إدارة بايدن تسعى لتحقيق الديمقراطية في ليبيا من خلال الدبلوماسية
ليبيا تشهد منذ بداية العام الحالي تطورات متسارعة نحو حل سياسي رسمه الليبيون أنفسهم بإشراف المجتمع الدولي

دأبت روسيا وحلفاؤها، طوال السنوات العشر الماضية، على الترويج لمقولة أن أنظمة الحكم الفردية قدر لا رادّ له في المنطقة العربية، فهذه المنطقة حسب زعمهم مثل روسيا غير جاهزة بعد للديمقراطية لأن هذا النظام بالأساس غير صالح لجميع الشعوب! وكانوا  يقدّمون ليبيا وسوريا مثلا وعبرة لمن يجرؤ على المطالبة بنظام حكم ديمقراطي، مع التركيز على ليبيا بشكل خاص لأنه في حالتها تم التخلص من الديكتاتور دون أن يجلب ذلك سوى الخراب كما يردّدون دائما. 

وكأنهم يقصدون بموقفهم هذا أن السماح للقذافي بالقضاء على الثورة عام 2011 وتصفية مئات آلاف الليبيين الذين ثاروا ضده، ثم التمهيد لتوريث الحكم لأحد أبنائه كان خيارا أفضل، وكان سبب ترويجهم لهذه المقولات معرفتهم أن نجاح ليبيا في إقامة نظام ديمقراطي سينعكس على كافة دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لأنه ليس من المستبعد أن يعطي دفعا للحراك الشعبي في الجزائر وأن يؤثر على شكل الحل السوري وأن يرفع الأصوات التي تطالب بالديمقراطية في كل المنطقة. 

ولكن ليبيا على عكس ما يتمنى أعداؤها، تشهد منذ بداية العام الحالي تطورات متسارعة نحو حل سياسي رسمه الليبيون أنفسهم بإشراف المجتمع الدولي، وتم حتى الآن تنفيذ كثير من الإجراءات المشجعة. فلأول مرة منذ عدة سنوات هناك في ليبيا اليوم سلطة تشريعية وتنفيذية ومصرف مركزي واحد، رغم أن الطريق ما زال طويلا وهناك تحديات كبيرة أولها وحدة المؤسسة العسكرية ونزع سلاح الميليشيات واستيعاب بعض أفرادها ضمن "قوات عسكرية ليبية موحدة تحت سلطة مدنية مركزية". 

وفي هذه الناحية تبدو المشكلة أكبر وأكثر تعقيدا في الغرب نتيجة وجود الكثير من الميليشيات، مع أن عددا من القادة هناك أبدوا استعدادهم لتسليم السلاح وسيتم امتحان صدق تعهداتهم قريبا، ثم تحديد الميليشيات وقادتها الذين لا يوافقون على نزع الأسلحة حتى يتم اتخاذ موقف حازم منهم بدعم من المجتمع الدولي لأنهم بذلك يتحولون إلى عصابة مسلحة خارجة عن القانون، ونزع سلاح الميليشيات سيسمح بإزالة الألغام وفتح الطرق بين المناطق المختلفة، خاصة الطريق الساحلية، واستعادة وحدة ليبيا. فقد تم تشكيل هذه الميليشيات إنطلاقا من ولاءات قبليّة ومناطقية. 

أما في موضوع إخراج المرتزقة الأجانب، فتبدو المشكلة أكثر صعوبة في الشرق، فالمرتزقة الموجودون في الغرب تم استدعاؤهم بشكل رسمي وعلني من قبل حكومة الوفاق المعترف بها دوليا وقتها. وأعدادهم وأماكن تمركزهم معروفة. وتحدثت تقارير صحفية عن اتفاق تركي أميركي على خروج هؤلاء من ليبيا. وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان، قبل أيام، إن أوامر تركية صدرت للمقاتلين السوريين بالاستعداد للعودة إلى بلادهم وأن دفعة أولى قد غادرت ليبيا بالفعل. 

بينما يبدو وضع المرتزقة في الشرق مختلفا تماما. فليس من المعروف كيف أتت هذه الميليشيات ومن الطرف الذي أدخلها وما هو حجمها ومن يقوم بتمويلها خاصة بالنسبة لمجموعة فاغنر الروسية التي تقول التقارير الصحفية أنها تتمركز حول حقول النفط وموانئ التصدير. كما قالت شبكة سي.إن.إن قبل بضعة أسابيع استنادا على صور أقمار اصطتاعية بأن هذه المجموعة قامت ببناء خندق بطول 70 كلم بين سرت والجفرة، كما ذكر قبل أيام تقرير لخبراء في الأمم المتحدة أنه لا يوجد ما يدل على أن شركة فاغنر قد انسحبت من ليبيا، وكذلك ليس من المعروف ما هو حجم المرتزقة السوريين الذين جلبهم الروس إلى شرق ليبيا وأين يتمركزون وما حقيقة وجود ميليشيات سودانية أو تشادية. فوضع المرتزقة في الشرق معقد وغامض وقد تحتاج الحكومة الليبية الجديدة لمساعدة دولية لتحديد أماكن تواجدهم وسبل إخراجهم. 

