في ليلة غائمة من آخر أيام شتاء كوروني حزين، حدثت الجريمة. انتشر الخبر بسرعة انتشار النار في الهشيم. رددت صداه مواقع التواصل الاجتماعي، ونقلته جرائد وصحف إلكترونية عديدة. بما فيها المعروفة بالرصانة والمهنية. وتوحدت صيغة الإخبار، إن إعلان الوفيات مهما تعدد يتشابه، والموت واحد. وكان أن حظي النعي برواج وطني ودولي، حتى أن موسوعة "ويكيبديا" سارعت إلى إضافة تاريخ الوفاة إلى سيرة القتيل.
أما القتيل فلم يكن شخصا عاديا، والقاتل كان ماهرا، لم يترك أثرا لجريمته، بل ترجل وتسلل بين الجموع المشيعين.
لم يسأل أحد عن احتمال أن تكون الوفاة ناتجة عن جريمة قتل متعمد، بل سارعوا إلى إنجاز عملية حسابية بطرح عدد سنة الوفاة من عدد سنة الميلاد، واستنتجوا أن لا مدعاة للبس والحزن الشديد، فتلك سنة الحياة. إن الرجل كبر وشاخ، وربما فات بقليل معدل الأعمار المفترض لدى البشر في هذا القرن، في هذه البقعة من العالم.
في الحاجة إلى شهادة الحياة
لم يمر وقت طويل حتى رن هاتف القتيل، وقيل إنه كان يجلس ببيته في الحي الراقي بالعاصمة أمام شاشة التلفزيون، يتابع أحداث فيلم سينمائي أميركي على "النتفليكس". لما سمع الطرف الآخر صوت الضحية اكتفى بالسلام والاطمئنان عليها ولم يجرؤ على الإفصاح فانسحب منهيا المكالمة. ثم عاد الرنين من جديد. مكالمات "مقَنَّعة" من غير اسم ولا رقم، لذلك فهي حكمت على نفسها، لا تحتاج بالضرورة إلى رد. ثم ظهر متصل آخر، صريح هذه المرة ومن المقربين، حل لغز الاتصالات المتكررة الغامضة وغير المعتادة، خصوصا في مثل تلك الساعة من الليل. تحدث المتصل الصريح بوضوح العبارة عن سبب اتصاله. وسأل القتيل:
- هل بلغك الخبر؟
ثم أردف:
- إن القوم يحتفلون بقتلك الليلة ويتباكون!
بعدها اتصل بعض المنتسبين إلى الصحافة يطلبون من القتيل تصريحا رسميا ينفي واقعة قتله. تبسم القتيل نصف ابتسامة واعتذر، ثم أغلق الهاتف ليعود لاستكمال مشاهدة أحداث فيلمه الأميركي، وربما كان فيلم جريمة وإثارة أكثر حرفية ومهارة من السيناريو الرديء لجريمة تصفية القتيل المعني.
أليست هناك صيغة أخرى، أو أسلوبا آخر ليؤكد الإنسان أنه حي يرزق؟
أمن الضروري الذهاب إلى عون السلطة "المقدم" وطلب مساعدته التأكيدية من أجل استخراج وثيقة "شهادة الحياة"؟
وإذا كان ولا بد، فما هي الجدوى من ورائها؟
لكن، عذرا..! هل نحن حقا أحياء؟ وما معنى الحياة؟
قتل متكرر
اعتدنا أن الإشاعات تستهدف المشاهير، وبالأخص منهم الفنانين ونجوم الطرب والتمثيل والرياضة. لكن كيف تمتد الإشاعة إلى المفكرين والكتاب، الذين غالبا ما ينزوون إلى كتاباتهم وتآليفهم بعيدا عن الأضواء والصخب.
