في الخامس عشر من شهر مارس الجاري أعلنت الأكاديمية الأميركية لفنون السينما وعلومها، الجهة المانحة لجوائز الأوسكار، قائمتها القصيرة النهائية للأفلام المرشحة والتي تضمنت الفيلم الروائي الطويل "الرجل الذي باع ظهره" عن فئة أفضل فيلم دولي.
تزامن هذا الإعلان مع إحياء السوريين في دول اللجوء ذكرى مرور عشر سنوات على ثورتهم المصادفة في اليوم ذاته، حيث رحب بعضهم بهذا الترشيح والتزامن باعتباره فوزاً معنوياً لصلة الفيلم في قصته بأحد أشكال المعاناة التي عاشها الفرد السوري خلال العقد المنصرم.
فهل هو كذلك حقاً؟
الرجل الذي باع ظهره من إنتاج أوربي عربي مشترك 2020 وسيناريو وإخراج التونسية كوثر بن هنية، حصل على عدد من الجوائز الدولية، ومن بطولة السوري يحيى المهايني وسعد لوستان، والفرنسية ديا ليان، والبلجيكي كوين دي بو، ومشاركة النجمة الايطالية مونيكا بيلوتشي.
تستوحي بن هنية في السيناريو قصة حقيقية للفنان البلجيكي فيم ديلفوي الذي قام برسم وشم على ظهر شاب سويسري يدعى "تيم" وقدمه بين عامي 2006-2016 كعمل فني في عدد من المتاحف مقابل نسبة مئوية من مبيعات التذاكر، وتقوم بإلصاقها على ظهر شاب سوري فرّ من الرقة إلى لبنان، يلتقي مصادفة بفنان بلجيكي أميركي يعرض عليه صفقة مماثلة لرسم وشم يمثل صورة مجسمة لتأشيرة الدخول الأوربية (شنغن) مقابل تسهيل سفره للقاء حبيبته السابقة المتزوجة في بلجيكا، وعرض ظهره الموشوم كعمل فني في أكبر المتاحف الأوربية لقاء مقابل مادي سخي وامتيازات العيش برفاهية عالية.
من الواضح أن المخرجة بن هنية ركزت بمهارة وأسلوبية سينمائية فنية عالية على موضوعة تسليع الإنسان أو تشييئه ضمن نظام عالمي معقد ومتشابك، تورط فيه الفن التشكيلي وتواطئ معه بعيداً عن الأهداف السامية المناطة بالفنون، عبر تسخيرها للجسد السوري كأنموذج طازج لأي حالم باللجوء والهجرة، بات مستعداً لبيع أي شيء بما فيها إنسانيته مقابل تحقيق حلمه بالحصول على هذه الانسانية الموعودة التي ستأتي بها هذه التأشيرة بشكل شرعي أو عبر السبل غير الشرعية.
لكنها رغم النوايا الحسنة، أخفقت في مقاربتها للشأن السوري، وبدت رؤيتها له سطحية وتجارية، بحيث استخدمت بدورها شكلاً من أشكال معاناة السوريين التي باتت أشبه بالوشم المستخدم للمزادات السياسية العلنية والاستعراضات الانسانية المزيفة وسوق المتاجرة بالقضايا العالمية، وضمنته كمحتوى صيغ في نسيج الفيلم بحد ذاته، كعمل فني يعرض في المهرجانات السينمائية الدولية، سيلقى بعض التصفيق والترحيب، دون أن يساهم في التأثير المنشود والفهم الحقيقي لطبيعة المأساة السورية، وهو ما تم اختباره خلال السنوات العشر الماضية.
الحرية كقيمة سامية سالت لأجلها أنهار من الدماء، تطرح في الفيلم كحالة انتهازية لصاحبها الذي يوافق على صفقة بيع ظهره لأجل السفر ولقاء حبيبته والتنعم بالرفاهية، مسيئاً بشكل من الأشكال إلى منظمات حقوق الانسان التي تدافع عن إنسانيته، قبل اكتشافه لإنسانيته بذاته بصحوة مباغتة، ستبدو بدورها وفقاً لصفقته الجديدة، لا تقل شيطانية عن موافقته على صفقته الأولى.
من حق المبدع السينمائي أن يعيد تدوير الحقائق فنياً ويجنح في مخيلته كما يشاء، لكن المنتج المعني هنا يلامس أحد القضايا الانسانية التي مازالت تنزف، وقد يثير الفيلم حساسية وتحفظاً لمشاهده السوري، بحيث يبدو من وجهة نظره فيلماً مفبركاً غير صادق في محتواه، غريباً عن بيئته، فضلاً عن العديد من الأخطاء الرئيسة والمصادفات المفتعلة في سياقه.
منها على سبيل المثال، مشهد هروب البطل سام من نافذة غرفة المحقق في المعتقل السوري، وهو هروب غير مقنع لمن يعرف طبيعة المعتقلات ولا يحدث لافي الأحلام ولافي الأفلام. أضف إلى المصادفة الكبرى التي ستجمع البطل الهارب بفنان بلجيكي تحديداً ووجود حبيبته في بلجيكا. مع أهمية التساؤل عن معنى المشهد الذي يوحي فيه البطل سام أنه إرهابي سوري مقدم على تفجير حزامه الناسف ضمن المزاد العلني وهو الذي وافق بإرادته الكاملة على صفقة بيع جسده.
كما سيطرح المشاهد للفيلم تساؤلاً حول سبب وجود ممثلة فرنسية تلعب دور الحبيبة عبير، بحيث بدا أداؤها غير مقنع بالدبلجة العربية وبارداً للغاية في إظهار مشاعر الحب المفترض، أضف للتساؤل حول معنى مشاركة النجمة العالمية مونيكا بيلوتشتي التي لم تترك بأدائها أي أثر ملموس إلا اسمها التجاري، فيما نجح الممثل السوري سعد لوستان بدور دبلوماسي سوري بلف الانتباه كأفضل أداء تمثيلي محترف وموهوب في الفيلم للمصداقية العالية التي أداها رغم مشاهده القصيرة.
السعي للعالمية والأوسكار والوصول إلى القائمة الأخيرة أمر مشروع ومرحب به ويستحق الاشادة لأي فيلم عبر العالم وبخاصة الأفلام القادمة من دول عربية، لكنه لا يعني أن الفيلم منزَّه أو قابل للإعجاب فقط لأنه توافق مع الذائقة العالمية بشكل أو بآخر.

