذهاب بين الحين والآخر كلما شعرت بالملل أو لتفادي يوم أحد طويل، لا لسبب واحد قائم بذاته يحدّد رغبتي المستمرّة في اكتشاف ما تم التخلّص منه، والاستيلاء عليه بثمن زهيد. بل أسباب عدّة؛ منها محاولات ترويض رغباتي السيئة بالحصول الدائم على أشياء جديدة، انساها بعد أيّام من شرائها. الأشياء الجديدة اللائقة، المغلقة بإحكام، المقدمة بطريقة مخادعة على أنها لم "تلمس" من قبل، صُنِعَت بسهولة دون مرورها على أيدي نساء وأطفال من سيئين الحظ في المقلب الآخر من كوكب الأرض مقابل دولار واحد في اليوم، أبداً، منتج لامع ونظيف صنع بإتقان خصيصاً لـ"مالكها الوحيد"، المُستَهلِك المدلّل، المُستَهلَك بجميع الأحوال. والجميع يصدق ذلك، أما أنا فأتجاهل كل هذه الانتهاكات، مبررة ذلك بأني أهرب من القضايا الكبرى، لأني تعبت من البحث وراء كل مفهوم ومعاداته. وأيضاً ما الفائدة؟ وجودنا بالنسبة إلى "الكون المعروف" لا يتعدى الـ12 ثانية، هذه الفكرة بعيداً عن التدقيق بمصداقيتها، بدأت تريحني من جميع أنواع القلق المزمن والعابر.  

يُسمّى الـ"Obsidian"، بإمكاني منحَكِ سعرا مُغريا ويغمز بعينه من وراء نظارته البرتقالية، يعجبني ذلك، أعني قدراته التسويقيّة وأدعه يسترسل. تتحوّل يده بحركة سحريّة إلى ملقط معدني ممسكاً بعناية الحجر باتجاه الضوء: "ليست حُلي أو إكسسوار قابلة للارتداء". 

لكن انظري جيداً إلى انعكاس الألوان الداكنة في باطنه، هنا تتحالف مختلف أنواع الطاقات الضوئيّة مُشكّلة بما يرغب به الجميع: السعادة.. يتلو كلماته تلاوةً تجعل من يسمعه يقتنع به كشخص مهتم بـ"بعلم الجيولوجيا"، لا بائع في سوق الأدوات المستعملة، أو "جامع" للدقة "جامع مُستَهلَكات". لكن خبير في محرك البحث غوغل. أقدّر هذا المجهود في التسويق للبضاعة بدعمها بمعلومات مثيرة للاهتمام مع القليل من الخيال والقفز فوق الواقعية. 
هذا تماماً ما افتقده في الأسواق الضخمة، المرتبة، "النظيفة". الحديث والتحديق في عيون الآخرين. التحديق المستبدل بتلك الرنّة اللعينة، الناتجة عن مسح الشيفرة المعلقة على كل قطعة، شيفرة مرقمنة بانتظار استخدامها، وليس بغرض فضح اللصوص في حال قرر أحدهم سحبها والمرور من خلال الحساس دون الدفع، بالطبع لا. 

الـ obsidian، أدون الاسم في تطبيق الملاحظات، لأعود لاحقاً للبحث عن المعلومة المثيرة التي قدمها لي جامع الأحجار.  

السَّبَج ويعني "الخرز الأسود" في اللغة العربيّة، "الخرز الأسود!" ساحرة فعلاً هذه اللغة. ماذا أيضاً؟ حجر بركاني، غير مُتَبَلْوِر. متشقّق السطح، مُبقّع بنقاط بيضاء تشبه ندف الثلج. غني بحمض السيليسيك، الحمض الفعّال في تشكيل الأحفوريات مثل الحفاظ على الأشجار والغابات المتحجرّة. "لكن أين طاقة السعادة التي تحدّث عنها البائع؟ اللعين لم يخبرني عن أيّة غابات متحجّرة، كنت اشتريته دون مساومة".

جميل، يستعمل أحياناً في صنع المرايا. مبهرة قدرة تحويل حجر خام بسطح غير متساوٍ إلى أكثر الأسطح انسيابيّة في الوجود. لكن مهلاً، أين ذهبت ندف الثلج أثناء عملية تهذيب الحجر وتطويعه؟ لم أر في حياتي سطح مرآة مُصابة بندفٍ من الثلج! 

أنظر إلى المرآة، أتذكر كلام أمي المتكرّر خلال فترة طفولتي ومراهقتي، عندما تلاحظ جلوسي الطويل أمام المرآة والتحدث إليها، مؤكدة بأن الفعل الذي أقوم به محرّم، سيودي بي إلى الجنون وإصابة عقلي بالمس من قبل الجن، الأمر الذي سيدفعني للوقوع في شهوة جسدي إذا ما تجرأت بإظهار انعكاسه عارياً، خاصة في الليل. وهذا ما حصل. 

