الانتقادات الصينية والروسية للولايات المتحدة معروفة وقديمة
الانتقادات الصينية والروسية للولايات المتحدة معروفة وقديمة

شهد الأسبوع الماضي مواجهات سياسية وإيديولوجية ولفظية بين الولايات المتحدة من جهة وروسيا الاتحادية والصين من جهة أخرى عكست عمق الخلافات بين واشنطن وخصميها البارزين في العالم، كما عكست طبيعة التنافس بين الديمقراطية الأميركية والأوتوقراطية الروسية والصينية، وكيفية تفسير كل دولة لتاريخها وتاريخ غيرها، وصعوبة تخطي الخلافات الراهنة.

من الواضح أن الجانب الأميركي، الرئيس بايدن في انتقاداته القاسية لبوتين، ووزير الخارجية أنتوني بلينكن في انتقاداته القوية للصين خلال لقائه مع نظيره وانغ يي في ولاية ألاسكا، هو الذي بادر بالتصعيد لأكثر من سبب من بينها رغبة بايدن بأن يوضح لروسيا وللعالم أنه يختلف جذريا عن سلفه دونالد ترامب وأن مرحلة "التراجع" الأميركي في وجه روسيا قد انتهت.

الوزير بلينكن أراد أن يوضح للصينيين أن واشنطن ستعزز من تحديها لسياسات الصين التوسعية في شرق آسيا، وأنها ستضع انتهاكات الصين لحقوق الإنسان في التيبيت وهونغ كونغ وضد المسلمين الصينيين في مقاطعة شينغيانغ في طليعة أهدافها بالتعامل مع الصين. الرئيس بايدن وافق على وصف بوتين "بالقاتل"، وتعهد، في مقابلة مع شبكة التلفزيون إيه بي سي بإرغام بوتين على "دفع ثمن" تدخله في الانتخابات الرئاسية الأخيرة لصالح دونالد ترامب.

توقيت موقف إدارة بايدن القوي تجاه الصين يهدف من جملة ما يهدف إليه تحصين بايدن ضد انتقادات الجمهوريين خلال الحملة الانتخابية وبعد وصوله إلى البيت الأبيض من أنه سوف يعتمد سياسية معتدلة تجاه الصين.

إثارة بايدن وبلينكن لانتهاكات حقوق الإنسان في روسيا والصين، أدت إلى سجال علني فلسفي وسياسي حول طبيعة النظام السياسي والتجربة التاريخية للولايات المتحدة، مقابل الطبيعة الأوتوقراطية والقمعية للنظامين الحاكمين في بكين وموسكو.

عندما وافق بايدن على وصف بوتين بالقاتل، فإنه كان يشير ضمنا إلى التهم الموجهة لبوتين من منظمات حقوق الإنسان في العالم بأنه حاول قتل المعارض الروسي المعروف أليكسي نافالني من خلال تسميمه، قبل سجنه، وإلى سجل بوتين الدموي من محاربة الثوار الشيشان، إلى العدوان ضد أوكرانيا، وقصف الطيران الروسي للمدنيين في سوريا. الوزير بلينكن أشار في انتقاداته لانتهاكات الصين ضد حقوق الإنسان، إلى ما أسماه "حرب الإبادة" التي يتعرض لها المواطنون الأويغور المسلمون في شينغيانغ. ويقدر عدد المسلمين الذين وضعتهم السلطات الصينية في معسكرات بهدف "تثقيفهم" وإبعادهم عن دينهم بأكثر من مليون نسمة.

الرئيس بوتين رد على اتهامات بايدن بإثارة تاريخ انتهاك حقوق السكان الأصليين في أميركا، ووصف ما حدث لهم بحرب الإبادة، كما اتهم الولايات المتحدة بالقتل المتعمد للمدنيين في اليابان عندما قصفت مدينتي هيروشيما وناغازاكي بالقنابل النووية في الحرب العالمية الثانية، إضافة إلى تاريخ الرق في الولايات المتحدة، وربط بين هذا الإرث والتظاهرات الاحتجاجية في الصيف الماضي للأميركيين من أصل أفريقي.

