صورة لصفحة من مذكرات داروين تظهر "شجرة الحياة".
صورة لصفحة من مذكرات داروين تظهر "شجرة الحياة".

يقول أحد أعظم شعراء العربية/ أبو العلاء المعري:
جائِزٌ أَن يَكونَ آدَمُ هَـذا            قَبلَهُ آدَمٌ عَلى إِثـرِ آدَم
وَبَصيرُ الأَقوامِ مِثلِيَ أَعمى      فَهَلِمّوا في حِندِسٍ نَتَصادَم

هل كان أبو العلاء ـ قبل ألف عام ـ يقول بنظرية التطور الداروينية، على اعتبار أنه يرى آدم/ هذا (هذا: أي آدم الذي تنص عليه الديانات السماوية) ليس إلا النسخة الأخيرة من الإنسان؛ فمن قبله ـ حسب رؤية أبي العلاء ـ آباء مُتكرّرون، آدم يتلو آدم؛ عبر الأحقاب المتطاولة في تاريخ الحضور البشري على هذا الكوكب/ الأرض ؟

طبعا، لم يكن أبو العلاء يتصور الإنسان كما هو في الداروينية اليوم. لقد كان الأفق العلمي في عصر أبي العلا (363 هـ - 449 هـ ــ  973 -1057م) لا يسمح بتصور تفصيلي مؤكد/ مثبت علميا عن تاريخ الحياة والأحياء على الأرض. ولهذا، فقد تحوّل هذا الحدس التأملي المبكّر عنده إلى تخمين مفتوح على كثير من الاحتمالات التي لا يمكن ترجيح أي منها، فضلا عن تأكيدها أو نفيها على سبيل القطع؛ وحينئذ ـ وفي سياق هذه الحيرة اليائسة التي لا تجد ما تتشبث به علميا ـ  يُصبْح البصيرُ أعمى، ومجازا؛ يصبح العالمُ كالجاهل، تتقارب حدود الأذهان، وتنعدم الرؤية في هذا الفضاء التاريخي المجهول، حيث لا أحد يملك شيئا من يقين ولو كان خافتا، بل الجميع متساوون في العمى/ الجهل، وهم ـ في سياق هذه البحث الحائر ـ لا يتقدمون إلا بتخمينات تتكافأ مستوياتُها الافتراضية، ومن ثَمَّ؛ تتصادم تصادما عبثيا/ فوضويا وهي تسبح في فضاء المعقول التأملي، محاولة استكناه ملامح تحوّلات الأصول البشرية الغائرة في أعماق عَتَمات تاريخ مجهول.

اليوم، لم تعد قصة ظهور الإنسان وتطوره مجهولة في كثير من مساراتها الحاسمة. ثمة ما هو مجهول بطبيعة الحال، ولكن المعلوم كثير، بل وكثير جدا، وكافٍ ليكون نقطة انطلاق. ففي آخر قرنين شكّلت البحوث الإحيائية المتناثرة منعطفا حادا في إعادة صياغة قصة ظهور الإنسان. وفي السبعين أو الثمانين سنة الأخيرة، كشفت الأبحاث ـ في تطوّرات مذهلة ـ لا عن الحقائق التي تسد الثغرات في قصة الإنسان فحسب، وإنما عن الحقائق التي ترسم كثيرا من مسارات الرواية الكبرى، رواية الكون بأكمله، ابتداء من لحظة البداية/ الانفجار الكبير، وإلى يومنا هذا، بل وإلى ما سيكون عليه مصير هذا الكون بعد ملايين السنين؛ وفقا لقوانين طبيعية/ علمية تقتضي الحتمية في مساراتها الرئيسية؛ حتى وهي تستبطن ـ في تفاصيلها ـ  كثيرا من الاحتمالات.