هلع محارم التواليت.. أبريل 2020

أقف أمام الرفوف المخصّصة عادةً لعرض محارم التواليت، رفوف مرتبّة ومدروسة بدقة من الأغلى إلى الأرخص بحسب المواد الخامة المصنعة منها. "أين هي؟ لا أراها!" رفوف فارغة تماماً إلا من أسعارها. "ورق تواليت؟ لا هذه مزحة!" تخيّلت العديد من السيناريوهات فيما يخص نهاية جنسنا البشري على هذا الكوكب؛ سواء تخيّلات باجتهاد شخصيّ أو استلهاماً من الأفلام المتنبئة بالـ"الأبوكاليبس". أقلّها سيناريوهات دراميّة مفعمة بـ"حبكات تراجيديّة"، مثلاً: البحث عن يابسة تغلبّت على طوفان المياه الناتجة عن ذوبان الثلوج في القطبين بسبب الاحتباس الحراري، أو الاستماتة على الحفاظ على آخر رضيع بشري تبقى بين جموع مصابة بالعقم من كبار السن..الخ الخ. بمعنى؛ سيناريو أكثر جديّة واتزان من التدافع والتقاتل على آخر لفافة من ورق التواليت! حسنا، من الممكن أن يكون سيناريو جيد يلائم الأجواء التهكميّة المتداخلة بسياقات رمزيّة تسخر من الوجود والصور النمطيّة في علاقاتنا مع ذواتنا ومع الآخرين كما في أفلام وودي آلن. 

لا مشكلة، علينا أوّلاً أن نعترف أنّ الاتزان والمنطق في الأهوال والأوبئة أو "الجوائح" فعل شائك يتطلب عين موضوعيّة ووجود فيزيائي على مسافة أمتار من المحيط الهلع، جنباً إلى جهد ذهني ذاتي حيادي، مما يعني صعوبة فائقة لا يستهان بها.  وهنا تفسير حالة هلع كحالة الهجوم على ورق التواليت تتطلب كل ما ذكر أعلاه أو أكثر. 

للدقة، الأمر حمّال أوجه بأبعاد ومشاعر متنوعة تتمازج مع سياقات مثيرة للاهتمام، إذ أنّ الفكاهة وابتكار النكات، والمميز حوله مرغوب ومهم في فضاء مُصاب بالخوف والقلق، مع مزيج من سيناريوهات كوارثيّة متتاليّة خاصة من أصحاب نظرية المؤامرة، في حال كان اكتشاف مصل مضاد بحاجة إلى الكثير من الجهود الطبيّة والعلمية والوقت هذا إن وجد. لكن بالنظر تاريخيّاً إلى العداوات والحروب في كل بقعة جغرافيّة ماضيّاً وحاضراً، التدافع على أشياء حملناها مصادفةً حد الاستماتة_أحياناً_ مع المختلف سواء جغرافيّاً، دينيّاً أو ايديولوجيّاً أيّ كانت، للحصول على القيم الأغلى من سيطرة ونفوذ وأموال، أفعال لا تقل سخفاً وعبثيّة للحفاظ عليها وامتلاكها عن فعل النهم المرتبط بتموين لفافات ورق المرحاض، خصوصاً في الخوض ايضاً بذات السياق العبثي فيما يتعلّق بالبديهيات كالعمر البيولوجي مثلاً لأي بشري لا يزيد عن المئة عام في حال كان الحظ حليفه، هذا الرقم يستدعي التساؤل عن جدوى أي نزاع بتنوع درجاته. عبثية صراعاتنا البشريّة على اختلافها تفتح الأبواب عند وقوع الأوبئة والكوارث المشتركة بيننا جميعاً إلى الكثير من التساؤلات، منها مدى جديّة عدّة مفاهيم نتغنّى بها في كلّ مناسبة في أوقات "الرفاه والسلم" الظاهري؛ من حضارة وتطوّر ومثل إنسانيّة عُليا. إلى أن تقع كارثة أو وباء لتتحول هذه المفاهيم إلى خطاب رفاهية مقارنة بالاحتياجات الأساسيّة من طعام وماء وصحّة، وأخيراً ورق تواليت! 

يستدعي الفعل الهستيري المرتبط بتخزين ورق التواليت إلى التساؤل عن جدوى هذا التسابق العبثي في تكديس منتج لم يتجاوز اختراعه مئات السنين. بالإضافة إلى كونه لا يعد من الأساسيات للبقاء على قيد الحياة أو النجاة في حال نقص موارد تعتبر الأوليّة على حساب المنتجات التكميلية. إلا أنّه ظاهرياً يعتبر منتج مثالي. غير قابل للتلف، سهل التخزين، والاستخدام

المثير للاهتمام في هذا السياق، (كان) التسابق في الحصول على أكبر عدد من أكياس المحارم وكأنها مسألة حياة أو موت. لكن من بعيد يبدو وكأن الفايروس أصاب المتسابقين بعدوى التكديس لا أكثر. وكأنهم في محاولة للوصول إلى شعور السيطرة وسط محيط يتداعى، أعني التحكم في "نظافة" جسد مهدد بالإعياء والعدوى والموت، أمام كائن مجهري غير مسيطر عليه وغير قابل للمواجهة بالأسلحة والقصف بالطيران، وكأنها محاولة للحفاظ على واحدة من وسائل مكملات الحياة اليومية، كوسيلة واهمة للاطمئنان على وجود قدرة (وإن كانت هشة ضمنياً) في العيش برفاهية للأبد، وإن كان هذا المفهوم مهددة بالفقدان في أي لحظة، لا مشكلة، الحل في السباحة داخل بركة من لفائف الورق معاد التدوير بينما العالم يهلع.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.