إدارة بايدن ستكون مختلفة عن إدارة ترامب بالتعامل مع الملف الفلسطيني الإسرائيلي.
المراقبون يستبعدون أن تخرج واشنطن بمبادرة سلام جديدة قريباً.

بشّرت إدارة جو بايدن بالعودة إلى الموقف الأميركي، التقليدي والمتوارث، من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي: "حل الدولتين"، رفض الخطوات أحادية الجانب، التواصل مع الجانب الفلسطيني، تقديم دعم للسلطة وآخر إنساني لقطاع غزة و"الأونروا"، فضلاً عن اعتماد "التعددية" بدل "احتكار" ملف الوساطة والرعاية للعملية السياسية.

وعلى الرغم من الشكوك الكثيفة التي تحيط بقدرة واشنطن على اعتماد "التعددية"، بدل "التفرد"، في كل ما يتعلق بالمسألة الفلسطينية، استجابة لموقف إسرائيلي تقليدي رافض لأي شكل من أشكال "تدويل" هذه القضية، إلا أن عودة الحياة لـ "الرباعية الدولية"، ينبئ بأن واشنطن، تحت إدارة بايدن، قد تكون منفتحة على أشكال ومستويات من "التعددية".

على أن المراقبين ومصادر المعلومات القريبة من الحراك الدبلوماسي، الإقليمي والدولي، تستبعد أن تخرج واشنطن بمبادرة جديدة للسلام قريباً، فالقضية برمتها، لا تتصدر جدول أعمال هذه الإدارة، والإدارة كما تُسرب مصادرها، تفضل التريث لحين اتضاح نتائج انتخابين: الإسرائيلية، التي تمت في الثالث والعشرين من الشهر الجاري، والفلسطينية المقررة في الثاني والعشرين من مايو المقبل. وبعدها سيُبنى على الشيء مقتضاه.

"حل الدولتين" والانتخابات الإسرائيلية

انتهت الانتخابات الإسرائيلية المبكرة الرابعة، بإنتاج الكنيست الرابع والعشرين، حيث نجحت "الكتلة الصلبة" لليمين الإسرائيلي في السيطرة على 60 بالمئة من مقاعد الكنسيت (72 مقعداً من أصل 120 مقعد)، توزعت على النحو التالي: الليكود 30 مقعداً، شاس – المتدينون الشرقيون (9 مقاعد)، يههوديت هتوارة – المتدينين الغربيين (7 مقاعد)، إسرائيل بيتنا (7 مقاعد)، يميناه (7 مقاعد)، تيكفا حداشا (6 مقاعد)، والصهيونية الدينية شديدة التطرف (6 مقاعد).

ليس المهم، مَن مِن هؤلاء، ينوي الانضواء تحت راية الليكود بزعامة نتنياهو لتشكيل الائتلاف الحكومي الجديد، ومَن منهم، يرفض الأمر جملة وتفصيلاً، الأهم أن هذه "الكتلة الصلبة"، ستقف حجر عثرة في وجه أي محاولة أميركية لإحياء عملية السلام وبعث خيار "الدولتين"، مَن كان من أحزابها في الحكومة أو من انتظم منها في صفوف المعارضة. وبوجود هذه "الكتلة المانعة"، هيهات أن تقوى أي حكومة مقبلة في إسرائيل، على تمرير أي حل سياسي، ينهض حتى على "الرؤية الأميركية"، دع عنك الحل الذي يلبي التطلعات والحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.

السيطرة على الضفة الغربية (والقدس من باب تحصيل الحاصل)، باعتبارها "يهودا والسامرة"، هو القاسم المشترك الأعظم بين كتل اليمين "الصلبة"، لا أحد يُلقي بالاً للجهود والمبادرات التي يمكن أن تصدر عن البيت الأبيض، لقد اختبر هؤلاء سياسات المماطلة والتسويف بنجاح، وهم قادرون على إغراق الإدارة الجديدة، بمفاوضات عبثية حتى تستنفذ ولايتها، ولعل أكثر شعارات الحملة الانتخابية دلالةً، لبن غبير وبتسلئيل سموتريتش، زعيمي اليمين "الكاهاني": من يحكم يهودا والسامرة، يحكم إسرائيل، في إشارة للدور المركزي لـ"لوبي الاستيطان" في صنع السياسات الإسرائيلية.