 ورغم ذلك هناك آمال كبيرة بالنجاح في مواجهة هذه التحديات لأن التطورات الأخيرة أثبتت أن هناك في ليبيا كثيرا من السياسيين والخبراء المؤهلين للتعامل بكفاءة ومرونة مع الواقع مهما كان صعبا. وظهر ذلك في من تم اختيارهم لإدارة المرحلة الانتقالية وما تميزوا به من الهدوء والحكمة والبحث عن القواسم المشتركة بين الليبيين عبر الإنتقال بكل ثقة من أقصى الشرق لأقصى الغرب، ليقدموا مثالا عن كيفية إيجاد أرضية للحوار وصناعة الحلول.  

وأحد المؤشرات على عقلانية هذه القيادة أنها تتجنب نبش أخطاء الماضي وإحياء اسباب الخلاف لأنها تتطلع للمستقبل، ففي كثير من الصراعات الداخلية تحدث تجاوزات وحتى جرائم وتتم التسويات اعتمادا على فتح صفحة جديدة، ولكن ذلك لا يعني تجاهل الإغتيالات التي تحدث هذه الأيام في الشرق، فلابد من التعامل مع هذه الحوادث بجدية، بما فيها إمكانية إدخال مراقبين دوليين للتحقيق فيها، وقد يتطلب ذلك التعامل بشفافية ومصارحة الرأي العام الليبي والعالمي حول من يقف وراءها. 

وللأهمية الاستثنائية التي تتمتع بها المسألة الليبية، فإن أنظار العالم اليوم تتجه إليها، وتتم متابعة تطوراتها خصوصا من قبل الولايات المتحدة. فقد صرح السفير الأميركي في ليبيا قبل أيام أن الحكومة الأميركية ستدعم الحكومة الليبية في تلبية احتياجات السكان والتحضير للانتخابات المقبلة. ويتبنى الاتحاد الأوروبي موقفا مماثلا، وسيعين قريبا مبعوثا خاصا لليبيا. ويشير تقرير لمجلة فورين بوليسي إلى "أن إدارة بايدن لديها فرصة نادرة لمساعدة ليبيا في التراجع عن الهاوية من خلال الديبلوماسية ومشاركة كبار المسؤولين الأميركيين في عملية الحوار السياسي".  

وبحسب المجلة، أكّد مسؤول كبير في إدارة بايدن أن الولايات المتحدة تؤيد تماما التحول الديمقراطي في ليبيا، وأن هناك عملية كبيرة مشتركة بين مختلف الوكالات الأميركية المعنية لتحديد الخطوات التالية، وتابع أن السفارة الأميركية بدأت بالفعل التواصل مع الحلفاء بشأن الحاجة لسحب القوات الأجنبية، وأن الإدارة متفائلة بشأن الآفاق السياسية بعد صمود وقف إطلاق النار لأشهر عديدة وأداء رئيس الوزراء المؤقت عبد الحميد الدبيبة اليمين، والدعم الذي تلقاه من المعسكرين المتحاربين، ودعت الصحيفة بايدن للاتصال بقادة ليبيا الجدد لأن ذلك قد يساعد في تغيير الأمور على الأرض. 

وفي المقابل هناك أعداء كثر يتربصون بليبيا، يجمعهم قاسم مشترك وهو أنهم لا يريدون لليبيا أن تصبح دولة ديمقراطية وأن تقدّم نموذجا يحتذى في الشرق الأوسط لأن هذا يهدد أنظمتهم الديكتاتورية. بعضهم يظهر على الشاشات ليزرع التشاؤم والإحباط  بتحليلاته، وليقول إن هذا الحل لن ينجح، وبعضهم يشكك في شرعية السلطة الجديدة ويدّعي حدوث عمليات شراء أصوات خلال الانتخابات التي أجراها ملتقى الحوار الليبي برعاية أممية، رغم أن فريقا من الأمم المتحدة حقق في هذا الموضوع وقال أنه لا يعتزم التوقف أكثر عند هذه المسألة، لأن لهذه السلطة مهمة محددة تنتهي في نهاية العام الحالي مع الانتخابات المقررة في ديسمبر. 

 ولكن السبب الأهم للتفاؤل في مستقبل ليبيا أنها بلد كبير قليل السكان غني بالثروات الطبيعية مثل النفط والغاز بالإضافة إلى امتلاكها أطول شاطئ إفريقي على البحر المتوسط بطول يبلغ 1770 كلم، ولم يتم استثماره حتى الآن رغم قربه من أوروبا وإمكانية تحوله لمقصد سياحي عالمي. وكذلك هناك مصادر استثنائية للطاقة المتجددة، فمثلا بعض مناطق ليبيا تتمتع بأعلى كميات الإشعاع الشمسي في العالم، أي أن كافة الظروف مهيئة لتكون ليبيا بلدا ثريا مزدهرا وليعوّض الشعب الليبي أربعة عقود مظلمة من الحكم الديكتاتوري وليرسم الليبيون لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ملامح الطريق نحو مستقبل أفضل وببعض الحكمة يمكن تحقيق كل ذلك.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!