اعتاد كاتبو التاريخ على تحديد فضائهم الموضوعاتي بحدود بداية الكتابة/ التاريخ المكتوب، منذ 5500 عام تقريبا. وحتى إن حاول بعضهم المغامرة، والغوص عميقا، والاسترشاد ببعض الآثار والرسومات الدالة، فهم لم يتجاوزوا حدود العشرة آلاف سنة الأخيرة. وطبعا، ما قبل ذلك، لم يكن التاريخ يعبأ به؛ على اعتبار أنه يقع خارج اختصاصه، إذ كانت البحوث الجيولوجية والأنثروبولوجية والكوسمولوجية والبيولوجية، هي المعنية بما قبل التاريخ المكتوب، وكان نشاطها في حقولها المختلفة يجري في مسار علمي/ تجريبي، بينما كان نشاط التاريخ ـ كحقل بحثي متخصص ـ يجري في مسار آخر؛ مع أن فهم التاريخ (التاريخ المكتوب/ التاريخ القريب، التاريخ الصغير)، لا يمكن أن يكتمل وتتضح أهم معالمه، وتصدق تنبؤاته؛ إلا بأن يكن مندرجا في مسار تاريخ أطول وأشمل وأعمق، أي فيما يسمى الآن: التاريخ الكبير، أو التاريخ العالمي/ الكوني.

النصوص البحثية المتناثرة التي يُمكنها أن تتقاطع مع ما يسمى "التاريخ الكبير" ظهرت منذ منتصف القرن الثامن عشر تقريبا، ولكن مع سبعينيات القرن العشرين، أدّت رحلات أبولو إلى القمر/ خروج الإنسان موضوعيا من حدوده الأرضية، مع العولمة والتصنيع المتناميتين، إلى تحفيز فكرة النظر إلى الأمور من منظور أشمل وأكثر تكاملا. وحينئذٍ بدأ الحديث عن تاريخ الكون كإطار عام لرؤية التاريخ الإنساني ككل، على اعتبار أن الإنسان في النهاية مجرد تفريع/ تهميش على الظاهرة الكونية وتحولاتها. و"تزامن ذلك مع ظهور تقنيات جديدة لتحديد أعمار الصخور بمساعدة التحلّل الإشعاعي. ويضاف إلى ذلك، أنه تم اكتشاف طرق جديدة، أو تم تطويرها، لتحديد عمر الأشياء والأحداث الأخرى، مثل حساب حلقات الأشجار، والتأريخ الوراثي، ورصد الإشعاع الكهرومغناطيسي الذي صدر عن الكون المبكر" (التاريخ الكبير ومستقبل البشرية، فريد سباير، ص35).  

إذن، منذ خمسين أو ستين عاما، وبناء على هذه الإمكانيات المتطورة، والتي ستتطور باستمرار، وبناء على ما وفرته هذه من معطيات علمية دقيقة، أصبح من المؤكد أن الكون له بداية، وليس أزليا. لقد بدأ هذا الكون الذي نعيش فيه بـ"الانفجار الكبير" قبل 13,7 مليار سنة. هذا أصبح مؤكد علميا، ولكن بقي السؤال: متى سينتهي، وكيف؟ وقد طرح العلماء في الإجابة على هذا السؤال 3 احتمالات: (1) قد يستمر الكون في التمدد إلى الأبد حتى يختفي الضوء وتتحول النجوم إلى رماد. (2) أن يتوقف الكون عن التمدد ويبدأ في التراجع، فتتجمع كل مادة الكون على نفسها في انفجار داخلي مرعب. (3) أن يصل تمدد الكون إلى توازن دقيق فيبطئ من سرعته ولكن اتجاهه لا ينعكس أبدا. (تاريخ الأحداث الكبرى من الانفجار الكبير إلى الزمن الحاضر، سينثيا ستوكس براون، ص 41).