المسؤولون الصينيون اعتمدوا أسلوبا مماثلا لبوتين، واتهموا الوزير بلينكن ومستشار الأمن القومي جاك سوليفان بالخبث حين ينتقدون حقوق الإنسان في الصين ويتجاهلون مشاكلهم الداخلية مثل العنف ضد الأميركيين من أصل آسيوي وغيرهم من الأقليات الإثنية وما حدث من أعمال عنف بعد الانتخابات الرئاسية الاخيرة، والتظاهرات الاحتجاجية للأميركيين من أصل أفريقي كما قللوا من أهمية الديمقراطية الأميركية كمثال يحتذى به.

الوزير بلينكن رد قائلا إن الأميركيين لا يتجاهلون مشاكلهم، بل على العكس يمارسون النقد الذاتي، مضيفا "ارتكبنا الأخطاء، واتخذنا خطوات إلى الوراء، ولكن ما فعلناه في تاريخنا هو مواجهة هذه التحديات، بشكل مفتوح وعلني وشفاف، وليس بتجاهل هذه المشاكل والتظاهر بأنها غير موجودة".

وتابع بلينكن "أحيانا الأمر مؤلم، وأحيانا بشع، ولكن في كل مرة، كنا نخرج (من المراجعة النقدية) أقوى وأفضل مما كنا وأكثر اتحادا كدولة". وأضاف بلينكن أن أهم ما يميز الولايات المتحدة "هو ذلك السعي المستمر من أجل اتحاد أكثر كمالا، وطبيعة هذا السعي تجعلنا نعترف بأننا غير مثاليين". وكان بلينكن بهذه العبارة يشير إلى الفقرة الأولى من الدستور الأميركي التي جاء فيها “نحن شعب الولايات المتحدة، رغبة منا في إنشاء اتحاد أكثر كمالا، وإقامة العدالة...".

الانتقادات الصينية والروسية للولايات المتحدة معروفة وقديمة وهي جزء لا يتجزأ من مخزون الانتقادات التقليدية الجاهزة والمعلبة، ومعظمها صحيح، وإن كان يطرح في معظم الأحيان خارج السياق التاريخي. ولكن ما قاله بلينكن هو عين الصواب. الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة في العالم التي تصف نفسها بأنها مشروع لبناء الدولة الكاملة، أو الدولة المثالية، بمعنى أنها تدرك أنها ولدت ناقصة ولا تزال ناقصة، ولكنها تصبو وتسعى دون كلل إلى الأفضل، إلى الكمال، كما تشير الفقرة الأولى من دستورها.

مؤسسو الجمهورية الأميركية، ومعظمهم شخصيات فذة وحكيمة، كانوا يدركون منذ اللحظة التي وقعوا فيها على الدستور أن نظامهم السياسي هو مشروع مستقبلي، وعملية بناء وتطوير لا نهاية لها للتخلص من النواقص والشوائب التي هي في صلب كل الأنظمة السياسية بما فيها الديمقراطية. التناقضات هي في صلب التجربة السياسية الأميركية. الرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون، مؤلف إعلان الاستقلال، ومفكر سياسي ومهندس معماري ومؤسس لجامعة فيرجينيا وهو أيضا أكثر ما يجسد هذه التناقضات.

جيفرسون هو الذي صاغ هذه الكلمات التاريخية في 1776 "نحن نؤمن بهذه الحقائق البديهية: أن جميع البشر قد خلقوا متساوين، وأن خالقهم قد منحهم حقوقا معينة ثابتة لا يمكن انتزاعها منهم، ومن بينها: حق الحياة والحرية والسعي من أجل السعادة". جيفرسون أيضا ورث مئات المستعبدين من والده، وهؤلاء شيدوا منزله الجميل (من تصميمه) في فيرجينيا والمعروف باسم "الجبل الصغير" من الكلمة الإيطالية Monticello.

