بايدن بوتين

هي ليست الانتكاسة الأولى، وعلى الأرجح لن تكون الأخيرة، في العلاقة ما بين البلدين، لكنها بدأت تأخذ طابعا شخصيا، سيترك أثره على شكل ومضمون القرارات التي ستتخذ من الجانبين في المرحلة المقبلة. فما قاله الرئيس الأميركي جو بايدن عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليس زلة لسان، وما تعليق البيت الأبيض حول موقف الرئيس إلا ليؤكد ذلك. وهذه ليست المرة الأولى التي يعبر فيها بايدن عن رأيه الخاص في نظيره الروسي. ففي آخر لقاء جمعهما في موسكو سنة 2011 خاطب بايدن بوتين قائلا "لا أجد لديك روح".

بالنسبة للنخب السياسية والأمنية الروسية، فإن تصريح بايدن قطع الشك باليقين بأن انتخابه يتعارض مع مصالح روسيا، ويُشكل خطرا على شكل العلاقة بين البلدين بسبب تمسك بايدن بمفهوم الاستثنائية الأميركية وتفوقها، واستعداده لحمايتها من أي تدخلات خارجية خصوصا عبر الإنتخابات الرئاسية. ففي رأي الإنتلجنسيا الأميركية أن محاولات موسكو التأثير في الإنتخابات ضد بايدن كانت بمثابة هجوم استباقي روسي لتجنب مواجهة سياسية مناهضة لروسيا مستقبلا، فتقدير المخابرات المركزية الأميركية حول التدخل الروسي بالانتخابات يرى "أن القادة الروس رأوا انتخاب الرئيس بايدن المحتمل على أنه غير مواتٍ للمصالح الروسية وأن هذا دفع جهودهم لتقويض ترشيحه". فهدف الكرملين كان إضعاف مكانة الولايات المتحدة على الساحة الدولية عبر التأثير على سياساتها الخارجية.  

تعتقد موسكو أن الإدارة الحالية لن تسمح لها بمزيد من المنافسة الجيوسياسية، وتريد أن تضع حدا لتوسعها الاقتصادي في أوروبا، لذلك من الممكن أن تكون هناك عقوبات إضافية على مشاريع نقل الغاز الروسي إلى أوروبا، وجرّ الناتو إلى مواجهة في أوكرانيا وممارسة ضغوط في بيلاروسيا، ودفع أنقرة إلى تحديد خياراتها في القوقاز وشرق المتوسط. 

بالنسبة لموسكو، فان الدولة العميقة (الاستابلشمنت) ستعيد تكرار تجارب سبعينييات القرن الماضي، والتي شهدت حينها تدهورا في العلاقات الثنائية وفتح مجالات واسعة لمواجهة غير مباشرة جرت على أراضي طرف ثالث كان أبرزها في أفغانستان.   

في تلك المرحلة كان تركيز واشنطن على التواجد السوفياتي في أفريقيا والشرق الأوسط وكوبا، وكيفية تقويضه، واستفزاز المؤسسة العسكرية الروسية وهوسها بتحقيق التفوق الإستراتيجي ما أدى إلى سباق تسلح تقليدي ونووي مُكّلِف، ومنافسة حلف وارسو في أوروبا، إضافة إلى التصعيد الممنهج حول سجل حقوق الإنسان في الاتحاد السوفياتي، والانفتاح على الصين بهدف محاصرة موسكو.

المربك بالنسبة للكرملين أن الإدارة الأميركية الجديدة  أقرب في تعاطيها مع موسكو إلى تلك الحقبة التي لم تعد فيها موسكو تشكل خطرا وجوديا عليها، إلا أنها وفي طريقها إلى المواجهة الاقتصادية مع بكين تخطط أولا إلى عزل موسكو ومحاصرتها بهدف إخراجها من المعادلة، عبر إعادة تعزيز العلاقات عبر الأطلسي، وتعهدها بحماية أوروبا من التهديدات الروسية الأمنية العسكرية والاجتماعية، وإعادة إحياء رباعية المحيط الهندي - الهادي (أميركا، أستراليا، الهند واليابان) ورفض التفاهم حول سوريا وإيران وليبيا وكل ما يتعلق بالمجال الحيوي الروسي.

انفعال الرئيس بايدن وتقرير الأجهزة الأميركية حول تدخل موسكو في الانتخابات يكشف عن صراع أخلاقي بينهما، باعتبار أن موسكو تشكل خطرا على القيّم المدنية والليبرالية وحقوق الإنسان التي تتبناها واشنطن، وهذا ما يكشف عن تناقض صريح بالأفكار، قد يستخدم كغطاء عقائدي في صراعاتهما المقبلة، خصوصا وأن النخب الروسية تتحدث عن مقاربة ثقافية تتعارض مع أفكار المؤسسة الأميركية ولا يمكن مهادنتها.

وفي هذا الصدد كتب إيغور بشينيتشنيكوف، في صحيفة "إزفيستيا" مقالا تحت عنوان (مريض أميركي) قال فيه "من وجهة نظر العقل السليم، فإن تصريح بايدن وأي شيء تفعله المؤسسة بيديه مجرد هراء، بل هو أشبه بهوس ديني تعانيه المؤسسة الليبرالية الأميركية، إذا صح التعبير. وهذا، للأسف، مرض لا يعالج، وما علينا إلا أن نأخذ هذا في الحسبان ونكون مستعدين لتفاقم جديد لهذا الهوس الذي يعانيه المريض الأميركي".

مما لا شك فيه إن توصيف بايدن لبوتين قد استفز الهيبة الروسية المرتبطة عضويا برمزية بوتين، الذي تمنى الشفاء لبايدن في رده الهادئ عليه، هذا الهدوء يعود إلى دراية روسية بأن الأزمة مع واشنطن ستحدث عاجلا أم آجلا، وقد تأخذ أشكالا مختلفة، لكنها لن تصل إلى مواجهة مباشرة، لذلك تتصرف موسكو وكأن ما حدث لم يكن مفاجئا ولم تلجأ إلى التصعيد، واكتفت باستدعاء سفيرها وليس سحبه بانتظار ما ستقوم به واشنطن من خطوات مستقبلية لا تبدو أنها إيجابية.

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.