هكذا يبدو الكون الذي يحتوينا، الكون الذي نشأ من 13,7 مليار سنة، ومحكوم بالاندثار الحتمي، مجرد لحظة عابرة، لحظة؛ مهما طالت، فهي محكومة بنهايتها. ونحن البشر/ بنو آدم، آدم الذي هو ـ وفق ما يطرحه المعري من احتمال، ووفق ما يطرحه العلماء الآن على سبيل التأكيد ـ أكثر من آدم، هو آدم على إثر آدم، كائن حيّ يتحول إلى كائن حي، مجرد ظاهرة هامشية عابرة، مُلْحَقة بكون هامشي عابر، ولا استقلال لها على الإطلاق". فنحن مُكوّنون من مادة وطاقة، مثلنا في ذلك مثل الكون. فخلايانا المكونة من ذرات نشأت من انفجار النجوم، هي بيئة غنية بالإيدروجين والكربون، مثلما كانت عليه الأرض يوم نشأت الحياة" (تاريخ الأحداث الكبرى من الانفجار الكبير إلى الزمن الحاضر، سينثيا ستوكس براون، ص 56).

وإذا كان الكون سينتهي حتما، ولكن على مدى زمني أطول، فالأرض بدورها ستنتهي، وعلى مدى زمني أقصر من عمر الكون المفترض. وأقصر من ذلك، أن الحياة على الأرض ـ أية حياة، فضلا عن حياة الإنسان ـ ستنتهي بحكم التطورات المطردة التي يخضع لها كوكبنا الصغير. فحركة الأرض تتباطأ، وطاقتها الحرارية تخفت، وكما بدأت الأرض قبل 4,6 مليار سنة، ولا حياة فيها على الإطلاق، واستمرت بلا أي مظهر حياتي مهما ضئيلا لمدة 3 مليار سنة تقريبا، ستعود بلا أي مظهر للحياة، قبل أن تتلاشى هي بالكامل. 

لقد ظهرت الثديات ـ كمنعطف تطوري مهم ـ منذ حوالي 210 مليون سنة فقط،  وبدأ ظهور البشر منذ 4 ملايين سنة، بينما لم يظهر البشر المعاصرون "الإنسان" إلا منذ 200,000 سنة، ولم ينتشر هذا الإنسان الأخير ـ انتشارا نسبيا ـ في الأرض إلا منذ 100,000سنة، في رحلة مُعقّدة من التطورات المرتبطة جدليا بالمتغيرات الطبيعية على الأرض، والتي هي بدورها مرتبطة بالمتغيرات الكونية الأعم. 

إن زمن الإنسان ـ مهما طال في حدود رؤيتنا النسبية ـ زمن قصير جدا، مرتبط بظرف مناخي/ أرضي قصير جدا؛ إذا ما قيس بعمر الأرض، فضلا عن عمر الكون. وبناء على رحلة البدايات الأولى، والتطورات اللاحقة، فإن أي تغيّر في حركة الأرض حول نفسها أو حول الشمس أو في زاوية انحرافها.. إلخ المتغيرات المؤكدة التي تحدث باستمرار، أو التي يمكن التنبؤ بها على سبيل التوقع، أو التي لا يمكن توقعها، فسيحدث مستقبلا تغيّر مناخي جذري، وسيكون الإنسان، الإنسان بصورته الراهنة، هو أول الضحايا، هو أول ما يندثر ويتلاشى، قبل أن تتلاشى الكائنات، وقبل أن يندثر هذا الكوكب الحي، وقبل أن يعود الكون كله إلى الانكماش/ الانحسار = العدم.

تُحاول سينثيا ستوكس تقريبَ هذه "الهامشية الإنسانية" (هذا التعبير من وضعي) التي يحتلها الإنسان في تاريخ الأرض، فضلا عن تاريخ الكون/ التاريخ الكبير، فتقول: "إذا تخيلنا عمر الأرض كيوم واحد يبدأ في منتصف الليل؛ فيه تظهر الكائنات وحيدة الخلية في حوالي الرابعة صباحا ولا يظهر أي نبات بحري إلا حوالي الثامنة والنصف مساء. وتنتقل النباتات والحيوانات إلى اليابسة في حوالي العاشرة مساء. مع ظهور الدينوصورات قبيل الحادية عشر مساء. ثم تختفي الدينوصورات قبل 24 دقيقة من منتصف الليل؛ ويظهر البشر قبل أقل من دقيقتين من منتصف الليل، والزراعة والمدن قبل بضع ثواني من منتصف الليل" (تاريخ الأحداث الكبرى من الانفجار الكبير إلى الزمن الحاضر، ص 77).