لم تكن المرة الأولى التي يقتل فيها صاحبنا عمدا ليسيل دمه حبرا أسودَ التهمته الصفحات المتناسلة عبر شبكة العنكبوت. فقبل أسابيع معدودة انتشر خبر نعيه، وإن بمستوى أقل حدة، مقارنة بالقتل الثاني. وكان أحد الأدباء والمؤرخين المتخصصين في تاريخ منطقة الجديدة، نشر نعي وفاة شخص اسمه عبد الله العروي يعمل موظفا بقطاع الفلاحة، وتجنبا للالتباس أرفق صورة المتوفي بالنعي. لكن القتلة أهملوا الصورة وأبوا إلا أن ينسبوا الوفاة إلى شبيهه في التسمية، وبدلوا الصورة بصورة عبد الله العروي المفكر.
إنها لوثة السبق الصحفي، وقد أصبحت في زمن مواقع التواصل تجذب حتى البعيدين عن مهنة المتاعب. وما دام الأمر يتصل بالموت، فالحديث النبوي أوصى بأن "إكرام الميت التعجيل بدفنه". فلماذا لا يكون "التعجيل بنعيه" أيضا. فإن كان نعيا صحيحا فلهم أجران، وإن كان غير صحيح فلهم أجر واحد مجز من مستهلكي الخبر الزائف.
إنها المرة الثانية في غضون أسابيع. لقد تبين أن هناك سبقٌ وإصرار متعمد عن قصد لتصفية المفكر والمؤرخ والأديب الروائي عبد الله العروي.
فتش عن المستفيد!
بعد تكذيب الخبر ونفيه من لدن مصادر موثوقة، بينها ناشر كتب وأعمال صاحب: "الإيديولوجيا العربية المعاصرة"، سارع الناعون إلى سحب منشوراتهم، واللبيب منهم قدم العذر وألقى باللائمة على من جاءه بالخبر الزائف. لكن من هو هذا اللعين الذي يتسلى بالقتل وإزهاق الأرواح قبل أوانها. لا أحد تمكن من ضبطه والكشف عن هويته الحقيقية، وليس من المستبعد أن يكون القاتل أيضا من بين زمرة المعتذرين والمستائين من هذه القصاصة المسيئة، التي يبقى وصف الدناءة قليلا في حق مرتكبها. إنه يتلذذ بجريمته، كيف لا وقد انطلت لعبته المسلية على كثير من المواقع والحسابات والصفحات الخاصة التي أوقعها في شباك إشاعته المغرضة. واستنكر عدد كبير من المغاربة ترويج شائعة وفاة عبد الله العروي، مستغربين تعميمها بهذه السرعة قبل التأكد، ومتسائلين عن خلفيات ذلك.
تساءل الشاعر صلاح بوسريف في افتتاحية صحيفة "المساء" الصادرة بالدار البيضاء: "هل في هذا الاغتيال الرمزي رغبة في القتل الحقيقي، وكأن العروي لم يعد يحتمل الحياة، وثمة منا من يسعى إلى إخراجه من وجوده قبل أوانه!".
من جانبه وصف محمد الشرقاوي (الأستاذ بجامعة جورج ميسون في واشنطن) على صفحته بالفيس بوك، ما حصل ب"الوضاعة والتفاهة وانحدار لدى بعض الجهات ب"الترويج مجددا لخبر "وفاة" أحد الرموز المغربية لفكر الحداثة للمرة الثانية خلال أسابيع قليلة".
وبدوره تساءل الشرقاوي عن: "ما هي المكاسب غير المعلنة من الاستثمار في الترويج ل"وفاة" الأستاذ العروي؟ هل حان الوقت للانتقام من صاحب الطرح النقدي في تطور الدولة وإعادة تركيب التاريخ المغربي؟".
