حادث مستشفى السلط يسلط الضوء على صراع مراكز قوى في الأردن
حادث مستشفى السلط يسلط الضوء على صراع مراكز قوى في الأردن

قد تكون أفضل بداية أستهل بها مقالي، ما كررته كثيرا على مسامع من تحدثت معهم في الأيام الماضية، وهي أن الأردن يعيش مفارقات فانتازية مدهشة: 

فنحن أمام صراع مراكز قوى كل طرف فيه يدعي التقرب من الملك، وكل طرف يضع الملك في خطابه الرسمي، ليواجه به خصمه الذي من أدوات دفاعه صورة الملك.  

حكومة الملك تحاربها مؤسسات الملك، وطاقم مكتب الملك يواجه مؤسسات أخرى تقول أنها تمشي بأوامر الملك، وهذا يتضمن الأجهزة الأمنية التي يترأسها الملك، وهي دوما تبحث عن "صكوك ولاء" يسعى مدراؤها إثباتها في معارك "طواحين هواء" أمام الملك، وعلى الرصيف المقابل لكل تلك المصفوفات المتناحرة، تبرز مصفوفة فوضوية من المعترضين والمنتقدين أصحاب الصوت المرتفع ومتسلقي الحراك وجنرالات البث المباشر وجهلة يحملون أجهزة ذكية وثوار فقاعات الفيسبوك وقد طرحوا أنفسهم معارضة ضد الملك، بينما في الشارع الذي يفصل الرصيفين، يقف شباب أردني "من كل الأصول والمستويات" غاضب وحانق ومقهور، ويتحدث بوعي عن رؤية طموحة لدولة مؤسسات، ويا للمفارقة الأكبر: رؤيتهم هي بالضبط نفس الرؤية التي يتحدث ويكتب عنها الملك. 

بين الشارع والملك، فجوة يتكدس بها كل رجال الملك وقد غابت المؤسسات الدستورية عن المشهد. 

مثل غيري ومن بعيد، أراقب المشهد الأردني عبر تتبع الأخبار والصور، الصور في الأردن لها دلالاتها أيضا، وهي تحمل أحيانا رسالة سياسية على صيغة خبر. 

مثلا، صورة رئيس الوزراء بشر الخصاونة بأركان الأمن والجيش في الدولة وهو يجلس على رأس الطاولة بزاوية مائلة خجولة، والصورة قد تكون طبيعية في دولة مؤسسات طبيعية لأنها تجمع رئيس الوزراء وزير الدفاع مع طاقم المؤسسات الأمنية بالإضافة إلى قائد الجيش، وهم في المحصلة موظفون بمناصب إدارية تحت تراتب هيكلي على رأسه رئيس الحكومة. 

( .. وهو ما يذكر أيضا بالمناسبة بصورة مشابهة للرئيس السابق الدكتور عمر الرزاز في صيف 2018 حين زار الحدود الشمالية وقاد خلفه مدراء الأجهزة الأمنية وظهرت الصورة بأنه يوجه ويعطي الأوامر، لتبدأ بعدها الانفجارات السياسية في وجه حكومته). 

الصورة في عيون الأردنيين العارفين بأحوال بلادهم ستثير كثيرا من الأسئلة وقد تثير أمنية "يائسة" تعزز مصداقية رسالة الملك إلى مدير مخابراته -موقوفة التنفيذ حتى الآن- لعلها تكون بداية لعودة "مؤسسات الدولة" إلى الدولة. 

لكن، وعودا إلى صورة الرئيس مع "طاقم الدولة الأمني" فهي لم تأت من فراغ، بل هي جزء من تبادل رسائل في صراع مراكز قوى لم ينته حتى الآن. 

سبقت الصورة، أحداث مؤسفة عرفها العالم باسم "مأساة مستشفى السلط"، وفي المأساة الغريبة والعجيبة والمفجعة، انقطع الأكسجين وقتا طويلا ليقضي على مرضى في المستشفى. 

الحادثة كما قالت لي مصادر أردنية لم تكن الأولى، هناك إهمال مشابه مات فيه مرضى لذات السبب في مستشفيات في الجنوب وفي الزرقاء، ولم يتحدث أحد عن ذلك، ذات المصادر استغربت معي وصول الأجهزة الأمنية "المتعددة" قبل أن يصل إمداد الأكسجين الذي انقطع!. 