هكذا، نجد أن البشر، ومنذ مراحلهم الأولى في سلم التطور، لا يشغلون من عمر الأرض إلا أقل من دقيقتين من مجمل دقائق يوم كامل، يعني مجرد دقيقتين من 1440 دقيقة في اليوم. وبالنسبة إلى عمر الكون الذي يبلغ 13,7 مليار سنة، لو وتخيلناه مضغوطا في حدود يوم كامل/ 24 ساعة، فالبشر كظاهرة لم يُوجدوا إلا في الـ 40 ثانية الأخيرة. ما يعني أنهم ليسوا فقط محدودين/ هامشيين في كون واسع، وليس فقط كوكبهم الحي مجرد ذرة هباء تافهة فيه، بل هم ـ مع هامشية وتفاهة المكان/ الكوكب الذي يلتصقون به كجراثيم عالقة بـ"ذرة الهباء" ـ هامشيون ومحدودون في وقوفهم على حافة الزمن الأخير من عمر الكون/ تاريخ العالم.   

أخيرا، ماذا يعني كل هذا؟ أو لماذا أُذكّر الآن بكل هذا، وأريد من الإنسان/ كل إنسان أن يضع نفسه (يتخيّل موقعها) في سياق هذا التاريخ الكبير/ التاريخ الكوني ؟ هل المعرفة هنا هي غاية ذاتها، أم هي السبيل لخلق تصوّر شمولي عن الذات، تصور يفرض على الذات إجراء كثير من المتغيرات السلوكية الخاصة/ الازمة والعامة/ المتعدية؟ وإذا كان هذا التذكير لغاية تتجاوز الإطار المعرفي الخالص؛ ففي أي اتجاه تشير بوصلته في مقصدها الأخير؟ 

بلا شك، فإن التصورات الداروينية وإن وسّعت آفاق الإنسان حينا، فإنها قادته ـ وخاصة عبر تفسيراتها ذات الحد المادي الصلب ـ إلى داروينية اجتماعية في كثير من الأحيان. فكانت شَيْئنة/ طَبْعَنة للإنسان، بدل أن تكون دعما لمسار التأنسن. ولكن، في اعتقادي أن الأمر هنا يتجاوز الإطار الدارويني، حتى في تفسيراته الأكثر انفتاحا على الاحتمالات، إذ إن رؤية الإنسان لنفسه/ للوجود الإنساني في مسار التاريخ الكبير، وعلى ضوء جدلية تستبطن عذابات البشرية في رحلتها التطوّرية، من شأنه أن يخلق إنسانا أكثر تواضعا، إنسانا أكثر وعيا بظرفيته، إنسانا أكثر وعينا بهشاشة وجوده، بل وبتفاهة وجوده الفردي والجماعاتي؛ عبر إدراج هذا الوجود المتحيّز في تاريخ طويل، هو ـ في الوقت نفسه ـ تاريخ هامشي وعابر. وهذا ـ في تصوري ـ سيفك كثيرا من مغاليق التعصبات والتحزبات، ليس فقط من خلال استيعاب حقيقة الأصل المشترك لكل البشر، ولا للعلاقات العضوية بين البشر وسائر مظاهر الحياة، ثم سائر الأشياء، وإنما أيضا من خلال ما يُورثه هذا الاستبطان لحقائق التاريخ الكبير من الشعور بهامشية وتفاهة وظرفية كل ما يستنفد الإنسان طاقته في الصراع عليه؛ وكأنه بتحقيق انتصاراته التافهة سيظفر بالقدرة الهائلة التي تمنع الكون ـ بما فيه الإنسان ـ من قدره المحكوم بمساره العدمي.     
 

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!