أطفال لاجئون من أقلية الأويغور في مدرسة بتركيا
أطفال لاجئون من أقلية الأويغور في مدرسة بتركيا

ما يواجهه الأويغور، ومعهم قوميات أخرى يعتنق غالبية أفرادها الدين الإسلامي، في المنطقة التي تحكمها الصين وتطلق عليها اسم شينجيانغ، فيما أهلها يعرفونها باسم تركستان الشرقية، يستوفي الشروط التي تجيز وصفه بالإبادة.

هذا الوصف كان، إلى أمس قريب، رأياً للمتابعين لأحوال هؤلاء الناس المهملين، ولكنه اليوم أضحى أكثر صدقية وموضوعية، وذلك بعد صدور تقرير لجنة دولية علمية مستقلة نظرت في الدلائل المتوفرة وفي التعريف المعتمد دولياً لجريمة الإبادة.

الصين من الدول الموقعة على معاهدة تجريم الإبادة. والإبادة، وفق التعريف المعتمد هنا، لا تقتصر على التصفية الجسدية، بل تشمل كذلك الإقدام على منع الفئة المستهدفة بالقهر من الإنجاب والتكاثر الطبيعي، أو الاحتفاظ بهويتها الذاتية، ديناً وفكراً وعادات، أو اختطاف أولادها لتنشئتهم خارج بيئتهم الأم.

الصين قد ارتكبت بحق الأويغور كل هذه الانتهاكات. للإنصاف، المسؤولون الصينيون قد اجتهدوا لأن يكون إنجازهم دون إراقة فائضة للدماء، وإن أتاحوا المجال أمام الصناديد من رجال الأمن والدولة المكلفين بهذه المهمة الشاقة، أي إبادة شعب أعزل، لأقدار من التمتع، بالغصب والإكراه، بما من شأنه أن يبقى غالبه مستوراً، في هذا المجتمع المحافظ.

النساء في مخيمات الاعتقال مادة سهلة للاستهلاك، ولكنهن، وإن لم تشملهم عناية الدولة، في ما تصرّ الصين على أنه إعادة تأهيل وتدريب، فيما رجالهن ينعمون بالإذلال والإهانة والتعذيب، علّهم يقلعون عن ميولهم المرتقبة للإرهاب، قد يتوجب عليهن مضاجعة رجال الأمن، بالمعنى الحقيقي للكلمة عند الحد الأدنى، أي القبول بمشاطرة السرير مع رجل الأمن المكلف بمراقبة الأسرة فيما الزوج في الاعتقال، تأكيداً على أن الزوجة لا تعاني وأطفالها من داء التطرف المقيت، وتحقيقاً للأخوة بين الشعوب في الصين العظيمة.

هي الصين التي يتغنى بها وبجبروتها المفترض، من يرغب بها بديلاً عن الغرب الذي يراه فاجراً، في تضييع لمفهوم الفجور.

المقصود بهذا التهكم هم المسلمون. ليس بأفرادهم بالطبع، ولكن بمجملهم. دماء بعضهم تفور حين يلجأ أهل امرأة إلى كنيستهم، في مصر مثلاً، ملاذهم الأخير في دول أُقحم الدين في هويتها، طلباً لعون إعادتها إليهم، قلقين من أن إشهارها الإسلام ديناً جديداً لها، إذ فعلت فجأة ودون سابق استعداد، قد يكون بتأثير مشبوه لرجل استدرجها.

من أجل هذه "الأخت"، يعمد البعض المتطرّف إلى القتل والتخريب، ويجد في أوساط عدة من يستخرج له الأعذار. "أخوات" المسلمين في تركستان الشرقية ليس من يسأل عن أحوالهن وأعراضهن من أولياء أمرهم. قلة قليلة منهم وحسب تمر على الموضوع مرور الكرام.

اختلال المقادير ليس سمة طارئة هنا، بل هو وجه أصيل من أوجه البنية الفكرية الإسلامية، دون أن يقتصر عليها. ولكنه هنا ليس شأناً نظرياً، بل حالة طارئة ذات عواقب خطيرة.

إلى أمس قريب، كان بإمكان الجميع، مسلمين وغربيين وغيرهم، أن يكتفوا بالإدانة اللفظية العابرة للصين (وحالات الإدانة من دول إسلامية تكاد أن تكون معدومة)، بناءً على أن التهمة مبنية على قرائن وفرضيات. أي أنها قد تستوجب تحركاً ما، إنما من باب الظن لا اليقين. أما بعد تقرير اللجنة المستقلة، فإن قد تحقق للتهمة الإثبات، ولم يعد بالإمكان درؤها بالشبهات.

المتاح يمسي بالتالي أحد خيارين. إما أن يجري التصرّف بمقتضى تقرير الإدانة، أي أن تفعّل الإجراءات والعقوبات بحق الصين، انطلاقاً من أن جريمة الإبادة في التشريع الدولي هي من الحالات التي تلزم الجميع بالتحرك، ولا يعترضها زعم السيادة الوطنية. وإما أن يتم تجاهل مقتضى التقرير، فيما يتعدى بعض الاعتراضات اللفظية والمواقف الآنية.

ليس سراً ولا مفاجأة بأن الاحتمال الأول هو الراجح إلى حد التأكيد. الصين عضو دائم في مجلس الأمن الدولي، أي أنه لديها حق النقض. فحتى لو استجمع العالم الشجاعة لتأطير اعتراضه على جريمتها بقرار نافذ عتيد، فإنه لا سبيل إلى استصداره.

يكون الأمر بالتالي متروكاً لكل دولة على حدة لاتخاذ الإجراءات المناسبة. التناسب هنا هو مع الجريمة، ومع قدرة الدولة المعنية على تحدي الصين ومعاقبتها. والتفاوت بين الاعتبارين هائل.

