دوما سوريا بشار الأسد
"راهناً، ثمة ثلاثة بُلدان محيطة بسوريا تُشير أوضاعها الداخلية إلى إمكانية واسعة لتكرار النموذج الأسدي ذاك"

لم تكد شهور قليلة تمر على الثورة السورية، حتى تحول النظام السوري ورأسه بشار الأسد إلى ما يشبه النموذج الاستثنائي للتفكير "بارادايم" بمستويات وأدوات إمكانيات الانتهاك التي يُمكن لسلطة ما أن تمارسها بحقها دولتها ومجتمعاتها المحكومة.

سقطت تلك الاستثنائية تباعاً، بالذات خلال السنوات الخمسة الماضية، حيث ظهرت نماذج ومحاولات حثيثة في أكثر من دولة، تبدو وكأنها تسير قُدماً لأن تحول بُلدانها وتجاربها إلى ما يُماثل الحالة السورية. المتمثلة في سُلطة عارية مُعبر عنها في شخص أو مؤسسة أو نظام سياسي ما، تتمكن ببرودة أعصاب تامة من تحطيم كافة أشكال ودروب الحياة، ومع ذلك تفلت من العِقاب وتشغل مكانة صاحبة الشرعية والسيادة الوحيدة. 

طوال سنوات الحرب، كان الأسد ونظامه يُصوران وكأنهما استثناء لا يُمكن أن يُعاد تكراره. فاعلان رئيسيان ساهما في خلق تلك الهالة من الاستثنائية: النُخب والقوى السورية المُعارضة من خلال الإصرار على أن "الوحشية الأسدية" نموذج استثنائي لا يُطال.

حيث فسرت ذلك باعتباره متأت من تظافر مجموعة من العوامل الصراعية، يُستحال أن تجتمع في أي مسألة أخرى، من الكراهية الطائفية مروراً بالحروب القومية وتاريخ عنف النظام السوري، وليس انتهاء بدور الموقع الجيوسياسي لسوريا والصراعات الإقليمية والدولية عليه.

كذلك كُرس ذلك الاستثناء كانعكاس لاستثناء جذرية الصراع السوري، من حيث استحالة اجتراح مخارج وحلول توافقية غير صفرية بين المتصارعين السوريين، وتالياً إمكانية تشذيب الحرب ووضع خطوط حمراء ونهايات ما لها، ذلك الوجه الذي يبدو خاصاً جداً في المسألة السورية.  

راهناً، ثمة ثلاثة بُلدان محيطة بسوريا تُشير أوضاعها الداخلية إلى إمكانية واسعة لتكرار النموذج الأسدي ذاك، بالذات من حيث المضامين المذكورة سابقاً، وطبقاً لنفس الآليات التي صورت وكأنها استثنائية تماماً.  

في لبنان، يبدو أن تدهور الأحوال الاقتصادية لا قعر له، حتى أن مجاعة كاملة تلوح في الأفق، مصحوبة بإمكانية انفلات أمني، قد يتحول إلى حروب طائفية ومذهبية دامية. كل ذلك دون أن تتخلى دوائر ونُخب الحُكم عن أي جزء من مصالحها ومواقعها وأدواتها السلطوية، أيا كانت الأثمان. 

لا تقل تفاصيل أوضاع العراق عما سبق، بالذات من حيث تصرف فصائل الحشد الشعبي كنواة صلبة للسلطة الحقيقية في البلاد، تقصف مُدناً آمنة كأربيل وتمارس استعراضات عسكرية في العاصمة بغداد، تعتقل ناشطين وتقتل متظاهرين آخرين، تضع خطوطاً حمراء أمام البرلمان وتهدد رئيس الوزراء، وأشياء كثيرة من مثل تلك، في ظلال أزمة اقتصادية وحياتية خانقة، ودون أن تتمكن الحكومة العراقية فعل شيء، خلا العمل كأدوات ومؤسسات لتيسير الشؤون التي لا يُريد الحشد الشعبي الانشغال بها. 

تركيا، وإن بدرجة أخف وغير انفجارية، تتجه لأن تدخل ذلك المسار السلطوي الإطلاقي. بطء الأحوال في تركيا يعود إلى تواريخ سابق من توازنات الجماعات والقوى السياسية، وليس لخيار في ذات السلطة الحاكمة.  

