مظاهرات بيروت رفعت شعارات مناوئة لحزب الله
مظاهرات بيروت رفعت شعارات مناوئة لحزب الله

أجابت صونيا بيروتي، إذاعية السبعينيات الشهيرة، على سؤال زافين عما يزعجها في هذه الايام: "كل شيء يزعجني، مسؤولون يتخانقون كالصبيان ويعطلون البلد من أاجل ثلث معطل". المضحك المبكي أنه تعطيل لمنع التعطيل الذي سيستكمل الدمار.  

لفت نظري وصفها لهم "يتخانقون كالصبية". فما هي صفة الصبية الأساسية؟ إنهم قصّر وغير مسؤولين. لا يوجد في لبنان الآن أي مسؤول، مسؤول حقاً، حتى ولو رغب بذلك. 

 طبعا كيف سيكون مسؤولاً عندما نكون في حضرة ممارسات فكر شمولي لا تهمه حاجات الناس، يريد خضوعهم فقط لإملاءات ومصالح مرشده الأعلى!! فقناة المنار مثلاُ، تبدأ افتتاحيتها بما يجري من "انتصارات في اليمن"، في الوقت الذي يتناتش فيه سكان لبنان، بقراه الجنوبية، البضائع المدعومة. 

صرت كلّما أطلّ السيد نصرالله علينا، يقفز إلى ذهني مطلع النشيد الديني:"طلع البدر علينا". لكنه بدر مستفز لغالبية اللبنانيين ويثير غضبهم وتخوفهم من حفره لهوة جديدة تبتلعنا. لكن الطلة الأخيرة ليست أقل من تهديد بانقلاب، عليّ وعلى أعدائي. 

تتصاعد درجة الاستفزاز، غير المعهودة، على الساحة اللبنانية. كان اللبنانيون، من قبل، يخشون تسمية الأشياء بأسمائها، كحالهم مع "هيداك المرض بعيد من هون"، فيتجنبون كل إشارة الى حزب الله وأمينه العام  كإرهابيين. الآن لا تخلو مظاهرة ممن يرفع عالياً هذه الهتافات بوجهه. وكل أزمة جديدة تساهم بمزيد من الإجماع على تعيين الحزب كمسؤول عنها وعن عزل لبنان عن محيطه الإقليمي وعن الإسرة الدولية، ورهن السيادة والأمن اللبنانيين للمحور الإيراني. 

مسيرة طويلة سبقت وصولنا إلى هذه النقطة. فمواقف حزب الله تدحرجت من هالة القداسة المهيبة إلى يوميات التهديد العادي المبتذل.  

سابقاً، كان من الصعب على اللبناني تصنيف حزب الله، وكانت الردود متباينة. فخلطته "الإيرانية" غير مسبوقة في العالم لأنها جعلت الاستبداد والفاشية مقدسان. وبعد ان أصبح مقاومة فقدت مبررات وجودها، لأن المقاومة تنتهي عادة بانتهاء مهامها وليس بقوة اختراع  مهمات "تدوم وتدوم وتدوم"، بحسب الدعاية، تكشّف وجهه الحقيقي: حزب حديدي فاشي ديني. لا شك أنه سيكون موضوع دراسات مستقبلية عديدة. 

لكل قصة بدايات عديدة، لكنني سأبدأ هذه مع مأسسة السيد موسى الصدر للطائفة الشيعية في الستينيات والسبعينيات. ما شكّل الخلفية التي انطلق منها حزب الله لوضع يده على الطائفة ثم لبنان. فبالتزامن مع اختفاء الصدر بظروف غامضة لا تبرئ أيران ولا النظام السوري، أنشئت حركات جهادية ستعرف فيما بعد بـ"حزب الله". وهي بحسب أدبياتهم وتسجيلاتهم نواة لدولة إسلامية شيعية تتبع النموذج الإيراني، وتؤمن بولاية الفقيه. ولهذه الغاية وجب أن يهيئوا المجتمع الجنوبي لنشر مشروعهم السياسي. تطلب الأمر تنشيط التعليم الديني في الحوزات والحسينيات، واستيراد ثقافات هجينة مستجدة على الوسط الشيعي اللبناني، في الطقوس والشعائر والمناسبات التني تناسلت كالفطر، واللباس مدفوع الأجر..  استحضروا لاهوت المعجزات الغيبية للأئمة المعصومين من إيران ونشروها. لكنهم في نفس الوقت أوجدوا المؤسسات الصحية والتربوية والمالية وأنهوها ببناء أكبر قدرة عسكرية في المنطقة. كل ذلك بتمويل إيراني. 
 

سيطر الحزب على الأرض بعد ان قام بعمليات ضد المصالح الغربية في لبنان، من تفجير وخطف. ثم قضى على المعارضين، بمن فيهم جبهة المقاومة الوطنية التي حررت معظم الأراضي اللبنانية قبل العام 1987 ما عدا الشريط الحدودي الذي انسحب منه الجيش الاسرائيلي عام 2000. 

تجدر الاشارة هنا إلى أن من خلف السيد موسى الصدر في المجلس الإسلامي الشيعي الإمام الراحل محمد مهدي شمس الدين. وكان من دعاة الاعتدال والمصالحة ويحث الشيعة على الاندماج في مجتمعاتهم الوطنية ويعارض عقيدة ولاية الفقيه لصالح ولاية الأمة على نفسها. فاجتمعت حوله فئة من المعتدلين من إداريين ومثقفين وجمهور، لا تزال موجودة حتى الآن ولكنها مهمشة وغير فاعلة. وبقي هامش من المستقلين واليساريين مثّلهم حبيب صادق. وجرى فيما بعد تهميش هؤلاء جميعا من قبل السلطة الحاكمة التي فضلت التحالف، مع القماشة التي تشبهها، الثنائية الشيعية. 