كتلة المركز (الوسط) تتألف من ياش عتيد (17 مقعداً) وكحلون لفان (8 مقاعد)، تشكل 20 بالمئة من الكنيست، وهي كتلة محسوبة تاريخياً على اليمين الإسرائيلي، وهي لم "تنزح" صوب الوسط، بفعل مراجعات سياسية وفكرية، بل جرّاء نشوء كتل وأحزاب على يمينها، أكثر تطرفاً منها، فباتت تحسب على المركز، وهي وإن كانت أكثر "مرونة" من "الكتلة الصلبة" فيما خص "حل الدولتين"، إلا أنها تقف ضد إنهاء احتلال 67، ووقف الاستيطان، دع عنك تفكيك المستوطنات، وتدعم كغيرها من كتل اليمين، متطلبات "نظرية الأمن الإسرائيلية"، بترجمة، لا تُبقي مطرحاً للسيادة وتقرير المصير الفلسطينيين، وترفض تقسيم القدس، أو جعلها عاصمة مفتوحة لدولتين.

اليسار والعرب، يقبعون على يسار الخريطة السياسية والحزبية في إسرائيل: 13 مقعد لليسار (7 للعمل، و6 لميريتس)، و10 مقاعد للعرب (6 للقائمة المشتركة و4 للقائمة الموحدة)، وتشكل بمجموعها، حوالي 20 بالمئة فقط، من إجمالي عدد أعضاء الكنسيت، ولا فرص أمامهم للتأثير على توجهات السياسة الإسرائيلية.

بفرض نجاح المفاوضات والمشاورات في تشكيل حكومة إسرائيلية مستقرة، فإن خيارات رئيس الوزراء المكلف، أياً كانت هويته، لن تأتي من خارج "علبة اليمين"، ولن تنشأ في إسرائيل حكومة معتمدة على الصوت العربي، بالنظر لكل هذا الانزياح اليميني في بنية الكنيست وهويته، فيبقى السيناريو الآخر، غير المرغوب، وغير المستبعد: الذهاب إلى انتخابات خامسة، قبل نهاية العام الجاري، ما يعني تعطيل أي مبادرة أميركية، أقله طيلة العام 2021.

ستجد إدارة بايدن نفسها، إن هي فكرت بتحريك المياه الراكدة لسلام الشرق الأوسط، أمام معضلة "غياب الشريك الإسرائيلي" في عملية السلام، وسيتعين عليها فعل ما لا ترغب (وربما لا تقوى) على فعله: ممارسة "ضغوط قصوى" على إسرائيل، لدفعها للجنوح للسلام القائم على المرجعيات المعروفة.

الانتخابات الفلسطينية، أية احتمالات؟

ستتضح في الأسبوع الأخير من مايو المقبل، صورة المشهد الفلسطيني الداخلي، وسيكون بالإمكان "توزين" كل فصيل أو تيار فلسطيني، ومعرفة حجمه وثقله، أغلب الترجيحات تميل للقول بأن الانتخابات التشريعية الفلسطينية، ستجري في موعدها المقرر.

يصعب من الآن، التكهن بنتائج الانتخابات، وسيتعين علينا أن ننتظر حتى نهاية الشهر الجاري، للتعرف على القوائم والكتل التي ستخوض الانتخابات، ومعرفة خرائط التحالفات المحتملة. لكن استطلاعات الرأي العام الفلسطيني تقدّر بأن حركة فتح ستتقدم القوائم المتنافسة، تليها بالطبع، حركة حماس، وسيكون بمقدور القائمتين أن تحصدا مجتمعتين على 70 – 75 بالمئة من مقاعد المجلس التشريعي البالغة 132 مقعداً، وستصبح بقية المقاعد هدفاً لبقية القوائم المتنافسة: (اليسار 7 بالمئة، دحلان 7 بالمئة، ناصر القدوة 6 بالمئة، وربما تتمكن قوائم أخرى: سلام فياض، حسن الخريشة وغيرهما من اجتياز عتبة الحسم وربما تخفق في ذلك).

