الاتفاق يمثل انقلابا استراتيجيا واضحا
"الاتفاقية الصينية الإيرانية الجديدة تهدد بإحداث تغيير في هذا التوازن"

أخذت طموحات الصين الجيوسياسية في الشرق الأوسط قفزة هائلة إلى الأمام خلال عطلة نهاية الأسبوع، عندما اجتمع المسؤولون الصينيون والإيرانيون في طهران للتوقيع رسميا على اتفاقية تعاون جديدة ضخمة.

القمة، التي عقدت خلال زيارة رسمية وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، للجمهورية الإسلامية ترسم اتجاها كان قيد الإعداد لبعض الوقت: تحالف استراتيجي رئيسي بين بكين وطهران.

كانت الخطوط العريضة للترتيب معروفة منذ شهور. في الصيف الماضي، كشف وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، علنا أن البرلمان في البلاد بلغ المراحل الأخيرة من صياغة خطة تعاون طويل الأمد مع جمهورية الصين الشعبية.

كانت الاتفاقية نظريا عبارة عن توافق استراتيجي يمتد 25 عاما بقيمة مذهلة تبلغ 400 مليار دولار، ويشمل كل شيء من المشاركة الصينية في قطاع الاتصالات الإيراني إلى تعاون أوثق بين جيشي البلدين. وبينما لم يتم الكشف عن التفاصيل الكاملة لـ "الشراكة الاستراتيجية الشاملة" التي تم تقنينها للتو من قبل وزيري الخارجية الإيراني والصيني، يبدو أنها تشبه إلى حد ما تلك التفاصيل التي تم النظر فيها في يونيو.

بالنسبة لبكين، يمثل الاتفاق انقلابا استراتيجيا واضحا. من خلاله، حصلت جمهورية الصين الشعبية، من بين أشياء أخرى كثيرة، على وصول تفضيلي إلى مجموعة من مشاريع البنية التحتية الإيرانية، وتأمين موانئ ومرافق بحرية جديدة لاستيعاب تجارتها الإقليمية المزدهرة ووجودها البحري المتزايد. بطريق المبادلة، تولت الصين رسميا دور الشريك العالمي الرئيسي للجمهورية الإسلامية وشريان حياتها الاقتصادي في مواجهة أي ضغوط مستقبلية قد تنظمها الولايات المتحدة أو أوروبا.

حتى الآن، مع ذلك، ما برحت الصين تبذل جهدا لتجاوز الانقسامات الطائفية العميقة في الشرق الأوسط. على سبيل المثال، تمت موازنة انفتاح بكين على إيران الشيعية، تاريخيا، من خلال التواصل مع الدول السنية مثل مصر والإمارات والسعودية. استفادت هذه البلدان بدورها بشكل كبير من الاستثمارات الصينية الضخمة، ما جعلها تكره انتقاد حملة الصين الوحشية على الأقلية المسلمة من الأويغور أو الاستجابة لنداء واشنطن بشأن الحاجة إلى اختيار أحد الأطراف في "منافسة القوى العظمى" الناشئة بين الولايات المتحدة و جمهورية الصين الشعبية.

الآن، ومع ذلك، فإن الاتفاقية الصينية الإيرانية الجديدة تهدد بإحداث تغيير في هذا التوازن. من خلالها، يبدو أن حكومة الصين ترسل إشارة إلى أن نظام الملالي في إيران أصبح الشريك الإقليمي المفضل لديها. على الرغم من أن الاتفاق مصمم بشكل واضح للاستفادة من حالة إيران الضعيفة الحالية، إلا أنه يضع الجمهورية الإسلامية في صدارة جدول الأعمال الإقليمي لجمهورية الصين الشعبية، ويفعل ذلك بطريقة قد تؤدي في النهاية إلى تعزيز الحكومة الحالية في طهران بشكل كبير.

سيحاول البيروقراطيون في بكين، بالطبع، إقناع الأنظمة السنية في المنطقة بأن شيئا لم يتغير. لكن المسؤولين في الرياض وأبوظبي وعواصم الشرق الأوسط الأخرى سيكونون حريصين في الضغط على الصين بشأن تفاصيل تحالفها الاستراتيجي الجديد مع الجمهورية الإسلامية. يجب عليهم أيضا أن يسألوا كيف تخطط جمهورية الصين الشعبية، على وجه التحديد، للبقاء شريكا موثوقا به، بالنظر إلى الروابط الاقتصادية والسياسية والعسكرية المتنامية مع الدولة التي تعمل بمثابة عدوهم الإقليمي.

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.