إحدى بطلات فيلم أطفال الشمس الإيراني
إحدى بطلات فيلم أطفال الشمس الإيراني

تحفل السينما العالمية بعشرات الأسماء لنجوم من الجنسين اكتشفت مواهبهم في سن مبكرة تراوحت بين الأربع سنوات وسن اليفاعة. تجارب ثرية لأطفال توقف بعضها عند حدود المشاركات الأولى مثل نجمة هوليوود الراحلة شيرلي تمبل، فيما ترسخت مواهب العديد منهم لاحقاً وحققوا نجومية استثنائية مثل جودي فوستر التي خطت خطوتها العالمية الأولى في فيلم تاكسي درايفر للمخرج مارتن سكورسيزي.

في حزمة أفلام هذا العام المرشَّح بعضها للمنافسة على جوائز الأوسكار نهاية شهر أبريل القادم، توقف الجمهور والنقاد معاً بدهشة عند وجوه جديدة لممثلين يافعين وصغار، لم يكتفوا بلفت الأنظار لمواهبهم الواعدة فقط، بل نافس بعضهم على جوائز كبرى في مهرجانات عالمية كان آخرها جوائز غولدن غلوب، مثل الطفلة هيلينا زينغل 12سنة عن دورها في فيلم News of the World والكوري آلان كيم 7 سنوات عن دوره في فيلم Minari ، فيما استأثر أبطال الفيلم الايراني خورشيد Khorshid  بالاهتمام الأكبر لبطولتهم المطلقة فيه.

مشاركة الأطفال في أي فيلم سينمائي،  تكون في المعتاد إما بحضور هامشي غير مؤثر، أو مشاركة جانبية فاعلة بعض الشيء تتطلبها ضرورات القصة الموجهة للكبار، أو تصمم كركيزة أداء لقصة فيلم تتوجه في رسالتها نحو الأطفال حصراً، أو تبنى القصة على حضورهم الرئيسي وتتوجه في رسالتها الكونية نحو جميع الفئات العمرية.

في الفيلم الإيراني خورشيد المتداول عالمياً تحت اسمين مضافين The Sun وSun Children، والذي رشح من بين 90 فيلماً إيرانياً لتمثيل بلاده في مهرجان الأوسكار القادم، ينجح مخرجه مجيد مجيدي عبر بنية قصته المؤسسة كلياً على بطولة الأطفال، في مزج جميع الأهداف وتحقيق فيلم خاص مؤثر يستهدف العالم دون تمييز.
حيث يبدو مجيدي بعد فيلمه السابق أطفال السماء 1997،  مستمراُ في شغفه بقضايا  الطفولة، مهموماً بها ومتبنياً لها، مستكملاً سعيه لإيصالها للعالم كصرخات تحذيرية جادة وغير ضاجة، مؤمناً أن الصناعة السينمائية يمكن أن تلعب دورها المسؤول والنبيل في هذا المضمار وتنقلها كواحدة من أبرز الأدوات الفنية طواعية وأكثرها عالمية.

في مقدمة خورشيد الذي يتمحور حول عمالة الأطفال، يُذكِّرنا مجيدي بوجود 152 مليون طفل عامل حول العالم وفقاً للإحصاءات الرسمية. ولإثبات هدفه من التركيز على هذا الرقم المرعب كقضية تؤرقه ويجب أن تؤرق العالم بأسره، لن يلجأ إلى الاستعانة بأطفال عاديين يمثلون نصاً من خارجه، بل سيقتحم العالم الحقيقي لأطفال الشوارع، وينتقي أبطاله من بين آلاف الفقراء والمشردين ممن يراهن على مقدرتهم منح قصته المصداقية المرجوة. 
وسينجح في النهاية في إهداء عالم السينما نجمين فتيين جديدين ومدهشين للغاية، ينقلهما كساحر بشكل غير مجازي من قسوة الشارع إلى أكبر مهرجانات العالم، وهما الفتى روح الله زمانيساجيلو 14 عاماً بدور علي الذي استحق جائزة أفضل ممثل شاب في مهرجان البندقية  الأخير، والطفلة شامة شيرزاد 13 عاماً، وهي لاجئة أفغانية تعمل في قطار الأنفاق.

ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها صنّاع السينما في إيران للاستعانة بالأطفال كممثلين لتقديم أفلام تبدو بسيطة ظاهرياً، لكنها تحمل دلالات شديدة العمق تتعلق بأفكار سياسية أو وجودية أو تحررية كبرى، مثل فيلم البالون الأبيض لجعفر بناهي الذي حصد جائزة الكاميرا الذهبية في مهرجان كان السينمائي 1995. 
بدوره، لايخرج فيلم خورشيد-أطفال الشمس عن السياق ذاته، والذي قد يبدو ظاهرياً فيلماُ بسيطاً في قصته الشيقة التي تتحدث عن البحث عن كنز مخفي تحت أساسات بناء قديم يستعمل كمدرسة مجانية لأطفال الشوارع المشردين.
لكنها البساطة المعقدة التي ستكشف عن عمقها شيئاً فشيئاً، بما يشبه الحفر الحقيقي في أساسات النفس البشرية للعثور على الكنز الكامن في التنوير الذي يحققه تعليم الأطفال، وكاشفاً في الوقت ذاته عفن واهتراء الطبقات المتراكمة التي تشكل أساس هياكل الأنظمة والسلطات المعنية التي تتهرب من مسؤولياتها تحت ذرائع مختلفة وتقضي بتقصيرها على حيوات أجيال متتالية مسحوقة.

كل من يعمل في الصناعة الدرامية بأشكالها، يدرك مسبقاً حجم الصعوبة والتحديات التي ستواجهه حال مغامرته بمشاركة أطفال في العمل، لكن الفنون تستحق دوماً الشجاعة والمغامرة لأجل تجديدها وضخ دماء شابة فيها، والإفساح في المجال لمواهب واعدة قد تكون مخفية كالجواهر تحت الطين،  وبخاصة إن تمكنت هذه المواهب الشابة من خدمة قضاياها بشكل مباشر، وهو ماحققه مجيدي في خورشيد- أطفال الشمس تحديداً.

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.