الأرجح أن تتمكن حركة فتح وحلفاؤها ومستقلون ويساريون من الحصول على الأغلبية في "المجلس التشريعي الثالث"، لكن النية لدى الطرفين الرئيسين تتجه لتشكيل حكومة وفاق وطني، لا تصطدم مع المجتمع الدولي، ولا تتعاكس على نحو سافر، مع شروط الرباعية الدولية الثلاث المعرفة: الاعتراف بإسرائيل ونبذ العنف والانخراط في مسار تفاوضي والقبول بالتزامات السلطة بموجب الاتفاقات المبرمة.

في الحوارات الفلسطينية المتعاقبة، الجماعية والثنائية بين فتح وحماس، أمكن التوصل إلى صياغات تلبي الحد الأدنى لاعتراف دولي بالحكومة الجديدة، والتعامل معها، وقد أبلغت إدارة بايدن بذلك، ومن الملاحظ أن سنوات ترامب الأربع العجاف بالنسبة لرام الله، وسنوات الحصار الثقيلة والمريرة بالنسبة لغزة، دفعت بالطرفين، وستدفع بهما، نحو استجابة "أكثر مرونة" لمبادرات السلام، وبالذات إن صدرت عن واشنطن، وبعد أن يطرأ تحسن ملموس على العلاقات الفلسطينية – الأميركية.

لكن ذلك لا يعني، أن الأطراف الفلسطينية ستبقى على "قلب رجل واحد" في سياق العملية التفاوضية، فإن بدا أن "المعروض" على الفلسطينيين عصيٌّ على الابتلاع والهضم، ستَفعَل ديناميات الانقسام فِعلها من جديد، وإن أخفقت "التسويات الإقليمية"، بالذات بين واشنطن وطهران، في الوصول إلى "نهايات سعيدة"، فالإقليم لن يقف مكتوف الأيدي، وسيفعل ما بوسعه، لقلب الطاولة على رأس إدارة بايدن، وفلسطين، كغيرها من ساحات النزاع، تحوّلت منذ زمن، إلى ساحة لتسوية الحسابات بين المحاور الإقليمية المتنافسة.

المؤكد أن إدارة بايدن، ستجد لدى الفلسطينيين الرغبة في الانخراط، اليوم قبل غدٍ، في مسار تفاوضي "ذي معنى"، لقد عبرت قياداتهم عن ذلك، مراراً وتكراراً، وجوهر الحراك الدبلوماسي الفلسطيني والعربي النشط منذ انتخاب بايدن، يدور حول هذه النقطة المركزية بالذات، لكن من غير المؤكد أن هذه الرغبة، ستستمر، أو ستبقى على حالها في حال عودة إسرائيل تحت قيادة اليمين و"لوبي الاستيطان"، إلى سياسة شراء الوقت وتقطيعه، أو إن جاءت عروض التسوية و"صفقات السلام"، أقل بكثير مما يتطلع إليه الفلسطينيون ويطمحون بتحقيقه.

وسيتعين على إدارة بايدن، وهي تعطي بعض الوقت والجهد، لرسم معالم طريقها إلى هذا النزاع، أن تأخذ بنظر الاعتبار، هذا التفاوت الكبير، بين أولويات الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، واختلاف درجة استعداداتهما للانخراط في مسار تفاوضي جدي، يسعى لتحقيق هدف نهائي واضح: إنهاء الاحتلال، دولة فلسطينية على حدود 67، القدس الشرقية عاصمة لها، وبجدول زمني واقعي.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!