الصور تتلاحق في ذلك اليوم المفجع، الخبر ينتشر على وسائل التواصل الاجتماعي بمنهجية "اشتعال القش" والناس تتحشد "رغم وباء كورونا" غاضبة أمام المستشفى، الهتافات تتصاعد في بث مضطرب ومتلاحق من كل الزوايا عبر الهواتف الخلوية -القش المشتعل- ويحضر نواب المدينة في البرلمان، يتحدثون ببلاهة (وإثبات ولاء للقاعدة الانتخابية والملك معا)، يصل وزير الصحة، يتحدث بدهشة بادية عليه ويحاول ضبط أعصابه، ويتحمل في المحصلة المسؤولية وحده، (تم استبداله لاحقا بوزير داخلية بخلفية عسكرية ليكون "قائم مقام" وزير الصحة!). 

يحضر الملك، والصور تحمل المشهد بسرعة لا تكاد تلتقط فيها إلا الفوضى وبعض مقاطع للملك يؤنب فيها مدير المستشفى. 

في المشاهد التي وردت بعد ذلك في كومة القش المشتعلة "بفعل فاعل خبيث طبعا"، صورة سيارة قيل أنها سيارة رئيس ديوان الملك وقد تجمع حولها الناس بغضب، ومنعوها من دخول ساحة المستشفى، وأهانوا ما قالوا أنه رئيس ديوان الملك بضرب زجاج سيارته أمام وجهه بالأحذية، وأجبروه على العودة من حيث أتى. 

(لم يصدر نفي من الديوان للقصة على سعة انتشارها، وانتشر بعدها نص غاضب وصلني نسخة منه قيل أنه لابنة رئيس الديوان تتهم فيه الغاضبين بالجحود ونكران الجميل). 

في تلك اللحظة على ما يبدو من تتابع "القش المشتعل" كان الغاضبون أمام باب المستشفى يهتفون للملك، ويؤكدون أن أرواحهم فداء للملك، ولم يعرف أحد إن كان ذلك يشمل بأثر رجعي أرواح الذين ماتوا بانقطاع الأكسجين قبل ساعات. 

هذا المشهد "المشتعل كله" كان برمته لاحقا لمشهد قبله، أيضا كان فيه جدل كبير. الملك قبل حادثة مستشفى السلط أرسل رسالة غير مسبوقة إلى مدير المخابرات العامة، الرسالة فيها تأنيب واضح على تاريخ المخابرات في التدخل وتجاوز عملها الأمني (مع أنها من أجهزة الدولة تحت أمر الملك)، العارفون بعلاقة الملك مع رئيس حكومته قالوا لي أن الملك يثق جدا بمستشاره السابق ورئيس حكومته الحالي ويريد منه عملية تشذيب شاملة للمؤسسات تتساوى فيها الرؤوس، كما حدثني هؤلاء (على اختلاف آرائهم) أن رئيس الحكومة الحالي ومن موقعه السابق في مكتب الملك راقب ميكانيكية "صراع القوى"، وربما التقط من موقعه كما قد يلتقط أي متتبع لـ"تايم لاين" الحكومات المتعاقبة للملك، تلك المصادفات "التثويرية "التي تواجهها تلك الحكومات فجأة وتؤلب الناس عليها كأنها هي وحدها المسؤولة عن كل الأزمات، ومن هذا المنطلق كان الاعتقاد -وقد لا يكون صحيحا-  أن رسالة الملك لمدير المخابرات توصية قوية من رئيس الحكومة لرأس الدولة. 
-- 
هذا المشهد السوريالي كله يحدث بينما الشارع يغلي بمطالب متعددة، لعل أكثر ما لفت انتباهي فيها مطالب مجموعة شباب "الحراك" في الشارع، هم ذاتهم الذين استطاعت الأجهزة الأمنية إقناع الملك على الدوام بازدرائهم وإهمالهم بالجملة وبدون فرز ضروري وموضوعي بين غوغاء جاهل ومسيء لأي حراك سياسي محترم ومجموعات واعية لكنها تفتقر للأدوات أو بالأحرى تم حرمانها من الأدوات. 

المدهش، أني حين قمت بالاتصال بمجموعة منهم (وهم يحملون أسماء عشائر وقبائل أردنية)، كنت أنا شخصيا قد صدقت ماكينة الشيطنة عبر الإعلام الأردني المدجن أمنيا، فكانت توقعاتي المسبقة تفترض حوارا عبثيا مع شباب حانق وغاضب ومتعصب قبليا وإقليميا ويرى في الفوضى البديل الأنسب، لأتفاجأ بخطأ توقعاتي وسخافتها وخجلي من نفسي أمام شباب غاضب وحانق ومقهور، لكن واعي ومدرك ويتحدث عن طموحه الحقيقي والصادق بدولة مؤسسات وقانون تتجاوز العشيرة والأصول والعقائد، ورؤيتهم الصافية لتداول ديمقراطي للسلطة يتطلب حياة حزبية سليمة. 

