جميع المؤشرات تدل على أن إقامة علاقات بين إسرائيل والسعودية
جميع المؤشرات تدل على أن إقامة علاقات بين إسرائيل والسعودية

في الآونة الأخيرة كان ثمة تقارير تتحدث عن قيام عسكريين وفنيين إسرائيليين بتركيب معدات القبة الحديدية في السعودية لحمايتها من صواريخ الحوثيين، وذلك بالتنسيق والتعاون مع القوات الأميركية.

لا يوجد حتى الآن ما يؤكد هذه التقارير أو ينفيها، لكنها إن صحت لن تكون مستغربة، بالنظر إلى السياق العام الذي تجري فيه، والذي يشير بوضوح إلى اتجاه السعودية إلى إقامة علاقات رسمية مع إسرائيل.

وكان لافتا أن إشارتين صدرتا في الأيام القليلة الماضية من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو ثم وزيره لشؤون الاستخبارات إيلي كوهين، تم فيهما الحديث عن تقديرات بقرب انضمام كل من السعودية وقطر وسلطنة عمان والنيجر إلى "اتفاقات إبراهيم".

هنا أيضا قد يفهم الأمر على أنه محاولة من نتانياهو وحزبه للتأثير في الانتخابات الإسرائيلية، عبر إقناع الناخبين بقدرته على تحقيق السلام بين العرب والإسرائيليين.

لكن هذا أيضا يأتي في نفس السياق الذي تحدثنا عنه، وليس منفصلا عنه. فالإمارات والبحرين لم تكونا لتوقعان على إقامة علاقات مع إسرائيل من دون التشاور وأخذ موافقة السعودية، أو على الأقل عدم اعتراضها. كما أن الأخيرة وافقت على فتح مجالها الجوي أمام الطائرات الإسرائيلية المدنية التي تقوم برحلات إلى الخليج، في خطوة غير مسبوقة.

بعبارة أخرى، فإن جميع المؤشرات تدل على أن إقامة علاقات بين إسرائيل والسعودية يبدو أنها باتت مسألة وقت ليس أكثر، أما المبدأ نفسه فلا يوجد خلاف كبير عليه.

مسألة التوقيت هنا قد تكون مرتبطة بعدة عوامل. بعضها داخلي وبعضها ينتظر الظروف المناسبة في المنطقة، وبعضها يتعلق بالوضع في إسرائيل وما إذا كان يمكن أن يترافق قرار كهذا بخطوة تقدم عليها الحكومة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.

لكن مبدأ إقامة العلاقات باعتقادي حددته سلفا التحولات الاستراتيجية التي تمر بها المنطقة. وهذه التحولات يمكن إيجازها في بعض النقاط.

إن الولايات المتحدة لم تعد مهتمة بالشرق الأوسط على النحو الذي كان سائدا في العقود الماضية. فهناك اتجاه أميركي متزايد لتقليص الوجود وكذلك الانخراط في النشاطات العسكرية. الالتزام الأميركي بالدفاع عن الحلفاء في المنطقة لا زال قائما، لكن هذا الدفاع محصور في الهجوم الذي يهدد وحدة وسيادة هذه الدول، كما حدث في الغزو العراقي للكويت، أما مواجهة النشاطات المزعزعة للاستقرار فعلى دول المنطقة ألا تأمل بأكثر من عبارات الشجب والإدانة والتعبير عن القلق.

ادخال مسائل حقوق الإنسان والديمقراطية والمحاسبة وما إلى ذلك، في صلب العلاقات الأميركية السعودية والخليجية، هو عنصر جديد يفتح ثغرة كبيرة في هذا التحالف لن يكون من السهل ردمها. ومع أن هذا الأمر ينسجم مع دعوة واشنطن لشركائها في المنطقة لتحسين سلوكهم الداخلي، فإنه يعني أن دول الخليج لن تجد في إدارة بايدن الدعم أو التفهم الذي اعتادت أن تجده في الإدارات الأميركية المتعاقبة عندما يتعلق الأمر بسياساتها الداخلية.

لا يمكن للسعودية أو دول الخليج أن تواجه المحور الإيراني بمفردها، والفراغ الذي سوف يتركه الغياب الأميركي، يتعين ملئه إما بتحالفات دولية أو إقليمية، أو بهما معا. لكن في مسائل السلاح والتكنولوجيا من الصعب على السعودية أو دول الخليج التعويل على روسيا أو الصين. ليس فقط بسبب الفارق في النوعية وكفاءة السلاح وصعوبة إدخاله في منظومة التسلح الخليجية القائمة على التكنولوجية الغربية منذ عقود طويلة، ولكن أيضا بسبب وجود القواعد والاتفاقيات العسكرية بين هذه الدول والولايات المتحدة.

اللجوء إلى خيار التحالف الإقليمي وإدخال إسرائيل فيه، يحل هذه المشاكل أو على الأقل يخفف منها إلى حد كبير. فهو سوف يظهر أن دول الخليج جادة في الاعتماد على نفسها من جهة، ومن جهة أخرى سوف يوفر للولايات المتحدة بدائل مناسبة ويعفيها من التدخل النشط والمباشر في الأزمات الناشئة.

يضاف إلى ذلك حقيقة أن دولتين من دول مجلس التعاون (الإمارات والبحرين) قد أقامتا علاقات رسمية مع إسرائيل، ما يجعل المجلس بصورة أو بأخرى طرفا في هذه العلاقات، وإذا قررت دول الخليج إعادة العافية من جديد إلى مجلس التعاون والمضي قدما فيما اتفق عليه في قمة العلا بشأن المصالحة الخليجية، فالمؤكد أن ذلك سوف يخلق ديناميكية جديدة تدفع باقي هذه الدول إلى السير على خطا الإمارات والبحرين.

بعبارة أخرى، فإن توقيت الخطوة السعودية في إقامة العلاقات مع إسرائيل لا يبدو هو المهم، من زاوية التحليل الموضوعي، وإنما السياق الإقليمي العام الذي يبدو أنه يأخذنا إلى هذا الاتجاه شيئا فشيئا.

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.