في البداية ابتعد الحزب عن الانغماس في "وحول" السياسة الداخلية، مسنداً إياها لنبيه بري رئيس المجلس النيابي، الذي يدفّع ثمنها الآن وحده من سمعته وسمعة حركة أمل. وهنا لا بد من التذكير ان الساكت عن الحق شيطان أخرس. ذلك يعني ان حصر الفساد بأمل غير صحيح.  

تطورت مواقف الحزب منذ التحرير وتحول بالتدريج الى معارض شرس للسلطة التي حمته (اتفاق نيسان 1996) وتحالفت معه. كل ذلك باسم المقاومة، التي حولها إى مشروع قائم بذاته مفصول عن الدولة وعن سائر فئات المجتمع، الذي يزعم حمايتهم. استند في ذلك إلى كتلته الشعبية المتراصة ذات البنيان الحديدي المفتقد لبرنامج سياسي واضح سوى شعار المقاومة، فاقد الصلاحية، والتوجه شرقا واقتصاد البلكونات.  

بعد الخروج السوري، وبعد أن أمّن التحالف الرباعي والانتخابات منغمساً في الممارسة السياسية، أشعل مع ايران فتيل حرب تموز ليستغلها بفرض اجندته على البلد بالتدريج، فشلّ الوسط التجاري للضغط على الحكومة وتطويعها، ومجّد  7 أيار او "العملية الجراحية الدقيقة" بحسب تعابير نعيم قاسم. فرضي بكل مفاعيلها المجتمع الدولي والاقليمي. أُبرم اتفاق الدوحة الذي أدخل الثلث المعطل ودقّ أول اسفين في أسس النظام لتعطيل الدستور والقوانين، ثلث معطّل وحكومات توافقية عبارة عن برلمانات مصغرة وهرطقات. ويصرّون أنها أزمات دستورية. 

ساعدت الاغتيالات الانقلاب على الطائف وبدأ تكريس صيغة لنظام مشوّه، لم يعد النظام البرلماني الأكثري. وأصبحت الغلبة للشيعية السياسية بقيادة "حزب الله" اعتمادا على حلفاء - أتباع. 

يدفع الحزب الآن نحو التعطيل التام المنشود، والذي ينسبه البعض إلى خلل في الدستور والنظام، ما يستوجب بحسب الخطة مؤتمر تأسيسي ينهي تجربة المئوية الأولى من عمر لبنان. واذا لم يرضخ اللبنانيون فالحرب الأهلية كما في سوريا أو العراق. وهنا لا بد من الإشارة أن ما حصل ويحصل في سوريا لم يكن في يوم من الأيام حرباً أهلية، بل ثورة تم القضاء عليها بواسطة الاحتلال السافر المتعدد الأوجه والاطراف. وفي العراق، فرق مرتزقة  تمارس العنف والاغتيال على الشعب. وإن أي عنف سيفتعله الحزب لن يكون "حرباً أهلية"؛ لأن تناقض الشعب اللبناني معه ليس بسبب مذهبه، بل لأنه يمثّل الوصاية الإيرانية ببساطة.  

المستغرب أن حزب الله يظن أنه سينجو من انهيار لبنان. ولا بد هنا من التذكير بالموقف المدهش الذي أعلنه أنيس النقاش، المعروفة هويته، من محطة الميادين مؤخراً وقبل وفاته "المفاجئة" بعد أسبوع واحد من تصريحاته تلك، والتي نبّهت حزب الله والسيد نصرالله ان إفقار الناس والقضاء على لبنان هو قضاء على المقاومة وحزبها. 

 كان ذلك قبل آخر اطلالة للسيد التي أمعن فيها توزيع تهديداته على الجميع: الحريري وحاكم المصرف وقائد الجيش والثوار والبطريرك، ولأول مرة حليفه في الثنائية، الذي اضطر للرد عليه متمايزاً عنه ملتزماً المبادرة الفرنسية. فجمهور أمل "اللبناني" سيتضرر من انهيار لبنان. 

السؤال، استكمالاً لتحذيرات أنيس النقاش: بماذا سيواجه نصرالله الانهيار المالي؟ هل ستكفي بضعة شاحنات نفط من إيران؟ كي يسيّر أمور الناس بعد أن تبين ان "الجنرال الاخضر الاميركي"، لا يفرق بين مذهب أو لون، وأن الجمهور الشيعي متضرر كسائر الخلق في لبنان، وأن وعوده باننا "لن يجوع" ذهبت أدراج الرياح!! وأن أرباح التهريب الى سوريا لن تحل مشكلتهم وستزيد النقمة. 

ربما كل ذلك لأن السيد يستشعر ان العد العكسي للحزب قد بدأ. إلا إذا تدارك الأمر وعاد الى لبنان. 

وعلى رأي عمر الزعني: يا ضيعانك يا بيروت  

يا مصمودي بالتابوت يا بيروت      يا ضيعانك يا بيروت 

الجهلاء حاكمين                       والارذال عايمين 

والانذال عايشين                      والاوادم بتموت 

                                                                 ويا ضيعانك يا لبنان. 

 

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.