أكثرية الأميركيين تعترف مثلا بأن الولايات المتحدة ولدت بخطيئة أصلية اسمها مؤسسة العبودية. عتق المستعبدين تطلب حربا أهلية هي أكثر الحروب الأميركية شراسة وأدت إلى قتل 750 ألف جندي وتدمير مدن عديدة. الأميركيون يعترفون بأن معاملة الأجيال الأولى من الأميركيين المتحدرين من أصول أوروبية للسكان الأصليين اتسمت بانتهاكات رهيبة لحقوقهم ليس أقلها اقتلاعهم من أراضيهم وترحيلهم بالقوة إلى مناطق معزولة. معظم الفئات التي هاجرت إلى الولايات المتحدة، (باستثناء موجات الهجرة الأولية من بريطانيا والتي شملت مؤسسي الجمهورية)، حتى الذين هاجروا من دول أوروبية مثل الإيرلنديين والطليان واليهود تعرضوا لمستويات مختلفة من التمييز ضدهم، على الأقل في البداية، وهذا ما واجهته لاحقا موجات الهجرة من الصين وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط. طبعا أسوأ أنواع التمييز كانت تلك التي طالت الأميركيين من أصل أفريقي والسكان الأصليين.

ولكن منذ لحظة ولادة الجمهورية الأميركية، وكل هذه المسائل السياسية والاجتماعية كانت تناقش بحيوية وبحماس، ولا تزال تناقش حتى اليوم، لأنه مثلا على الرغم من التقدم السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي شهده الأميركيون من أصل أفريقي، إلا أن المجتمع الأميركي لا يزال يعاني من آفة التمييز العنصري، الذي ينعكس مثلا على كيفية تطبيق الأنظمة الجنائية وفي معاملة بعض رجال الشرطة البيض للأميركيين من أصل أفريقي كما اكتشف العالم في السنة الماضية حين قام شرطي أبيض بخنق جورج فلويد بعد أن ركع فوق رقبته وهو ممدد على الطريق لحوالي تسعة دقائق قتل فيها فلويد وهو ينادي والدته ويقول لمعذبه إنه لا يستطيع التنفس. ولكن الوجه الآخر لهذه الجريمة الرهيبة، كان في الانتفاضة الشعبية، لملايين الأميركيين من جميع الخلفيات الاجتماعية والإثنية التي طالبت بالعدالة لجورج فلويد ووقف الممارسات التمييزية.

النظام الديمقراطي هو النظام الأكثر تمثيلا وعدلا – نظريا على الأقل – ولكن الديمقراطية تبقى هشة إذا لم يبق الشعب الذي يعيش في ظلها متيقظا لمكامن الضعف فيها، وكيف يمكن للسياسيين الغوغاء استغلال طبيعة وانفتاح النظام الديمقراطي وتشويه مبادئه لخدمة أهدافهم الخاصة، واستغلال مخاوف المواطنين لخلق حركات شعبوية يقودها سياسيون غير ديمقراطيون. وحتى النظام السياسي الأميركي لم يكن محصنا بما فيه الكفاية لمنع بروز شخصية أوتوقراطية مثل دونالد ترامب الذي وصل إلى البيت الأبيض بدعم من أكثر من ستين مليون اميركي.

عنصرية وأحقاد ترامب، لا يزال يشعر بها الأميركيون بعد هزيمته في نوفمبر الماضي. استخدام ترامب على سبيل المثال للغة عنصرية ضد الصين ووضع اللوم عليها كمصدر لفيروس كورونا، والتلميح إلى أنها صدرت الجائحة عن قصد، أدى إلى مضاعفات بشعة. هذه اللغة العنصرية شجعت مواطنين أميركيين على الاعتداء الجسدي على مواطنين أميركيين آخرين من أصل آسيوي. وخلال السنة الماضية قتل وجرح أميركيون من أصل آسيوي في مئات الاعتداءات ضدهم لمجرد أنهم من أصل آسيوي. ولكن مقابل كل اعتداء من هذا النوع، هناك ردود فعل شعبية واجتماعية تعكس مدى عمق مبادئ المساواة والعدالة في المجتمع الأميركي.