سواء كان تصنيف الوضع القائم عالمياً على أنه لا يزال أحادي القطبية، حيث للولايات المتحدة من الحجم والثقل والتأثير ما يجعل علاقة كل عاصمة من عواصم العالم معها العلاقة الأكثر أهمية بالنسبة لهذه العواصم، أو أن الوضع بدأ يتبدل.

والجائحة قد سرّعت بهذا التبدل، بأن أمست العلاقة مع الصين تتقدم أحياناً على العلاقة مع الولايات المتحدة بالنسبة لبعض الدول، وإن كانت قلّة، أو عند الحد الأدنى، أصبح واجباً على هذه العواصم الموازنة بين العلاقتين، مع الولايات المتحدة والصين، وفق الشؤون المطروحة، أمنية واقتصادية وسياسية، فإنه لا شك أن الصين اليوم في موقع تأثير غير مسبوق لها، وإن لم تبلغ كامل الندية مع الولايات المتحدة، فإن طموحها بها لم يعد ضرب من الخيال.

هذا الصعود في موقع الصين قد صاحبته جملة من العوامل المسرّعة. أولها الاعتماد العالمي عليها في التصنيع، ابتداءاً من المواد الاستهلاكية وصولاً إلى المنتجات التقنية المتقدمة.

ربما لم تصل الصين هنا إلى موقع الاحتكار، ولكن غلبتها واستسهال التعويل عليها قد مكّناها من توظيف هذا التأثير فيما يتعدى بعده الاقتصادي، في الداخل والخارج على حدّ سواء. الصين اليوم قوّة عسكرية صاعدة، تبرز قدراتها في محيطها المباشر، وتسير باتجاه استكمال التجهيز لما يتعداه.

العامل الثاني كان التحول البارز في التأطير العقائدي الصيني من الشيوعية الأممية، والتي كانت ذات زخم ثوري وقطعي إلى حد التسطيح، إلى استرجاع للسردية النخبوية التي تجعل من الصين قلب العالم، ومن الحزب الشيوعي الوريث للمؤسسة العلمية الإدارية التي وفّرت للسلطة الحاكمة على مدى التاريخ الصيني أدوات الضبط والسيطرة على ممالكها الواسعة.

الأممية، بما تفترضه من مساواة، قد تكون قد عجزت بالأمس عن اختراق الإطار الذهني السائد في الصين، حيث الأقوام والأعراق تندرج في إطار ترتيب تفاضلي، ولكنها اليوم قد سقطت حتى نظرياً، لتعود إلى الواجهة أستاذية عالمية للصين، مبنية على قراءة تضع التجربة الفكرية والتاريخية الصينية في صدارة الإنجاز الإنساني.

وعليه، فإن قرار تصفية الأويغور كمجموعة ثقافية قائمة بذاتها ليس جريمة على الإطلاق، بل "منّة" من الصين لترقية هذه الفئة المتخلفة، ديناً وحضارة، ودمجها بالأفضل والأعلى، أي الصين نفسها.

ولا حاجة للإقرار بما قد يصاحب ذلك من أخطاء، فالخطأ سمة إنسانية دائمة، والقيادة الصينية تعمل بزخم على تصحيحه. إنما القصد، وهو تحصين الصين من خلال "ترقية" الأويغور، هو من أجل الخير الأعلى، ولا جدوى من الدخول بسجال بشأنه مع المفترين والجهلة.

أما العامل الثالث، وقد ضاعف من بروزه الرئيس السابق للولايات المتحدة، فهو في استنزاف قواعد اللياقة في الخطاب العام مع الآخر. ليس الأمر جديداً على الصين، فخلال المرحلة الشيوعية القاسية، كان من الشائع إغداق النعوت والأوصاف الشنيعة على الخصوم. على أن انتقال الصين من موقع محاربة العالم إلى التواؤم معه خلال العقود الماضية، بدا وكأنه طوى صفحة الاستعداء اللفظي، وأعاد التكلف الأدبي في التخاطب.

الممارسة قد تلين أو تقسو، أما الكلام فكان على الغالب مضبوطاً ملتزماً بالكياسة. ثم كانت الإهانات والتطاول وسائر أشكال الأذى، والتي كان على الصين تحملها من سيد البيت الأبيض السابق خلال الأعوام الأربعة الماضية، فانسابت أساليب الرد بالمثل، بعد كظم للغيظ سرعان ما تلاشى، وصولاً إلى واقع اليوم، بأن الصين نفسها قادرة أن تبادر بالخطاب الطاعن الجارح.

العالم اليوم، إزاء الجريمة السافرة التي ترتكبها الصين في تركستان الشرقية، قد يشهد بعض الاعتراضات اللفظية، والتي من شأنها أن تستثير الصين لتستأسد وتطالب بالتراجع عنها. من له مصلحة مع الصين، أي الأكثرية الساحقة من الدول، قد يلطّف، أو يخفّف، أو يتراجع. ربما قد تنجو دولة أو اثنتان من ذاك التراجع المهين.

غير أن النتيجة، على مستوى العالم ككل، هو أن التطبيع للجريمة يكون قد تحقق. من شأن الصين، أو أي قوة قادرة، من الآن فصاعداً أن تفعل ما تشاء، دون حياء، مع الزعم والتدليس بأن ما يحصل لا يحصل، أو أنه ليس من شأن من يعترض.

هو انحدار آخر بعيداً عمّا كان مرجواً لهذا القرن من أن يشهده، باتجاه أخوّة إنسانية عادلة. وفيما يتعدى هذه الاعتبارات البعيدة المدى، فإن إبادة الأويغور مستمرة. للتوّ.

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.