أما الباحث منتصر حمادة فتوجه بالإدانة إلى ما سماها ب"مواقع الرداءة"، مناديا بعدم التسامح مع نشرها للخبر الزائف حول عبد الله العروي، متوجسا من تكرار نفس الرداءة مع أسماء أخرى. "لا يوجد أفضل من كشف هذه المواقع، والدعوة إلى مقاطعتها. فقط، لا غير. المسألة جدية وليست للهزل". متمنيا أن يتم حصر لائحة المواقع التي نشرت الخبر الخاص بعبد الله العروي، وأن تكون هناك مقاطعة حقيقية وصارمة لهذه المواقع، خاصة أنها لن تنشر أي اعتذار عن هذه الرداءة والحضيض واللعب بأعصاب الرأي العام.
وسارعت مجموعة من الفاعلين الثقافيين والباحثين والكتاب المغاربة إلى تحرير بيان استنكاري موجه إلى الرأي العام الوطني والدولي، ينتقد بشدة "الطريقة التي تتعاطى بها أشباه المواقع الإخبارية مع خصوصيات حياة وصحة الأستاذ الجليل ومعلم الأجيال عبد الله العروي". دون احترام لميثاق وأخلاقيات المهنة. "مما يسيء إلى صورة المغرب".
موت المثقف
تحول النقاش إلى الحديث عن الصحافة المغربية، وعن وجوب إعادة الاعتبار للرسالة الإعلامية، وإنقاذها من المنزلقات الخطيرة التي توجد على حافتها اليوم، بسبب سوء استغلال الإعلام الرقمي في ما يمنحه من فائض المساحة لصنع الإشاعة. يتعلق الأمر هنا بعدة مواقع نشرت الخبر دون التأكد منه، متلاعبة بأعصاب الجميع.
وذهب آخرون إلى درجة التخوين لمن وراء مثل هذه الإشاعة. تأسيسا على ما يسمى بنظرية المؤامرة. واعتبر مدون أنها محاولة يسعى أصحابها إلى تهريب النقاش العمومي وتحويله إلى قصص تخص الأفراد.
وتوالت التعليقات المهاجمة التي لا تضع بعين الاحتمال أن يكون الأمر مجرد تداول إشاعة من غير تحرٍّ وتدقيق. لكن تكرار الظاهرة جعل الكثيرين يشككون في نزاهة المواقع الصحفية، حيث يقول قارئ: "إن الظاهرة تتكرر مع أسماء من مجالات أخرى، وأن هذا يؤكد على أن الإعلام لدينا أصبح بحد ذاته إشاعة".
الإنترنت نال حقه من الانتقادات واللائمة، بالرغم من أن بإمكان رواد الشبكة العنكبوتية التريث والتروي والقيام بمراجعة المعلومات، وهي متوفرة بمجرد دخول محركات البحث، بدل الوقوع في شرك الشائعات المغرضة والأخبار الزائفة. وسبق للمفكر عبد الله العروي، في محاضرة افتتاحية ألقاها بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، (8 يناير 2020)، أن صرح أن "الأمية الرقمية قد تكون أسوء من الأمية الحرفية".
لا ريب أن الشائعة، حتى ولو لم تكن متعلقة بخبر وفاة كاذبة، تعد نوعا من القتل الرمزي الموجه لمستهلكي الإشاعة في الصفوف الأمامية. فالإشاعة أشد فتكا من الوباء، بل هي وباء "يسبق غالباً أيّ سقوطٍ أو انهيار"، حسب عالم السوسيولوجيا الفرنسي جان نويل كابفيرير. وهي علامة انحطاط للمجتمعات التي تنتشر بها.
كان من الأجدى مناقشة موضوع موت المثقف وابتعاده عن قضايا المجتمع الراهنة، بدل نشر شائعة وفاته بغاية تصفية حسابات سياسية وثقافية من وراء "موته" المفترض.
وللتخفيف من وقع الإساءة الناجمة عن القتل الرمزي لأحد الرموز المغربية والعربية، سخر أحد الظرفاء مما يحدث، وقال: "لعلها من الآثار الجانبية للقاح أسترسنيكا"...
