Nawal El Saadawi, a prominent Egyptian feminist who has been jailed several time for her leftist political views, July 2, 1985…
السعداوي الكاتبة والطبيبة والناشطة التي عرفت بمواقفها التنويرية الجريئة.

لقد رؤوا الثعابين والعقارب تخرج من قبر نوال السعداوي، وسمعوا أصوات الصراخ! وهم يتوعدون كل من يشكك في الأمر بأنه سيعيش نفس الشيء. وأنا، بكل السذاجة الممكنة، أتساءل: لماذا زار كل هؤلاء قبرها أساسا ما داموا يكرهونها بهذا القدر؟ 

إذا كان الأمر كذلك، وبالنظر لحجم الظالمين والطغاة حولنا، يفترض أن تكون أصوات الصراخ الصادرة من المقابر مرتفعة جدا بحيث نسمعها من بيوتنا، أو على الأقل يسمعها المقيمون في الأحياء القريبة من المقابر.

ويفترض أن يكثر عدد الثعابين وعدد العقارب في مدننا لأنها، كما غادرت قبر نوال السعداوي بعد عقابها حيث شاهدها المؤمنون المتخشعون الذين أدلوا بشهاداتهم، يفترض أن تغادر قبور هؤلاء لتتجول بيننا ولكي تكون عبرة لنا. أم أنها يا ترى تبقى حبيسة المحيط الجغرافي لقبر المعني؟ ولماذا حين يزور بعضنا قبور أحبابهم المتوفين، لا يصادفون هذه الثعابين والعقارب؟ إذ لا يعقل أن يكذب كل هؤلاء المؤمنون ويخترعوا أشياء غير حقيقية وهم في مستوى التدين العالي هذا!

ثم، ألا يفترض، دينيا، أن هناك يوما للحساب والعقاب، تقدم فيه أعمال كل فرد ويقرر الله مصيره حسب أعماله في الدنيا؟ فما هي يا ترى فلسلفة عذاب القبر؟ هل هو عذاب قبل الحساب؟ ألا يكون ذلك ظلما؟ هل هو "تسبيق" في الدفع\العقاب... قبل الحساب النهائي؟ أم أن الخرافات الفقهية غلبت العقل والمنطق، بل وغلبت منطق الدين نفسه وفلسفته الأصل؟

ثم، أي تدين هذا يجعل الفرد يحمل هذا الكم من الحقد ومن الكراهية للآخر، لمجرد اختلاف في الفكر؟ ألا يمكن أن يختلف المرء مع نوال السعداوي وغيرها دون أن يسقط في السب والشتم والعنف والكراهية؟ هل نتصور أن حقد البعض جعلهم يأخذون مكان الله نفسه، ويقررون مصيرها في حين أن صلب الإيمان في الإسلام أن لا أحد يعلم ما يكتبه الله للفرد بعد الموت؟ 

المؤسف حقا أن معظم هؤلاء يتهجم على نوال السعداوي (وعلى طه حسين وفرج فودة ونصر حامد أبو زيد ونجيب ومحفوظ) دون أن يقرؤوا لهم. يتهجمون ويكرهون ويلعنون... اعتمادا على ما سمعوه من غيرهم! 

ملأوا مواقع التواصل بخطاب الكراهية والحقد والعنف والتشفي، لدرجة أن شبهوا الإسلام بمرض خبيث من حيث لا يدرون، حين كتب الكثير منهم: "ماتت نوال السعداوي بعد صراع طويل مع الإسلام"؛ فهل يرون الإسلام سرطانا مثلا؟ أم أنهم، بسب الحقد في قلوبهم وسعيهم لإيذاء الآخر، لا ينتبهون أساسا أنهم يسيئون لما ومن يبتغون الدفاع عنه؟... 

وغدا، أمام أي حادث إرهابي جديد، نفس حملة خطاب العنف والكراهية هؤلاء، سيخرجون ليقولوا بأن الإسلام دين رحمة ورأفة وأن الإسلام يدين العنف! 

قبل وفاة نوال السعداوي وقبل حملة الكراهية تلك، تابعنا أيضا حملة عنف وكراهية شديدة ضد الفنانة عفاف رشاد، بسبب خلعها الحجاب (وقبلها، تابعنا حملات مشابهة ضد حلا شيحا وصابرين وشهيرة وغيرهن من الفنانات اللواتي خلعن الحجاب). حملة تنمر وعنف وكراهية... دائما باسم الدفاع عن الدين.

ألا يفترض أن يملأ التدين قلوب المؤمن والمؤمنة بالحب والرحمة، أم أن تدين هؤلاء يملأ القلوب كراهية وعنفا وعدوانية؟  ثم، ألا يقول هؤلاء إن الحجاب حرية فردية؟ فهل يكون ارتداء الحجاب حرية فردية وخلعه جريمة نكراء وخروجا عن الدين؟

ألا يؤمن كل هؤلاء بالآية التي تقول: "ولا تزر وازرة وزر أخرى؟" ألا تتحمل نوال السعداوي وعفاف رشاد وكل فرد مسؤولية عمله أمام نفسه وأمام الله، مادام لم يقم بعمل يؤذي الآخرين في سلامتهم أو صحتهم (وهنا يفترض أن يتدخل القانون)؟ لماذا تسعى الجموع لممارسة الوصاية على الآخرين؟

أم أن تخوفهم نابع من انتشار صدى الأصوات التنويرية ومظاهر الحرية، بفضل مواقع التواصل، والتي أصبحت تحطم هيمنتهم على الصورة والمعلومة والتفسير والكلام؟ 

أي نعم، مواقع التواصل وفرت منابر للمتطرفين وللخرافة... لكنها أيضا فتحت آفاقا كبيرة أمام الأصوات المتنورة والعقلانية التي ما كانت تصل إلا للقليلين... اليوم، صارت تصل للجميع وتفضح الخرافة واستغلال العقول باسم الدين. كما أصبحت العديد من تمثلات الحرية تظهر جلية وتعبر عن نفسها... وهذا ربما ما يصيب البعض بالسعار، فيخترع الثعابين والعقارب وينسبها لله! 
فأيهم يسيء فعلا للإسلام؟ 

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.