لكن، ومع ذلك، تتغول الإردوغانية السلطوية في كافة ديناميكيات الحياة العامة، مع شبه انهيار اقتصادي، وتدخل في حلبات صراعية مُسلحة متعددة، أي تعد بتكرار النمطية الأسدية. يكفي التذكير مثلاً بأن المؤتمر السابع لحزب العدالة، الذي عُقد مؤخراً، انتخب إردوغان بـ 1428 صوتاً، هي كامل أصوات المؤتمر!.   

تثبت أحوال البلدان الثلاثة بأن الأسدية وأحوال سوريا معها ليست "بيضة الديك"، وأن جملة العوامل والديناميكيات التي انبعثت الأسدية من تظافرها يُمكن أن تُستعاد مرات لا تُحصى في بلداننا، وبوتائر أكثر خصوبة مما هو متوقع. شيء شبيه بعدوى الفاشية التي أصابت عدداً من الدول والمجتمعات الأوربية في ثلاثينيات القرن المنصرم. 

استمراء الأسدية كان أهم العوامل الدافعة لتكرار نموذجها. فمجموع القوى السلطوية المحيطة والقريبة من سوريا، وحينما رأت وتابعت إمكانية حدوث كل ما حدث في سوريا، فأدخلت في حساباتها ما كانت تعتقده مُستحيلاً من قبل. إذ قدمت الأسدية إمكانية لفعل كل شيء، مع إمكانية الاستمرار والإفلات من العِقاب، وهو ما كان يُعتقد بأنه مستحيل الحدوث من قبل. 

كذلك فإن هذه الدول والكيانات والأنظمة كانت تداخلية مع الأسدية، سواء في صراعها معه أو مؤازرتها له. هذا التداخل دفعهم لاستخدام نفس الأدوات والآليات التي كانت شرط السياسة الأسدية ولغتها.  

على أن شرطي الاستمراء والتداخل مع الأسدية، الدافعان لأن تُعيد العديد من الدول التجربة والنموذج الأسدي، لم يكونا جوهريان بقدر فاعلية ثلاثة عوامل داخلية جذرية في ديناميكيات هذه الأنظمة والقوى السائرة في ذلك الدرب.  

في كل دولة مما ذُكر سابقاً، يُلاحظ أن غولية الحُكام تتفاقم طرداً مع آلية إلغاء المُجتمع الداخلي. ففي تركيا ولبنان والعراق اليوم، وعدد آخر من البلدان، يُلاحظ بوضوح أن الصراع يخرج لأن يكون بجوهره صراعاً بين المُجتمع والحاكمين، لأن يكون صراعاً بين القوى السلطوية ذاتها، أو بين الدول والأنظمة الإقليمية على ذلك البلد. أي أن المُجتمعات الداخلية تخرج تماماً من أي حسابات عضوية لطبيعة الصراع، وتالياً تفسح المجال لأن يُمارس عليها وبحقها كل ذلك الهوان.  

إلى جانب ذلك، فإن الممارسات المتراكمة من قِبل السلطات الحاكمة هذه، تدفعها للجزم بأن طبيعة صراعها صفرية تماماً. فإما أن تنتصر بأي أثمان كانت، أو أن تواجه "المحق". يبدو هذا الخيار المريع الذي تستبطنه هذه الأنظمة والتشكيلات الحاكمة دافعاً قوياً لها لأن تتخلى عن أي مساومات أو خطوط حمراء عادية، وأن تعتبر مُجمل أفعالها وانتهاكاتها شكلاً من الدفاع عن النفس من الغرق. هنا بالضبط، تبرز الأدوار غير المسؤولة للنُخب المعارضة، التي تفشل مرة بعد أخرى لوضع وخلق تصورات وحلول غير جذرية، وإن لم تكن عادلة تماماً.  

أخيراً، فإن إمكانية تكرار الأسدية متأتٍّ من طبيعة النُخب الاقتصادية والثقافية والسياسية "الخارجية" في هذه البلدان. فهذه النماذج، وعلى تنوعها، إنما مُسيطر عليها من قِبل طبقة من الأقوياء الذين يملكون روابط ومصالح مع أماكن ودول أخرى أكثر مما تملكه من وشائج مع مجتمعاتها ودولها.

في هذه الدول ثمة أشكال مُقنعة من الاحتلالات التقليدية، تمارسها الطبقات القوية النخبوية شبه المعزولة عن مجتمعات هذه الدول، تلك النُخب التي لا تفعل شيئاً خلا الاستحواذ على أنماط الرأسمال الرمزي، وتهريب الرأسمال المادي المالي إلى خنادقها الآمنة خارج البلاد. 

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.