إقليم كردستان في احتفالات عيد النوروز
إقليم كردستان في احتفالات عيد النوروز

لطالما انتقد فلاسفة الإغريق والرومان الديمقراطية في تنظيرهم لِلدورات التاريخية لأنظمة الحكم، وكان محور الانتقاد يقوم على اعتبار أنها تؤدي بالنتيجة إلى حكم الغوغاء، وتصديهم لِلحكم يؤدّي إلى سيادة الفوضى. ومن ثمَّ تكون الخيارات المطروحة للتخلص من حالة الفوضى التفكير بالعودة إلى خيار الحكم الدكتاتوري! لذلك سعى المفكرون المعاصرون إلى ضرورة أن تكون الديمقراطية مرتبطة بالمؤسسات والدستور لتجاوز تلك الأزمة.  

ويبدو أن من يحكم العراق اختار الديمقراطية عنواناً لِنظامه السياسي، لكنّه غيَّبَ عنه حكم المؤسسات والدستور، لأنه بالنتيجة يريد لِلفوضى أن تتحوّل إلى نظامٍ حاكم. ويبدو أننا في العراق نعيش الآن سيادة حكم الفوضى، حيث لدينا كلَّ العناوين السياسية والمؤسسات التي تحدد مفهوم النظام السياسي، لكنّها ليست هي الحاكمة! نعم، لدينا دستور ولكنّه تحوَّل إلى لعق على ألسنة السياسيين في السجالات السياسية. فهو يوظَّف للاحتجاج بين الفرقاء السياسيين ولا يتمّ الاحتكام إلى بنوده، لأنَّ الصفقات والاتفاقات السياسية صاحبة القول الفصل.  

وبات من الطبيعي جداً أن ينام أو يستيقظ العراقيون على أخبار انتشار الفوضى، وطبيعي جداً أن تشاهد انتشار قطاعات عسكرية بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة تتجوَّل في شوارع بغداد ومحافظات أخرى! وتبقى كل احتمالات الفوضى متوقعة، ولكن يبقى المشهدُ الثابت هو غياب مظاهر الدولة ومؤسساتها عندما يحتاج المواطن تلمس وجودها في مجالات حياته اليومية. لاسيما بعد أن تحوَّلت شوارع بغداد إلى ساحة للاستعراضات العسكرية لجماعات مسلحة بعناوين مختلفة، لها حريّة مطلقة في اختيار توقيتات الاستعراض، وتحمل لافتات عنوانها الصريح: بأننا فوق الدولة.  

ولا توجد فوضى أكثر من فقدان البوصلة في تحديد المعايير بشأن المواقف الوطنيّة والتي تميزها عن الولاءات الخارجية. فمن يتهم خصومَه بالخيانة والعمالة، يتبجح نهاراً جهاراً بالدفاع عن مصالح الدول التي يدين لها بالولاء ويتبع أجندتها من دون أن يبالي بمصلحة الوطن.   

وعندما يتم احتكار القرارات والمواقف المصيرية بالبلاد بإرادة زعماء الكتل السياسية، تُركَن إرادة المواطنين التي عبَّروا عنها من خلال المشاركة السياسية في الانتخابات، ويتحوّل البرلمان إلى مؤسسة لتمرير صفقات واتفاقات سياسية لِلزعماء على منح الثقة للحكومات، ومشاريع القوانين. فبالنهاية تكون المؤسساتية غائبة والشخصنة حاضرة وبقوّة في صنع واتخاذ القرار السياسي، وبالتأكيد لن يؤسس هذا الواقع إلا لترسيخ الأعراف السياسية التي تشرعن الفوضى وتضعّف دور المؤسسات السياسية.  

إحدى أهم ملامح مأسسة الفوضى في العراق، طبيعة العلاقة بين الحكومة الاتحادية واقليم كردستان. إذ الخلافات السياسية بشأن إقرار الموازنة الاتحادية وتكرارها كلّ عام، دليل كاشف على مأسسة الفوضى في النظام السياسي العراقي! ولا تزال حصّة الاقليم من الموازنة ومشكلة رواتب الموظفين وتصدير نفط الاقليم مشاكل عصيّة لا يتمّ حلّها عن طريق بنود الدستور، وإنما تتنظر الصفقات بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم من جهة، وبين الكتل السياسية من جهة أخرى. ومن ثمَّ، استبدلنا الفقرات الدستورية التي تحدد طبيعة العلاقة بين إقليم كردستان والحكومة الاتحادية بــ(اتفاق أربيل 2010)، واتفاق عادل عبد المهدي (الذي كان وزيراً للنفط آنذاك) مع حكومة الاقليم في 2014، والاتفاق الذي عقدته حكومة عادل عبد المهدي مع حكومة الاقليم الذي ثبت في موازنة 2018.  