كان حديثهم -على الغضب والحنق المفهومين- مليئا بالوعي المعرفي الحقيقي والصادق، والمتفوق على كثير من أدعياء الوعي من أكاديميين وكتاب ومحللي فضائيات ينكفئون فورا إلى قبيلتهم وعشيرتهم الأقربين. 

كنت أستمع لهم كلا على حدة، وأتذكر أن هذا الحديث بالضبط هو ما سمعته من الملك، وقرأته في أوراقه النقاشية المطروحة للنقاش، ولم يناقشها أحد من رجال الملك بل وجدتها في نقاش الشباب الذين يعتقلهم ويلاحقهم ويقمعهم رجال الملك. 

وتساءلت معهم ومع نفسي: كيف استطاع رجال الملك "المشغولين بالتنازع على ثقته ورضاه بيأس واضح" أن يخلقوا من شباب واعين ويائسين معارضة بدلا من تشكيل وإعادة بناء مؤسسي للدولة بهم؟ 

وكان تساؤلي التالي مع نفسي عن تلك المعارضات "الفقاعية" المتخمة بالهواء الفاسد التي ملأت فراغ الحياة السياسية الخالية من كل مؤسسات دستورية وقانونية رقابية قادرة على أن تعترض وتطالب بالتغيير. 

وتوالدت ولا تزال الأسئلة التي حاولت ان أجد أجوبتها عند كثيرين ممن اتصلت بهم، وأجابوني مشكورين، مع امتناع رئيس الحكومة الذي لم يرد على رسائلي، ومدير المخابرات الذي تواصل معي أحد مساعديه ووعدني بالرجوع بأجوبة واضحة لكنه لم يفعل. 

( ..وغالبا يرد رئيس الحكومة على كل أسئلتي حين يكون "رئيس أسبق" وكذلك مدراء وكبار ضباط المخابرات والأمن الذين يصبحون ودودين وكرماء بالمعلومات بعد تقاعدهم). 

ومن تلك المصادر التي تواصلت معها استطعت تكوين انطباعات فرعية على موضوع صراع مراكز القوى العجيب في الأردن، فيمكن بسهولة التوصل أيضا إلى أن رئيس الحكومة نفسه شخصية تأزيمية "وتفهم بالخبرة الشخصية المؤامرات بكل تعقيداتها" كما قيل لي بحكم عناده الشخصي، وهذا ما يجعل مواجهته مع أجهزة امنية عديدة وعلى ذات مستوى العناد بالحفاظ على سلطاتها "الزائدة" بلا نقصان مواجهة غير عادية. 
 
المشكلة في الأردن، أن لا أحد يضع الدستور حكما، ولا مرجعية دستورية واحدة ومنصفة تحدد المسؤوليات والواجبات وتضع حدود السلطة لكل موظف في الدولة، مما يجعل حضور رئيس الوزراء او أي من وزرائه لجلسات "مجلس السياسات" مفارقة مضحكة نظرا لأن المجلس نفسه غير دستوري ووجوده يسلب حق الحكومة الشرعي "والمختطف" بوضع السياسات للدولة، ومراقبتها بالتالي من المجلس التشريعي الذي فقد هيبته وحضوره ومحتواه بقوانين انتخابية هزيلة تنتج دوما لاعبي أكروبات في سيرك سياسي. 
-- 
مع كل ما سبق، وربما أستكمله في مقالات قادمة أقرأ فيها التغيرات الإقليمية الهائلة حول الأردن وعلاقة ذلك بضرورة الإصلاح كمطلب وجودي للأردن، فإنني أتذكر استهلالا لمقال كتبته عام 2017 في موقع الحرة، كان عنوانه : كل رجال الملك. 

وفيه أقول: 

هناك أغنية من التراث الإنكليزي القديم، يحفظها كثير من الأطفال حول العالم، وتتحدث عن بيضة اسمها "همبتي دمبتي" – Humpty Dumpty- وهي البيضة التي تجلس على السور، حسب نص الأغنية، وتسقط سقطة عظيمة عن السور.. وطبعا تتكسر. 

وتقول قفلة الأغنية: 

 

All the king’s horses

 

All the king’s men

 

Couldn’t put Humpty together again. 

كل أحصنة الملك.. 

كل رجال الملك.. 

لم يقدروا على لملمة همبتي مرة أخرى، (أو إعادة "الدولة" إلى ما كانت عليه). 
 
من تلك الأغنية، أفكر دوما بالحالة الأردنية، مرددا بيني وبين نفسي كل مرة عبارة: "كل رجال الملك"!! وكل خيوله أيضا!

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.