الأردن فشل لثلاثة عقود  في معالجة مشكلتي الفقر والبطالة
الأردن فشل لثلاثة عقود في معالجة مشكلتي الفقر والبطالة

لم يكن لدينا، نحن الجيل الذي تفتح على العمل السياسي في سبعينات القرن الفائت، عقد انتشار "الظاهرة اليسارية" عالمياً، من موضوع أثير على قلوبنا، نقتله بحثاً وسجالاً، مثل موضوع "الثورة بين الذاتي والموضوعي"، وخصائص "اللحظة الحرجة"، التي تصبح معها " الثورات قاطرات تجر التاريخ"، فإن تقدمت عن موعدها أو تأخرت، حلّت الطامة الكبرى.

ولم نكن نجد خارج "المكتبة اللينينية"، ما يشفي غليلنا المعرفي، ويحكم بيننا في لحظات التباين والافتراق، شأننا في ذلك، شأن أي "سلفي" من أبناء هذه الأيام، يُغنيه عن كل معرفةٍ وعلمٍ واجتهاد، "نصٌ" مبثوث في بطون الكتب القديمة.

ما لم نكن نبوح به، وتطلب منّا سنوات لتملّك الجرأة على الإفشاء به، أننا في بعض سجالاتنا، كنا كمن يبحث عن "علائم الساعة"، ويترصد ظواهر أسطورية خارقة، تشير إلى اقتراب "البعث "و"الحشر العظيم"...فـ"الشروط الموضوعية" للثورة التي كنّا نستعجلها، لم تكن "مطواعة" بالقدر الذي نشتهي، دع عنك البؤس المقيم، الذي خيّم على "الشرط الذاتي" للانقلاب التاريخي، ما أبقانا في حالة انتظار نزق، ندور في متاهة "الذاتي والموضوعي".

مناسبة هذا الاستذكار، ما نسمعه هذه الأيام، من دعوات للثورة والتثوير، من خارج حدود الأردن، وأحياناً من داخله، تحث على التمرد والعصيان، وتحدي الجائحة المتفشية، ومن دون أن يبذل أحدٌ أي جهد أو عناء للتمييز بين الثورة والفوضى.

لكن دعونا بادئ ذي بدء، أن نعترف بأن ثمة أزمة في الحكم والحكومات في الأردن، "أزمةٌ من فوق"، إن لم نعترف بوجودها، فلن نجد مخرجاً مما نحن فيه وعليه: فشلٌ في استئصال مظاهر الفساد المالي والإداري، وإخفاق في التنمية والتوزيع العادل للدخل والثروة، الفجوة الطبقية في اتساع، وهي كالمقص، كلما تباعدت شفرتاه، كلما ازداد خطورة، جائحة اقتصادية تعتصر البلاد والعباد، برغم مرور أزيد من ثلاثة عقود على بدء برامج التصحيح والإصلاح الاقتصاديين، فشل ظاهر في معالجة مشكلتي الفقر والبطالة، فكلما أكثرنا من إطلاق الوعود بحلهما، كلما ازدادتا تفاقماً، مديونية في ارتفاع ومعها عجز الموازنة، وعبء ضريبي من الأعلى في العالم، وجيوب المواطنين لم يعد فيها، ما يدعم موازنة الحكومة وإيراداتها، وليس هناك "عملة صعبة" ولا "سهلة"، نغذي بها مستورداتنا ومدفوعاتنا، وواحد من كل اثنين تقريبا من شباب "جيل الانتظار"، لا يجد عملاً ويصعب عليه رسم خريطة طريق لمستقبله.

لتأتي "الجائحة، فتوقظنا على أسوأ كوابيسنا، كثير من مظاهر الفشل والتراجع ألمت بقطاعاتنا، بما فيها القطاع الصحي، الأكثر حيوية في هذه الظروف...أرقام الوفيات والإصابات في ارتفاع قياسي والمشافي تنوء بأحمالها، والفيسبوك يتحول إلى "صفحة وفيات" اشتهرت بها الصحف الأردنية تاريخياً...وفيما القلق وانعدام اليقين، يقرع أبواب كل أسرة أردنية، تقف الدولة حائرة أمام سؤال: أية موازنة بين "الصحي" و"الاقتصادي" في قراراتها وإجراءاتها؟

وثمة أزمة سياسية مضافة، نجمت عن المراوحة في ذات المكان، إذ برغم مرور أكثر من ثلاثين عاماً على استئناف الحياة الحزبية والبرلمانية في البلاد، ما زلنا في جدل حول "جنس الملائكة"، ونقف عاجزين عن الإجابة على سؤال: بِمَ نبدأ؟ ...والفضاء العام الذي انفتح على مصراعيه مع بداية الربيع العربي، عاد للانكماش من جديد، أزمة لم تهدأ في علاقة الدولة بالإخوان المسلمين، ومشكلات لا تُحل مع النقابات المهنية والمجتمع المدني، وآخرها: أزمة نقابة المعلمين.
ويزيد المشهد تعقيداً، الشعور بعجز الدولة عن "المبادرة" وتحقيق الاختراقات على أي من هذا المسارات الحيوية الثلاثة: الوبائية والاقتصادية والسياسية...ومن أسفٍ، فإن حالة العجز الموصوفة، لا تعود لنقصٍ في المعرفة والخطط والاستراتيجيات والبرامج، بل لنقص في الإرادة والكفاءة على حد سواء...نقص في الجرأة على تسمية المشكلات بأسمائها، والتصدي بلا تردد للحلول الجذرية الشاملة، التي وإن ارتفعت كلفها في البدء، إلا أنها وحدها، تفتح طريق الخلاص للأردن والأردنيين.

