العاهل الأردني وولي عهده.
العاهل الأردني وولي عهده.

قُتل الملك عبد الله الأول المؤسس لإمارة شرق الأردن على أبواب المسجد الأقصى في القدس، حين كانت الضفة الغربية جزءا لا يتجزأ من الأردن. منذ ذلك الوقت لم يسجل التاريخ أن ملكا أردنيا أو ولياً للعهد قد وطأت قدماه القدس خوفا أو توجسا من إعطاء شرعية للاحتلال الإسرائيلي، أو انتقاصا من الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.

في الأردن كان مُباغتا ومُحيرا خبر إلغاء زيارة ولي العهد الشاب الأمير حسين إلى القدس للصلاة في المسجد الأقصى ليلة الإسراء والمعراج، ورغم توضيحات وزارة الخارجية الأردنية أن الزيارة كانت دينية لأداء الصلاة، فإن السؤال الذي ظل عالقا، لماذا هذه الزيارة التي لم يكن لها سوابق طوال العقود الماضية؟

زيارة ولي العهد التي ألغيت في اللحظة الأخيرة ذكرتني بأول صورة التقطت علنا لمصافحة بين ولي العهد السابق الأمير الحسن بن طلال ووزير الخارجية الإسرائيلي شمعون بيريز عام 1993 قُبيل توقيع اتفاقية وادي عربة، حينها كتب الإعلامي فهد الريماوي مقالا غاضبا في جريدة شيحان، وكنت مديرا لتحريرها، يتساءل من أقنع الأمير بالسلام على بيريز؟ 

الأمير الحسن كان "خطا أحمرا" في الصحافة حينها، وبعد جدال صاخب وطويل تم الموافقة على نشر المقال الذي تضمن نقدا للقاء، وأحدث عاصفة من ردود الفعل في الشارع الأردني.

وعن هذه المصافحة التي أحدثت صدمة في الأردن كتب الإعلامي، أحمد سلامة، المُقرب من الأمير، والذي كان يعمل في إعلام القصر، مقالا بعد سنوات طويلة يستشهد فيه بمقابلة أجراها الأمير الحسن مع رئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، طلال سلمان، وكان عنوانها "ذهبنا إلى واشنطن بمذكرة جلب" في غمز واضح أنه كان مُكرها على لقاء بيريز والسلام عليه.

فهمت زيارة ولي العهد التي لم يُكتب لها النجاح أنها محاولة فرض صورة جديدة للأمير، واشتباكه أكثر مع الملف الفلسطيني البالغ الحساسية، وفي حال نجحت كما كان مخططا لها أردنيا، فإنها ربما تكون محاولة جس نبض أو بالون اختبار، وفي كل الأحوال يستفاد منها بأنها تُعيد فرض وإحياء الوصاية الهاشمية التي تسعى إسرائيل للنيل منها.

في المحصلة كانت إسرائيل تريد توظيفها لتأكيد ولايتها وسيطرتها على القدس كعاصمة لها، ولهذا افتعلت الأزمة، ووضعت الشروط التي تحول دون أن يكون للأمير حرية الحركة بدءا من تحديد عدد مرافقيه وحراسه، مرورا بالاعتراض على الأسلحة الموجودة بحوزة حمايته، وانتهاءً بخط سير الرحلة.

رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي يكره الأردن، لم يفوت الفرصة قُبيل الانتخابات لاستعراض، لم يفوت الفرصة قُبيل الانتخابات لاستعراض قوته أمام الأردن، وتباهى بتعطيل الزيارة لأنها لم تكن وفق أجندتهم، وبالمقابل لم تتأخر الصفعة الأردنية برفض مرور طائرته عبر الأجواء الأردنية للذهاب في زيارة انتخابية إلى أبوظبي.

كل المحاولات التي بذلها رئيس الشاباك في اللحظات الحرجة لحل المشكلة وتذليلها وجدت أبواب أردنية موصدة، وكل الهواتف كانت مغلقة، وملخص القول إن الأردن ليس "حيط واطي" للقيادة الإسرائيلية.

كادت قصة تعطيل زيارة ولي العهد الأردني إلى القدس، وما تبعها من رفض انتقال نتانياهو بمروحية إلى عمّان لتُقله طائرة إماراتية إلى أبوظبي أن تخلق أزمة شائكة، خاصة حين أصدر نتانياهو -حسب معلومات نشرتها الصحافة الإسرائيلية- أوامر إلى سلطة الطيران بإغلاق المجال الجوي مع الأردن، وهو الطلب الذي قوبل بالرفض.