وأيضاً، عندما تتحدث الطبقة السياسية وزعمائها عن الفساد وانتشاره ووجود صفقات مشبوهة تشترك فيها أحزاب وقوى سياسية وحكومية. ولكن هذه الأحاديث يتم تسويقها عن طريق اللقاءات الصحفية والتصريحات الإعلامية، ولا يتمّ إحالة ملفات الفساد التي يتم الحديث عنها إلى المؤسسات القضائية والرقابية، تكون النتيجة بأن يصبح لِلفساد السلطان الأعلى في دولة لا رقيب فيها ولا حسيب.  

في "دولة" يتم تعيين الأغلبية من رؤساء المؤسسات المهمّة في النظام السياسي بعنوان (الوكالة)، ويكون المعيار هو ولاء من يتم تعينهم لرئيس الحكومة أو الوزير أو الحزب السياسي، قطعاً لن تتم إدارة هذه المؤسسات نحو تحقيق المصلحة العامة. ولذلك، وفي ظلّ معيارية الولاء في التعيينات بالمناصب السياسية والإدارية، لم يعد غريباً أن تكون تلك المؤسسات عاجزة عن القيام بوظائفها في خدمة النظام العام أو المواطن، فهي تخدم الفوضى التي تؤسس لها الاوليغارشيات السياسية الحاكمة.  

كيف لا تكون الفوضى متسيّدة في المجال السياسي، عندما يستعرض مَن يهمين على مؤسسات الدولة بمعارضته لِقرار الحكومة أو استصغارها أو إهانتها بسلوكيات فوضويّة يتمّ تكرارها بمناسبة أو بدونها. وتكون المفارقة عندما تكون هناك الملاحقات واعتقالات قضائية لمن ينتقد هذه الفوضى ومحاولات إهانة الدولة، ويتم التغاضي عن الجهات المتهمة بتنفيذ عمليات الخطف والاغتيالات والتجاوز على الاملاك العامة والخاصة! 

إنَّ قوى اللادولة التي أسست لواقع فوضوي، عندما تقدّم نفسها على أنها أعلى من الدولة ومؤسساتها، تدرك تماماً عدم وجود أحد لمواجهتها وإيقاف تغوّلها. فخياراتها لمن يكون رئيس وزراء تقوم على أساس أن يكون شخصاً لا يملك مقومات القيادة حتى تشترط عليه استبعاد أي خيار لمواجهة مع كلّ من يريد اضعاف الدولة.  

وتتحوَّل الفوضى إلى كارثةٍ حقيقية، عندما تختار الحكومة الصمتَ أو التبريرات الساذجة التي تثير السخرية، وبذلك تكون ركيزة رئيسة في تثبيت الفوضى، فهي تنسحب مِن المجال العام وتتخاذل عن تأدية وظائفها الأمنية. وبذلك تترك المواطنَ أمام مواجهة مباشرة لهذا الواقع الفوضوي الذي لا يعرف فيه مَن مع الدولة ومَن هو ضدّها، وبالنتيجة يجعله مجبراً على التكيّف والقبول بالعيش في ظلّ الفوضى.  

لقد تصدّى لِلسلطة والحكمِ مجموعة من الفاشلين أو شخصيات مغمورة بلا تاريخ سياسي وخبرة في إدارة الحكم، قد يكون ذلك تبريراً للفوضى التي نعيشها في العراق. بيد أن تراكمات السياسات العبثية ومواقف التخاذل باتت تتحوّل إلى تركة ثقيلة جداً، تجعل التفكير بحلول لإنقاذ البلاد مجموعة من الأوهام، وتحيلنا إلى مخيال سياسي يتنظر المعجزة أو تدخل خارجي يعيدنا إلى المربّع الأول من تجربة الانتقال السياسي. 

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.