في المقابل، ثمة "أزمة في القاعدة"، حالة الغضب والاحتقان التي تعيشها "الجماهير" الأردنية، غير مسبوقة، وأشكال التعبير عنها، من تمرد على قوانين الدفاع وحظر التجوال، فضلاً عن السقوف المرتفعة لشعاراتها، لا تنتمي إلى الأشكال التقليدية المعروفة، للتعبير عن الغضب والاحتجاج، تغذيها بالطبع، صرخات ودعوات غرائزية، ظاهرها فيه الرحمة وباطنها فيه العذاب.

والأخطر من كل هذا وذاك، أن منسوب الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة على اختلافها، يسجل أدنى مستوياته...وثمة أزمة ثقة بين المواطنين أنفسهم، في تآكل متسارع وخطير لرأس المال الاجتماعي، وتلكم بحد ذاتها، مسألة تستدعي التوقف والتأمل.

إذن، هي "أزمة عامة مركبة"، من فوق ومن تحت، تدفعنا للعودة مجدداً للسؤال عمّا نحن مقبلين عليه، وكيف ستتفاعل الأحداث والتطورات، وأين ستنتهي...هنا، يمكن المرور، ولو بعجالة، على مكونات القوى والأطراف المؤثرة في صياغة الرأي العام والمُشكلة لاتجاهاته وتوجهاته: "فرسان الجملة الثورية" من نشطاء السوشيال ميديا وخبراء البث المباشر، شعبويون باحثون عن مطمع ومطمح، أحزاب هزيلة، وقوى إسلامية لم تخرج بعد، من أزمات "ما بعد الربيع العربي"، مجتمع مدني مبعثر، وبأجندات ضامرة، تصوغها مصادر التمويل، ولا تتماشى بالضرورة مع أولويات الأجندة الوطنية، طبقة وسطى تجاهد في سبيل الاحتفاظ بمكانتها، ومن دون نجاحات تذكر، نقابات مهنية، منهكة بعد سنوات من الصراع مع الحكومات المتعاقبة حول "المهننة" و"التسييس"، نقابات عمالية في غيبوبة طويلة، بنية عشائرية – حمائلية منتفخة، تجعل الحديث عن "مشروع وطني مدني ديمقراطي"، ضرباً من التمني.

في هذه المناخات، نستحضر ما كان غائباً عن سجالات السبعينات: "سيناريو الفوضى"، فالدعوة للثورة في الحالة الأردنية، ترفٌ فائض عن الحاجة، وهي ليست مطلباً شعبياً أردنياً على أية حال، وستفقد شرطيها، الذاتي والموضوعي، إن استيقظ أهل الحكم والنظام على "قرع ناقوس الخطر"، واستعادوا بعضاَ من المبادرة والمبادءة، واستجمعوا الجرأة والشجاعة على تسجيل اختراقات على مسار التصحيح والإصلاح...ثم، أن أحداث العقد الفائت، أثبتت بالملوس، أن "التغيير" وليس "الثورة" هو ما ترغب به غالبية الأردنيين، وإن إصلاح النظام، وليس إسقاطه، هو الشعار الذي حكم توجهات الشارع الأردني، بخلاف ما كان يحصل في كثيرٍ الشوارع العربية.

كل هذا صحيح، حتى الآن على الأقل، لكن ما هو صحيح كذلك، أن المجتمعات المفقرة والغاضبة، قد تنزلق من حيث لا ترغب، إلى سيناريوهات لا تحمد عقباها، ومن بينها سيناريو الفوضى، فهل يظنن أحدٌ أن الليبيين أو اليمنيين أو السوريين، قرروا السير بأقدامهم نحو منزلقات الفوضى والخراب؟ ...حالة الإحباط والاحتقان، يمكن أن تذهب بدول ومجتمعات إلى حيث لا تشتهي، سيما بوجود أطراف متربصة، لها مصلحة عميقة، في إعادة رسم خرائط الجغرافيا والديموغرافيا.

وبغياب الحوار الوطني، الشامل والجدي، فإن لعبة التلاوم بين السلطة والمعارضة، قد تُجهز على الطرفين معاً، ومن ورائهما الشعب برمته، وقد تفتح الباب رحباً أمام "أطراف ثالثة ورابعة" لملء الفراغ...ولا يكفي هنا أن نتحدث عن "أجندات مشبوهة" داخلية أو خارجية، أو نلقي باللائمة على "الفتن النائمة" ونكتفي بلعن من أيقظها...فما لم تبادر الدولة، إلى إطلاق مشروع وطني، يملأ الفراغ، ويبدد الاحتقان، ويمد جسور الثقة مع المواطنين، ويعيد "رسملة" رأس المال الاجتماعي الأردني، فلن يكون الانزلاق إلى "سيناريو الفوضى"، مستبعداً أبداً.

لقرابة خمسين عاماً، وأنا أتابع شخصياً، تطورات المشهد الأردني بمختلف تعقيداته، ولا أذكر أن البلاد والعباد، قد مرّوا بظرف مشابه لما يمرون به هذه الأيام...بيد أنني، لاحظت، أن "عقل الدولة وإرادتها"، غالباً ما كانا يستيقظان ويتحركان بقوة ونشاط، قبل فوات الأوان، وأن منسوب المسؤولية والحس الوطني الرفيع عند الأردنيين، الذي بنوا وطناً ودولةً على خطوط التماس مع مختلف أزمات المنطقة وحروبها وصراعاتها، غالباً ما كان يتغلب على مشاعر الغضب والإحباط...على هذين العاملين أراهن، وهما وحدهما، ما يُبقيان جذوة الأمل مشتعلة.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!