هذه الظاهرة لمسها الأميركيون من أصل عربي ومسلم في أعقاب هجمات سبتمبر الإرهابية في 2001، حيث قوبلت بعض الاعتداءات ضد أفراد الجاليات العربية والمسلمة، باستهجان واسع، وبتعاطف كبير مع الضحايا.

الجدل في أميركا حول استخدام السلاح النووي في الحرب العالمية الثانية ضد اليابان لا يزال مستمرا في الأوساط الأكاديمية والسياسية. الحرب بين أميركا واليابان وصفت "بالحرب الشاملة" لأن جميع الأسلحة استخدمت فيها وبشراسة بالغة. لو ارتأت أميركا إنزال قواتها على الشواطئ اليابانية في أول نوفمبر 1945 وفقا لخططها العسكرية لو لم تستسلم اليابان، لكانت خسائر الطرفين العسكرية والمدنية قد وصلت إلى الملايين، أي عشرات أضعاف ضحايا القصف النووي لهيروشيما وناغازاكي. أيضا القصف الأميركي لليابان بالقنابل العادية الثقيلة تسبب بخسائر يابانية فاقت كثيرا الخسائر في القصف النووي. استخدام القنابل النووية، دشن بداية التسلح النووي ومثل تصعيدا خطيرا من الصعب تبريره أخلاقيا، ولكن الواقع المؤلم هو أن القصف النووي، على الرغم من بشاعته، أوقف حربا كان يمكن أن تستمر لأشهر، وتؤدي إلى التضحية بعدد هائل من الأميركيين واليابانيين.

بوتين، ربما كان يوحي بأن أميركا قصفت اليابان بالقنابل النووية ولم تقصف ألمانيا، لأن اليابانيين ليسوا من العرق الأبيض. ولكن الغارات الضخمة التي كانت تشارك فيها مئات القاذفات الأميركية والبريطانية ضد المدن الصناعية الألمانية، وخاصة في الأشهر الأخيرة من الحرب، كانت تتسبب بمقتل الآلاف من المدنيين والعسكريين في الليلة الواحدة. هذه الغارات حولت مدن ألمانية بكاملها إلى ركام وأرض محروقة.

أن يؤنب الروس والصينيون الأميركيين على تاريخهم المجحف بحق الأقليات، فهذا أمر حافل بالمفارقات. حين يطرح السؤال حول من هو أسوأ قاتل جماعي للمدنيين في التاريخ، يشير معظم الناس إلى هتلر، أو إلى ستالين. ولكن الأبحاث الأكاديمية في العقود الماضية أعطت هذا "الشرف" إلى مؤسس النظام الشيوعي في الصين ماو تسي تونغ، الذي أدت سياسته المعروفة "بالخطوة الضخمة إلى الأمام" إلى قتل حوالي 45 مليون صيني بين 1958 و1962. ويليه على قائمة القتلة الجماعيين، أدولف هتلر المسؤول عن قتل 12 مليون مدني، (في معسكرات الاعتقال، أو القتل المتعمد لملايين الأسرى السوفييت) بينما يحتل ستالين المرتبة الثالثة، حيث تسبب بقتل حوالي 10 ملايين مدني خلال المجاعة التي اجتاحت روسيا وأوكرانيا وخلال السنوات التي عرفت "بالإرهاب الكبير" في بداية ثلاثينات القرن الماضي.

سقف البيت الأميركي فيه بعض الثقوب. ولكن البيت الروسي، كما البيت الصيني، فهو بيت دون سقف.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!