وبغض النظر عن النتائج النهائية للانتخابات الإسرائيلية، وسواء نجح نتانياهو أم فشل في تشكيل الحكومة؛ فإن صفحة الخلاف مع الأردن لن تُطوى اليوم أو غدا، وما يُصرح به وزير الأمن الإسرائيلي بيني غانتس "نتانياهو يُدمر العلاقات مع الأردن" حقيقة، وليس كلاما مختلقا في إطار الصراع الانتخابي، ولكنها لا تتوقف عنده، وهو يعكس مواقف عموم اليمين الإسرائيلي الذي أصبح يرى في اتفاقيات السلام عائقا أمام تمدد سلطات الاحتلال ومشاريعها التوسعية.

أخطر ما قيل في هذا السياق ما نشره الكاتب الإسرائيلي روغل أوليفر عن توجهات وخطط اليمين الإسرائيلي بإسقاط وإزاحة العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني.

وينوه هذا الكاتب إلى تزايد المقالات من كتّاب يمينيين يتحدثون عن تفجير اتفاق السلام مع الأردن، ويُشيرون إلى أن ضم غور الأردن عملية تكتيكية لضرب عصفورين بحجر واحد، ضم الضفة الغربية أولا، وإلغاء الاتفاق مع الأردن ثانيا، والهدف الاستراتيجي من كل ذلك إسقاط العائلة الهاشمية، وتجسيد حلم أن الأردن هو فلسطين.

ما يُخفف من قلق الأردن، ويُريحه من صلف نتانياهو أن حليفه الأساسي الرئيس الأميركي ترامب قد انتهى وغادر البيت الأبيض، والدلال الذي حظي به على حساب الأردن لن يتكرر، وإدارة بايدن ستُدير المشهد بطريقة مختلفة، والسباق الآن بين عمّان وتل أبيب من سيحظى بمقابلة الرئيس الأميركي أولا، ولمن سيُصغي بايدن؟

منذ شهر يونيو 2018، لم يلتقِ العاهل الأردني بنتانياهو، ولا يُتوقع أن يحدث ذلك قريبا، وعلى العكس فإن عمّان تفتح أبوابها لخصم نتانياهو غانتس، ويلتقي وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي بوزير الخارجية الإسرائيلي غابي أشكنازي على جسر الملك حسين في مناكفة واضحة، ورهانات على تعزيز معسكر المُناوئين له، وأكثر من ذلك فإن الأمير الحسن بن طلال عم الملك عبد الله الثاني، وولي العهد السابق للأردن يوجه رسالة إلى الشعب الإسرائيلي في صحيفة يديعوت أحرنوت قد تُفهم أيضا بأنها في سياق الحملة المُناوئة لإعادة انتخاب نتانياهو، وتصف الكاتبة سيمدار بيري المقال بأنه "مناشدة للجمهور الإسرائيلي من فوق رؤوس رجال الدولة في القدس".

قبل أن تبدأ زيارة ولي العهد إلى القدس وئدت، وبعيدا عن مسوغاتها ومبرراتها السياسية فإنها أضرمت مجددا بنيران الخلافات مع القيادة الإسرائيلية، فالأردن لم يغب عن باله كل الخروقات والتجاوزات التي ارتكبها نتانياهو بحقه، فحتى الآن لم تُنسَ حادثة مقتل الأردنيين في السفارة الإسرائيلية في عمّان، والأكثر بشاعة استقبال نتانياهو للقاتل كبطل، ومن قبله قتل القاضي الأردني رائد زعيتر بدم بارد، ولا يوجد في سجل نتانياهو إلا الضغينة، واختلاق المشاكل مع الأردن.

صراع الإرادات مستمر بين الأردن وإسرائيل، والضرب تحت الحزام متوالي ولا يتوقف، فالأمير الشاب كان يريد أن يظهر بين المقدسيين كزعيم هاشمي يتحدى الاحتلال، ويفرض الوصاية الهاشمية ممارسة لا قولا مهما كانت التكلفة السياسية، ونتانياهو كان يريد أن يستثمر الزيارة ويوظفها على أن القدس ستبقى تحت السيادة الإسرائيلية، ولن يدخلها حتى الأمير إلا بشروطهم، وتحت حراستهم ووصايتهم.

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.